أثارت قرارات هيئة الأوقاف المصرية برفع القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية، والمباني ‏السكنية، والتجارية، التابعة لها صدمة لمئات الآلاف من المزارعين الفقراء الذين يغلب ‏على أكثرهم ملكيات أقل من الفدان، وللأهالي الذين بنوا مساكنهم ويقيمون متاجرهم ‏ومشروعاتهم الصغيرة على أراضي الوقف.‏

وأصدرت وزارة الأوقاف بيانا الخميس، أكدت فيه أن لجنة من خبراء الزراعة بالهيئة، ‏كشفت عن عوار كبير ببعض العلاقات التعاقدية والقيم الإيجارية؛ بما أفضى إلى ‏إهدار مال الوقف، فلزم التدخل لإعادة التوازن الشرعي القانوني المطلوب، مؤكدة أن ‏عمل اللجنة ترتب عليه اتخاذ قرارات تصحيحية، وأن القيم الإيجارية الصادرة مبنية ‏على زيارات ومعاينات مستفيضة من لجنة مركزية وإقليمية بالهيئة.




والوقف الخيري، والأهلي، نظام يقوم على تجميد الأصل (كالأرض والعقار) ويُخصص ‏ريعه لغرض خيري واجتماعي محدد، واستُخدم في العصرين المملوكي والعثماني، ‏لتشييد المدن والمساجد والمدارس والمستشفيات، وبعد تموز/ يوليو 1952، تم إلغاء ‏الوقف الأهلي، وضم جميع الأصول لإدارة الدولة عبر "هيئة الأوقاف"، أحد أضخم ‏الأذرع الاقتصادية في مصر.‏

ارتفاع تاريخي وصدمة كبيرة

‏واشتكى أهالي قرى وعزب وكفور مصرية كاملة، من قرار أبلغه لهم موظفو إدارات ‏الأوقاف يقول برفع الهيئة للقيمة الإيجارية للأراضي، التي بحوزتهم وحوزة أسرهم منذ ‏عقود، والتابعة للأوقاف؛ 3 أضعاف مرة واحدة من نحو 15 ألف جنيه إلى 45 ألفا، ‏دفعة واحدة. ‏

كما رفعت الأوقاف القيمة الإيجارية لأراضي البساتين لأكثر من ذلك بكثير، وذلك إلى ‏جانب رفع قيم إيجارات المنازل السكنية التي بناها الأهالي طيلة السنوات والعقود ‏الماضية عن الرقم السابق، في قيم مختلفة من منطقة إلى أخرى ومن وقف إلى آخر.‏

وبينما يتراوح إيجار الفدان العادي غير المملوك للأوقاف بين 15 و17 ألف جنيه، ‏تتخوف مئات الأسر المقيمة على أراضي الأوقاف منذ عشرات السنين، والتي تقوم ‏بزراعة منطقة وقف "فايقة عزت"، بمحافظة الشرقية، أن" تكون تلك القرارات التي ‏تعجزهم عن دفع تلك القيم الإيجارية بداية لخطة طردهم من أراضيهم ومنازلهم".‏

قرار طرد واستبدال للعقود
وقال المهندس "سيد. ف"، أعتقد أنها "فرصة للدولة لطرد الأهالي من أراضي الوقف"، ‏مؤكدا لـ"عربي21"، أنه "لا يستطيع أحد من الفلاحين دفع هذه القيم"، متسائلا: "ما هي ‏الزراعة التي تجلب محصولا يباع بهذا المبلغ بعد حساب تكلفة الحرث والحبوب ‏والسماد والري بمياه جوفية لعدم وصول مياه الترع لأغلب الأراضي بالصيف".‏

ويوضح أن "سعر إيجار أراضي الأوقاف شهد خلال عهد السيسي، طفرة أسعار ‏تاريخية، ومنذ العام 2012، كانت قيمة الإيجار نحو 600 جنيه للفدان، ثم زادت ‏دفعة واحدة في 2014 للضعف مسجلة 1200 جنيه في حوض فايقة عزت، ثم توالت ‏الزيادات إلى 4 آلاف جنيه وحتى وصلت العام الماضي نحو 14 ألف جنيه، لترفعها ‏الأوقاف مجددا إلى نحو 40 ألفا، فهذا يعني أنه قرار طرد لاستبدال الأهالي بغيرهم ‏بعقود جديدة بقيم إيجارية جديدة".‏

ويلفت إلى أن "الأوقاف تقوم بتلك اللعبة منذ سنوات، حيث أنه حال وفاة المستفيد أو ‏المؤجر لأراضيها، توقف التعاقد وتقوم بعمل عقد جديد للورثة بقيمة جديدة أعلى ‏بكثير".‏

نعمل بلا أجر
الحاج "حمدي. ر"، يقول لـ"عربي21": "أزرع قطعتين من أراضي الأوقاف بمساحة 12 ‏و13 قيراطا، (فدان إيجاري)، أدفع بعد موسم القمح 7 آلاف جنيه إيجارا عن النصف ‏الأول من العام و7 أخرى بعد موسم الأرز، وفي النهاية أعمل أنا وأبنائي وزوجتي بلا أجر ‏طوال العام".‏

ويضيف: "كنا نعطي التجار المحصول ونحصل منه على التقاوي والأسمدة ولكن هذا ‏العام رفض التجار شراء محصول الأرز لأن مخازنهم مملوءة به، وطالبونا بدفع ثمن ‏تقاوي القمح، التي لا نملك مالا لشرائها"، متسائلا: "فكيف لنا أن ندفع قيمة إيجارية 3 ‏أضعاف؟، وهل الحكومة سترفع سعر المحاصيل؟"، مؤكدا أنها "فقط سترفع الإيجار ‏وثمن البذور والسماد والجاز"، مشيرا إلى أن "صفيحة الجاز أصبح ثمنها 400 جنيه لا ‏تكفي ريتين للأرض الزراعية".‏

أحد مسؤولي وزارة الأوقاف "ع. أ"، تحدث إلى "عربي21"، عن الأزمة، كاشفا عن تغيير ‏جذري في سياسة وتوجهات هيئة الأوقاف وتوجيهات الوزارة بهذا الشأن، قائلا: "التعامل ‏منذ سنوات مع مشروعات وأراضي واستثمارات وأملاك الأوقاف يقوم على الاستثمار ‏وتحقيق أكبر فائدة من الوقف، وكل مدير وإدارة ومديرية مطالبون بكشف حساب ‏أرباح أكثر بكثير من عام لآخر، مع وجود الحوافز للموظفين".‏

ويبين أن "الجديد في الأمر، أنه مال وقف بالفعل ولكنه للاستثمار وليس لله كما كان ‏الاعتقاد والسياسات القديمة"، موضحا أن "هناك مصروفات كبيرة على الأوقاف منها ‏الصرف على المساجد (بناء وإصلاح وفرش وفواتير خدمات كهرباء ومياه ورواتب)، ‏ورواتب الموظفين بالوزارة والهيئة، إلى جانب خطة الاستثمار التي تحتاج أموالا ضخمة، ‏وبينها مشروعات سكنية وزراعية واستصلاح أراض وتشجير أراضي صحراوية، ‏وغيرها".‏

ويؤكد أن "من يحدد قيمة الإيجار هي لجان فنية تابعة للهيئة والأساس لديها هو ‏التسعير وفقا للقيم الإيجارية السائدة في ذات منطقة الوقف"، مشيرا إلى أن "الفدان ‏المقترح رفع إيجاره إلى 40 و45 ألف جنيه هذه هي قيمته الإيجارية في ذات المنطقة، ما ‏ينطبق على قيمة إيجار المحلات والورش والمصانع الصغيرة وحتى البيوت السكنية التي ‏يبنيها الأهالي"، مؤكدا على صحة معلومة "تنازل الأهالي عن بيوتهم التي بنوها حديثا ‏للهيئة ودفع قيم إيجارية تزيد سنويا وفقا للمنطقة".‏

الوقف من منظور السيسي
ومنذ وصول رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، للحكم عام 2014، أصدر توجيهات ‏واتخذ قرارات وغير قوانين الوقف، بما يخدم رؤيته لتحويل الوقف إلى مشروعات ‏استثمارية تخدم الدولة المصرية أولا، وتساهم في خفض عجز الموازنة، وفق تصريح ‏لرئيس الوزراء الأسبق شريف إسماعيل، ما تسبب في تفريغ مفهوم الوقف الأصلي، ‏بكونه عملا خيريا.‏

وقبل استيلاء السيسي، على الحكم في مصر منتصف 2013، كانت غالبية الأراضي ‏والمباني المؤجرة بنظام الإيجار القديم تخضع لقيم إيجارية رمزية، ففي العام 2012 وما ‏سبقه، كان الإيجار السنوي للفدان الزراعي يتراوح بين 500 إلى 1500 جنيه، فيما ‏كانت إيجارات المحلات والمساكن تُقدر بعشرات أو بضع مئات من الجنيهات شهريا.‏

لكن شهدت الفترة ما بعد عام 2014 صدور قرارات المراجعة المستمرة للقيمة ‏الإيجارية، حيث طبقت الهيئة زيادات وصلت في بعض الحالات إلى 500 بالمئة وحتى ‏‏2000 بالمئة على القيمة الإيجارية القديمة.‏

وعلى سبيل المثال، ارتفعت قيمة إيجار الفدان الواحد في مناطق الدلتا أو الصعيد ‏لتصل إلى ما يراوح بين 6000 إلى 15000 جنيه سنويا أو ما يعادل القيمة السوقية لمثل ‏تلك الأراضي.‏

ويوضح عبدالعال، أن "القيمة الإيجارية تختلف حسب الموقع (أراضي زراعية، مباني ‏سكنية، مبان تجارية) وطبيعة العلاقة التعاقدية بين إيجار قديم وعقد جديد"، ويلفت ‏إلى أن "الزيادة التي طبقتها الأوقاف بالسنوات الأخيرة تكشف عن تحول سياسة الهيئة ‏المالية بتجاوز مرحلة القيمة الإيجارية الرمزية إلى تطبيق القيمة السوقية، ما أحدث ‏زيادة كبيرة بإيرادات الهيئة".‏

ويؤكد مراقبون أن ما تحققه الأوقاف من إيرادات يأتي لتوجيهات السيسي، برفع القيم ‏الإيجارية، مشيرين إلى أنه وجه في 23 آب/ أغسطس 2020، بـ"عدم إبرام وتجديد ‏عقود هيئة ووزارة الأوقاف إلا بالقيمة التجارية الفعلية الحالية العادلة (السوقية) ‏سواء كان العقد بيعا أو تأجيرا أو حق انتفاع".‏

تضاعف الإيرادات
ونتيجة لذلك قفزت إيرادات هيئة الأوقاف مسجلة نحو 3 مليارات جنيه في 2024، ‏وبالنصف الأخير من العام الماضي وحده سجلت إجمالي متحصلات إيرادات الهيئة ‏‏1.566 مليار جنيه، بزيادة 27 بالمئة عن المستهدف، وبزيادة 30.54 بالمئة مقارنة بالفترة ‏نفسها من العام الماضي.‏

وهي الأرقام التي تشير لزيادة كبيرة بإيرادات الهيئة التي بلغت على سبيل المثال  2.035 ‏مليار جنيه بالعام المالي 2021/ 2022، بزيادة قدرها 216 مليون جنيه عن العام المالي ‏‏2020/ 2021.‏

وتشير أرقام أعلنها مسؤولو الأوقاف عامي 2023 و 2024، إلى أن القيمة السوقية ‏لأصول الأوقاف المصرية تتعدى 3 تريليونات جنيه، بينما أعلن السيسي، بالعام 2018، ‏عن وجود 114 ألف قطعة وقف بأصول تقدر بـ180 مليار جنيه، إلى جانب حوالي ‏نصف مليون فدان زراعي وبساتين.‏

حصر الممتلكات ومخاوف البيع
ويأتي توجه هيئة الأوقاف برفع القيم الإيجارية بهذا القدر في الوقت الذي يتخوف فيه ‏مراقبون من أن تكون أراضي الأوقاف ضمن خطة حكومية لبيعها أو طرحها على ‏مستثمرين في ظل توجه حكومي لبيع الأصول العامة والشركات الحكومية وطرح أراضي ‏طرح نهر النيل بالقاهرة والمحافظات.‏

في تموز/ يوليو 2016، قرر السيسي، تشكيل لجنة لحصر أموال هيئة الأوقاف برئاسة ‏رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، من أراض، ومبان، ومشروعات، ومساهمات ‏بشركات.‏

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أصدر الوزير السابق مختار جمعة القرار (رقم 274) ‏بما يسمح لهيئة الأوقاف التصرف ببعض الأصول بالبيع عبر المزاد العلني أو استبدالها ‏بأراضي أخرى لبناء مشروعات تحتاج إليها الحكومة.‏



وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017، وجّه السيسي، بضرورة تحقيق الاستفادة المثلى من ‏أصول وممتلكات الأوقاف، مع حصر وتقييم تلك الممتلكات بشكل شامل، وتبني هيئة ‏الأوقاف فكرا استثماريا متطورا.‏

في العام 2022، أقر البرلمان مشروع قانون الوقف الخيري، "صندوق الاستثمار الخيري ‏بوزارة الأوقاف"، برئاسة رئيس الوزراء، وبهدف دعم أجهزة الدولة في إقامة وتطوير ‏المشروعات الخدمية والتنموية والبنية التحتية، بحسب مادتيه الأولى والثانية.‏

وفي أيار/ مايو الماضي، وجه رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، بحصر أراضي وممتلكات ‏هيئة الأوقاف للدخول في شراكات مع القطاع الخاص لـ"تعظيم الاستفادة منها"، مؤكدا ‏أنها تخضع لقانون خاص ولا يمكن بيعها.‏

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية سياسة عربية الأوقاف المصرية الفلاحين مصر أوقاف فلاحين المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القیمة الإیجاریة القیم الإیجاریة أراضی الأوقاف قیمة الإیجار هیئة الأوقاف من أراضی ألف جنیه إلى أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • محافظ أسوان يوجه بمراجعة عقود المحلات وتحديث القيم الإيجارية وفقاً للأسعار الحالية
  • جنايات المنيا تعاقب تشكيلاً عصابياً بالعدوة بالمشدد 15 عاماً وغرامة 300 ألف جنيه
  • نقابة الفلاحين: حوافز الدولة رفعت معدلات توريد القمح خلال الموسم الحالي
  • نقابة الفلاحين الزراعيين تشيد بجهود وزارة الزراعة في دعم مزارعي القمح
  • وزير الأوقاف: نعتز في مصر ببركة دخول المسيح وإبراهيم ويوسف وآل البيت الكرام إليها
  • مستوطنون يهاجمون منازل ويحرقون أراضي زراعية في مادما جنوبي نابلس
  • الاحتلال يُواصل تجريف أراضي مزروعة بالزيتون جنوب جنين
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مشروع جديد لـ«طلعت مصطفى» في العراق يرفع محفظة أراضي المجموعة إلى 128 مليون متر مربع
  • نقيب الفلاحين: الشرقية تتصدر المحافظات في توريد القمح بـ650 ألف طن