الجزيرة:
2026-06-03@04:16:49 GMT

ترامب يُحيي مشروع أميركا القديم

تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT

ترامب يُحيي مشروع أميركا القديم

بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب المجال الجوي لفنزويلا مغلقا تماما، تكون الولايات المتحدة قد اقتربت من توجيه ضربة عسكرية لهذه الدولة النفطية في أميركا اللاتينية لتغيير السلطة السياسية المناوئة لواشنطن بالقوة العسكرية، والإتيان بأخرى تابعة، أو زيادة الضغط على الرئيس نيكولاس مادورو لإجباره على الاستقالة، أو على الأقل جره إلى طاولة المفاوضات ضعيفا مستسلما، فتأخذ منه واشنطن بالتفاوض ما يمكن أخذه بالسلاح، أو أكثر.

تريد أميركا أن تُحيي مشروعها القديم في أميركا اللاتينية وتتذرع بمواجهة عصابات المخدرات والهجرة غير الشرعية، لتواصل ممارستها سلوكا طالما نبع من إدراك واشنطن لأميركا اللاتينية باعتبارها حديقة أو فناء خلفيا للإمبراطورية الأميركية، على الأنظمة الحاكمة لدولها أن تدور في الفلك الأميركي، أو على الأقل، لا تدور في فلك آخر غيره.

وهنا ترى واشنطن أن الصين، وروسيا، وإيران تمددت مصالحها في القارة اللاتينية عبر بوابة فنزويلا، ولذا حان الوقت لوضع حد حاسم لهذا.

هذا هو السبب الحقيقي لتصرفات واشنطن حيال النظام الحاكم في كاراكاس، إلى جانب طمع الأميركيين في ثروات فنزويلا، ومنها النفط والمعادن، وهي بهذا تكرر نمطا من الدفاع عن المصالح الأميركية في أقرب بقعة جغرافية لها، طالما رأيناه منذ منتصف القرن الـ19، وإلى الآن.

فأميركا تدخلت عسكريا في أميركا اللاتينية بشكل مباشر ثلاثين مرة، توزعت على احتلال أرض، وإنزال قوات لمساعدة أنظمة حكم تابعة، وممارسة عمليات قتالية محدودة الأهداف، فضلا عن سبعين تدخلا آخر غير مباشر، منها دعم انقلابات عسكرية، وإمداد مليشيات مناوئة لحكومات بالسلاح والمال والمؤن، وتدريب قوات، وحصار دول، وعمليات سرية لجهاز الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه".

وشملت هذه التدخلات، المباشرة وغير المباشرة، أغلب دول أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى أو منطقة الكاريبي. ففي القرن الـ19 تدخلت الولايات المتحدة عسكريا في المكسيك، ونيكاراغوا، وهاييتي، وبنما، وكولومبيا.

إعلان

وفي القرن العشرين تدخلت في كوبا، وبورتوريكو، وبنما، والدومينيكان وهاييتي، ونيكاراغوا، وهندوراس، وغواتيمالا، وتشيلي، وغرينادا، بينما نفذت في القرن الحالي عمليات أصغر تتعلق بالحرب على المخدرات، كانت في الأساس بتنسيق مع حكومتي كولومبيا وهندوراس.

ولم يكن هذا التدخل في أي دولة لمرة واحدة إنما مرات عديدة. أما التدخلات غير العسكرية فلم تنجُ منها أي من دول القارة.

ولا يقتصر التدخل الأميركي في فنزويلا هذه المرة على الإتيان بنظام تابع لواشنطن فقط، إنما هناك طمع ظاهر في الاحتياطات النفطية للبلاد، لا سيما أن المعارضة الفنزويلية الموالية للأميركيين تتحدث دوما عن فرص أمام شركات الطاقة الأميركية حال تغيير النظام.

وهي التي تمارس ضغوطا على إدارة دونالد ترامب نفسها كي تفتح أمامها باب فنزويلا، عبر تفاوض خلاق يؤدي إلى نتائج إيجابية في الواقع، بعد ثبوت أن العقوبات القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عام 2017 على فنزويلا- وخصوصا قطاع النفط، وأدت إلى تقلص الاستثمارات الأجنبية في مجال الطاقة، وحرمت الشركة الوطنية للنفط "PDVSA"من شراء قطع غيار وتقنيات لازمة لمواصلة الإنتاج بكفاءة- إن كانت قد سببت ضيقا للنظام الحاكم، وأذى للشعب الفنزويلي، فإنها لم تفد أميركا.

وتريد هذه الشركات، التي تستفيد من التنقيب عن النفط في فنزويلا وتصفيته واستيراده، أن يجد ترامب حلا خارج العقوبات، التي فرضها في ولايته الأولى على فنزويلا، لكنها لم تجدِ نفعا، بل زادت من إفقار الشعب الفنزويلي، في ظل تضخم فادح وانهيار الخدمات الأساسية، وأعطت فرصة للنظام الحاكم كي يعمق كراهية أميركا في نفوس الناس هناك، وحشدهم ضدها، ودفع بعضهم للهجرة إلى الولايات المتحدة وغيرها، لا سيما من الفئات صاحبة الخبرات والمهارات المميزة في المجتمع.

وقد أنصتت إدارة ترامب إلى مطالب الشركات هذه في البداية، لكنها لم تلبث أن صمت آذانها عن وجهة نظرها، وراحت تميل إلى الحسم العسكري، وتسوقه للعالم على أنه مواجهة لمهربي المخدرات في أرض فنزويلا، ثم تتهم مادورو بأنه يقود هؤلاء المهربين بنفسه، ويتعاون معه جنرالات بالجيش، وحزبيون كبار في نظامه، حازوا نتيجة لهذا ثروات طائلة.

لكن هذه الذريعة تندرج ضمن مثيلاتها التي طالما قدمتها واشنطن في كل تدخلاتها الخارجية، إذ رفعت شعار "التدخل الحميد" للسيطرة على الصومال ذات الموقع الإستراتيجي، وشعار "الحرية للعراق" للسيطرة على بلاد الرافدين الغنية بالنفط، وشعار "محاربة الإرهاب" للتدخل في مناطق كثيرة من العالم.

فالحقيقة أن واشنطن تضع عينيها على احتياطات نفطية مؤكدة تمتلكها فنزويلا تقدر بـ300 مليار برميل، وهي مسألة لم يستطع بعض السياسيين الأميركيين إخفاءها.

فها هي النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار تقول: "بالنسبة لشركات النفط الأميركية، ستكون فنزويلا احتفالا؛ لأن هناك أكثر من تريليون دولار من النشاط الاقتصادي"، وها هو جيمس ستوري، آخر سفير للولايات المتحدة في كاراكاس، يبين أن الرئيس مادورو هو العقبة أمام استيلاء الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، حيث يقول: "يجب أن يختفي مادورو؛ لأنه ممثل سيئ يجلس فوق أكبر احتياطات نفط في العالم، إضافة إلى المعادن الضرورية لاقتصاد القرن الـ21، وقد تحالف مع منافسينا الإستراتيجيين."، وهو يقصد الصين هنا، التي استحوذت في منتصف العام الجاري على 85% من صادرات النفط الفنزويلي.

إعلان

هذا هو الهدف الحقيقي الذي دفع ترامب إلى قرار فرض الحظر الجوي الكامل على فنزويلا، دون موافقة من مجلس الأمن الدولي، ولا احترام لقوعد منظمة الطيران المدني الدولي "الإيكاو"، ودون أي نظر إلى بنود اتفاقية شيكاغو لعام 1944، ولا حتى موافقة داخلية من الكونغرس.

فواشنطن ليست معنية بكل هذا، وقد اعتادت مرات انتهاك القانون الدولي في سبيل تحقيق مصالحها البحتة، وها هي اليوم، بتهديدها فنزويلا، تنتهك الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

إن قرار ترامب يبدو في الغالب تمهيدا لتدخل عسكري أميركي في فنزويلا، من المحتمل أن يبدأ بتوجيه ضربات صاروخية وجوية لبعض المنشآت والمؤسسات التي تضعف قبضة النظام الحاكم رغبة في إسقاطه سريعا، وبكلفة ضئيلة، أو على الإقل إجباره على الرضوخ للإرادة الأميركية، لكن حال تمكن النظام من تنفيذ خطة التصدي التي أعلنها وصموده في وجه العدوان الأميركي سيجد الجيش الأميركي نفسه مضطرا إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى قد تكون التدخل على الأرض.

لا يوجد، إلى الآن، ما يظهر احتمال تراجع الطرفين، فلا واشنطن ستسحب تهديدها بعد أن وصل إلى هذا المستوى المتقدم جدا، ولا الرئيس مادورو لديه استعداد لترك السلطة رضوخا للأميركيين، بل يعتبر هذا إهانة للكرامة الوطنية. هذا يعني أن كل شيء بات على حافة حرب، يبدو أنها آتية لا محالة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الولایات المتحدة أمیرکا اللاتینیة

إقرأ أيضاً:

ولايات ديمقراطية تقاضي إدارة ترامب بسبب صفقة لإلغاء مشروع رياح بحرية

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إن 7 ولايات يسيطر عليها الديمقراطيون رفعت دعوى قضائية ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب، بسبب تحركها لعرقلة مشروع مزرعة رياح مخطط له قبالة سواحل نيويورك. 

وأوضحت الصحيفة أن الدعوى تهدف إلى إبطال صفقة استثنائية توصلت إليها الإدارة الأمريكية مع شركة الطاقة الفرنسية العملاقة "توتال إنرجيز"، والتي دفعت بموجبها الحكومة للشركة مئات الملايين من الدولارات للتخلي عن مشاريع طاقة الرياح.

تحذيرات من وصول أسعار النفط إلى 160 دولاراً مع تضاؤل الاحتياطيhttps://t.co/5rtzJNeAg7 pic.twitter.com/ObNpJsEaKz

— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026

وبحسب "نيويورك تايمز"، شهدت الاتفاقية التي أُبرمت في مارس (آذار) الماضي، دفع الحكومة الأمريكية مبلغ 928 مليون دولار لشركة "توتال إنرجيز" للتخلي عن خطط بناء مشروع الرياح قبالة نيويورك ومشروع آخر قبالة نورث كارولينا. 

ورفعت المدعية العامة لنيويورك، ليتيتيا جيمس، الدعوى في المحكمة الجزئية الأمريكية لمقاطعة كولومبيا، مؤكدة في بيان أن الصفقة تنتهك قانونين فيدراليين على الأقل، وستلحق الضرر باقتصاد نيويورك وشبكة الكهرباء الخاصة بها.

صفقة وهمية وتهديد للوظائف

ونقلت الصحيفة عن جيمس قولها: "لقد دبرت هذه الإدارة صفقة وهمية لدفع مئات الملايين من دولارات دافعي الضرائب لشركة طاقة أجنبية للتخلي عن طاقة الرياح البحرية والاستثمار في النفط والغاز بدلاً من ذلك". 

وأضافت: "نحن نقاوم لوقف هذه الاتفاقية غير القانونية التي تهدد بمحو أكثر من ألف وظيفة نقابية وحرمان ملايين السكان في نيويورك من الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة". 

وانضم المدعون العامون لولايات كونيتيكت وماين وماساتشوستس ونيوجيرسي ورود آيلاند وفيرمونت إلى جيمس في الدعوى، بحجة أن ولاياتهم كان بإمكانها الحصول على الكهرباء من المشروع، ومن جانبه رفض متحدث باسم وزارة العدل التعليق، بينما لم يرد ممثلو البيت الأبيض فوراً على طلب للتعليق.

موقف ترامب وتفاصيل الاتفاقية

وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس ترامب طالما انتقد طاقة الرياح البحرية منذ عام 2012، وادعى مراراً أن توربينات الرياح البحرية لا تعمل وأنها تقتل الحيتان. 

وبموجب صفقة مارس (آذار)، تخلت "توتال إنرجيز" عن عقد إيجارها في المياه الفيدرالية لمزرعة الرياح المخطط لها، ثم قامت وزارة العدل بتعويض الشركة بمبلغ 795 مليون دولار دفعته مقابل عقد الإيجار خلال إدارة بايدن، وفي المقابل، تعهدت الشركة باستثمار هذه الأموال في البنية التحتية للنفط والغاز في الولايات المتحدة، وهو القطاع الذي منحه ترامب الأولوية على حساب الطاقة النظيفة.

مشروع ضخم وتمويل مثير للجدل

وكان من المقرر بناء مشروع الرياح، المعروف باسم "أتنتيف إنرجي"، على بعد 54 ميلاً جنوب شاطئ جونز بولاية نيويورك، وكان سيكفي لتوليد كهرباء تشغل أكثر من مليون منزل وشركة.

وأوضحت الصحيفة أن إدارة ترامب والشركة الفرنسية توصلا أيضاً إلى اتفاق مماثل في مارس (آذار) لإلغاء مزرعة رياح أصغر قبالة نورث كارولينا، لكن الدعوى المرفوعة يوم الثلاثاء لم تطعن في إلغاء ذلك المشروع. 

ولفتت الصحيفة إلى أن كلا الاتفاقين كانا عبارة عن تحويلات غير عادية لأموال دافعي الضرائب إلى شركة أجنبية، حيث استخدمت وزارة العدل "صندوق الأحكام"، وهو حساب غير محدود أنشأه الكونغرس لتسوية الدعاوى القضائية ضد الحكومة الفيدرالية، رغم أن شركة الطاقة لم تقاض الولايات المتحدة.

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم إلى مستويات تاريخيةhttps://t.co/TlEP7rO4Tm pic.twitter.com/ycTSR9KaJO

— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 انتهاك القوانين ومستقبل غامض

وجادلت شكوى الولايات الديمقراطية بأن الصفقة كانت استخداماً غير قانوني لـ"صندوق الأحكام"، لأنها لم تسو دعوى قضائية قائمة ضد الحكومة، كما اتهمت الحكومة بانتهاك قانون أراضي الجرف القاري الخارجي، ووفقاً للصحيفة، إذا فازت الولايات الديمقراطية، فستبطل المحكمة الصفقة، وتعيد عقد الإيجار للشركة والأموال للحكومة.

ومع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن مزرعة الرياح قد لا تُبنى أبداً، حيث صرح باتريك بوياني، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن الشركة "ستوقف المشروع مؤقتاً" بعد إعادة انتخاب ترامب، معتبراً أن طاقة الرياح البحرية "مكلفة للغاية". 

وتشير الصحيفة إلى أن العلماء يؤكدون أن مزارع الرياح البحرية تلعب دوراً حاسماً في مكافحة تغير المناخ، حيث لا تولد أي غازات دفيئة ولا تستهلك مساحات شاسعة من الأراضي القيمة.

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • وزارة الخزانة: أميركا تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران
  • ولايات ديمقراطية تقاضي إدارة ترامب بسبب صفقة لإلغاء مشروع رياح بحرية
  • طهران لا تثق في واشنطن وتتبنى نهجا صارما
  • الرئيس البرازيلي: ماركو روبيو يعادي أمريكا اللاتينية وأبلغت ترامب بأنه لا يحب البرازيل
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • "بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • رئيس جامعة سوهاج يفتتح قاعة مؤتمرات قسم الجراحة العامة بالمستشفى الجامعي القديم
  • أميركا أولاً في بغداد.. ماذا يخطط توم باراك لعراق الأزمات المترابطة؟