في إسطنبول.. قسّ وحاخام وشيخ في جبهة واحدة ضد الصهيونية
تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT
في إسطنبول، لم يكن الاجتماع عابرا، ولا المشهد مألوفا، ولا اللحظة عادية. هناك، على ضفاف التاريخ الذي لا يزال يُكتب بالدم والوعي، اجتمع القسّ والحاخام والشيخ، لا لاختلافٍ عقائدي، بل لاتفاقٍ أخلاقيٍّ واضح: الوقوف صفا واحدا في وجه الصهيونية، ورفض الإبادة، ومقاومة محاولات تصفية القضية الفلسطينية.
تشرفتُ بأن أكون واحدا من بين كوكبة ضمّت قرابة 300 شخصية فلسطينية وعربية وإسلامية وعالمية، اجتمعوا تحت مظلة مؤتمر مؤسسة القدس الدولية وشركائها.
كان المشهد لافتا حدّ الإدهاش: رجال دين من الديانات الثلاث، يجلسون تحت سقف واحد، لا يتجادلون، بل يتعاهدون. قسٌّ مسيحي يرى في القدس ضميرَ الإيمان، وحاخامٌ يهودي يعلن براءة دينه من الصهيونية، وشيخٌ مسلم يحمل أمانة الأمة في صوته ونبرته. لحظة تقول، بلا مواربة، إن الصراع ليس دينيا كما يحاولون تصويره، بل هو صراع حقّ مع مشروع استعماريٍّ إحلاليٍّ يستخدم الدين قناعا.
ازددت قناعة أن فلسطين ليست قضية العرب وحدهم، ولا المسلمين فقط، بل هي قضية الأحرار في كل مكان
وفي ذروة تلك اللحظات، تلا الدكتور محمد سليم العوا البيانَ الختامي باسم المجتمعين، فجاء واضحا لا لبس فيه: رفضٌ قاطع للتطبيع، ورفضٌ لمؤامرات تصفية القضية، وإدانةٌ صريحة لجرائم الإبادة، وتعهدٌ بالسعي لملاحقة مرتكبيها في مختلف المحافل القانونية والسياسية والإعلامية. لم يكن البيان مجرد كلمات، بل تعاقدا أخلاقيا جديدا أمام التاريخ.
لكن من بين كل تلك الوجوه، استوقفني وجهٌ واحد على نحوٍ خاص؛ رجل قادم من جنوب تايلاند، بملامح متعبة من طول السفر، وبعينين ممتلئتين بالشغف. جاء لأجل القدس، لأجل غزة، لأجل فلسطين، كأن المسافة بين بانكوك وإسطنبول لا تساوي شيئا حين تكون الوجهة هي الحق. جلس بيننا، يتابع، ويصغي، ويتفاعل وكأنه من أبناء القدس نفسها.
وفي استراحة قصيرة، علمنا أن إعصارا ضرب منطقته، مخلفا خسائر فادحة في البيوت والأرواح. جاءه الخبر باردا على هاتفه، ساخنا في قلبه. توقعت -كما نتوقع نحن دائما- أن يعتذر، أن يشدّ الرحال عائدا، أن يقول: "أهلي أهم الآن"، لكنه لم يفعل، بقي. قال بابتسامة موجوعة: "غزة الآن أيضا في الإعصار". لحظتها فهمت لماذا لم يأتِ وحده.. جاء ومعه وطنه، وألمه، ومطره، ورياحه.
عندها ازددت قناعة أن فلسطين ليست قضية العرب وحدهم، ولا المسلمين فقط، بل هي قضية الأحرار في كل مكان. هي المرآة التي تنعكس فيها أخلاق العالم؛ فمن وقف معها وقف مع إنسانيته، ومن خذلها خسر نفسه قبل أن يخسرها.
لسنا سذّجا لنظن أن مؤتمرا واحدا سيوقف حربا، أو أن بيانا واحدا سيهزم ترسانة الاحتلال. نعرف أن الطريق طويل، وأن كلفة الموقف باهظة، وأن الدم لا يجفّ ببيان، لكننا نؤمن بشيء أعمق: الأثر التراكمي. نؤمن أن كل مؤتمر حجرٌ في جدار الوعي، وكل لقاء بذرةٌ في تربة التاريخ، وكل موقف معلن مسمارٌ جديد في نعش الرواية الصهيونية.
لم تكن فلسطين مجرد موضوع على جدول الأعمال، كانت الروح الحاضرة في كل كلمة، والوجع الذي يتنقل بين الصفوف، والسؤال الذي يلاحق كل متحدث: ماذا سنفعل أكثر؟
هذه اللقاءات لا تغيّر الواقع دفعة واحدة، لكنها تغيّر اتجاهه. لا تهدم الجدار مرة واحدة، لكنها تُضعفه شقا شقا. تصنع شبكة وعي عابرة للحدود، وتخلق لغة مشتركة بين أديان وثقافات، كلها تجتمع عند كلمة واحدة: لا للإبادة، لا للاحتلال، لا لتزييف الحقيقة.
في القاعة، لم تكن فلسطين مجرد موضوع على جدول الأعمال، كانت الروح الحاضرة في كل كلمة، والوجع الذي يتنقل بين الصفوف، والسؤال الذي يلاحق كل متحدث: ماذا سنفعل أكثر؟ لم يعد كافيا أن نشجب، ولا مجديا أن نكتفي بالتنديد. العالم يعيش لحظة اختبار أخلاقي حاد، والحياد فيها صار تواطؤا مستترا.
خرجتُ من المؤتمر أكثر يقينا بأن غزة لا تقاتل وحدها، حتى وإن تُركت وحيدة في الميدان. ثمة من يحمل صوتها في القاعات، وصورتها في المنابر، ودمها في ضميره، وثمة من يلاحق قاتلها بالقانون حين تعجز السياسة، ويطارده بالرواية حين يخونه الإعلام.
وفي إسطنبول، لم يجتمع القسّ والحاخام والشيخ ضد الصهيونية فقط.. اجتمعت الضمائر، وتصافحت الخنادق، وتوحدت البوصلة، وقال العالم -ولو همسا- إنه لم يعد قادرا على الصمت طويلا.
هذه المؤتمرات ليست ترفا فكريا، ولا نشاطا بروتوكوليا. إنها معارك من نوع آخر: معارك الوعي، ومعارك الرواية، ومعارك الشرعية الأخلاقية. ومع كل لقاء، تتراكم الحجارة الصغيرة في طريق طويل.. طريق قد يتأخر، لكنه لا يضيع.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الفلسطينية مؤتمر غزة فلسطين غزة مؤتمر قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.