تتقاطع دعوات دولية متصاعدة في ذروة الجدل حول مستقبل القيادة الفلسطينية، للإفراج عن الأسير مروان البرغوثي، وهو أحد أبرز المرشحين القادرين على توحيد الساحة الفلسطينية وإعادة تشكيل مسار السلام، بينما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بإمكانية طرح قضيته، في وقت تتمسك فيه "إسرائيل" برفض إطلاقه رغم تدهور أوضاعه داخل السجن.



وحثت صحيفة "الغارديان" في افتتاحيتها الأحد، إدارة دونالد ترامب والعالم الضغط للإفراج عن "مانديلا فلسطين"، القيادي الأسير مروان البرغوثي. وقالت إن الفلسطينيين بحاجة لمستقبل سياسي وكذا مساعدة وإعادة إعمار. 

وأضافت أن الإفراج عن البرغوثي المعتقل منذ أكثر من عشرين عاما يعتبر مركزيا للسلام الذي يزعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يريد تحقيقه في الشرق الأوسط.

وقالت إن هناك ما يبدو أنه اتفاق وقف إطلاق للنار، فالقتل، بما في ذلك قتل الأطفال تباطأ ولكنه لم يتوقف. وزادت المساعدات لكن "إسرائيل" لا تزال تمنع دخول المساعدات الحيوية.

وأكدت "يحتاج الفلسطينيون حاجة ماسة للأمن والمساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار، ولكنهم بحاجة أيضا إلى أفق سياسي. ولا تذكر خطة ترامب أي شيء عن هذا وإن ورد فقد جاء بعبارات غامضة ومشروطة لدولة فلسطينية التي رسخ الإسرائيليون بمن فيهم الحكومة المتطرفة رفضهم لها منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر".


وأوضحت "مع ذلك فقد حصلت الدولة الفلسطينية على دعم دولي لم يكن أحد  يتخيله في الماضي، وذلك نتيجة لحرب إبادة استمرت عامين". وترى الصحيفة أن المصير السياسي للفلسطينيين مرتبط بالمصير الشخصي للبرغوثي. 

وأشارت إلى أنه "بعد أكثر من عقدين في السجن، لا يزال القيادي البالغ من العمر 66 عاما أهم شخصية قادرة على توحيد الفصائل الممزقة بالأيديولوجيا والعداء. وعلى الرغم من كونه عضوا في حركة فتح، فقد انتقد البرغوثي انتهاكات السلطة الفلسطينية وحظي بالاحترام في صفوف حماس.

وقد قاد السجناء الفلسطينيين، بينما ينظر إلى الحرس القديم للسلطة الفلسطينية على أنهم أنانيون وغير فعالين وغير خاضعين للمساءلة، وبصورة أساسية كمتعاقدين أمنيين لإسرائيل في الضفة الغربية".

وعلقت الصحيفة أن الاعتقاد بأن البرغوثي يمكنه تحفيز السياسة الفلسطينية وخلق الزخم اللازم لإقامة الدولة والسلام الدائم، هو وراء الحملة الدولية الجديدة لإطلاق سراحه، والتي تدعمها شخصيات من بينها بول سايمون وديليا سميث وريتشارد برانسون ومارغريت أتوود، وقادة العالم السابقين المعروفين باسم الحكماء.

والأهم من ذلك، أن بعض أفراد المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية يتفقون مع هذا الرأي.
وطالما أيد البرغوثي حل الدولتين، وتواصل مرارا مع المسؤولين الإسرائيليين وتعلم العبرية بنفسه.

وأدين في محاكمة انتقدها خبراء قانونيون ووصفوها بالقاهرة - بتهمة إصدار أوامر بشن هجمات أسفرت عن مقتل مدنيين خلال الانتفاضة الثانية. وضغطت دول الخليج ليكون من بين السجناء المفرج عنهم في اتفاق وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل اعترضت. ومع ذلك، أُطلقت سراح من اعتبرتهم قتلة. وكما لاحظ مسؤول عسكري سابق مؤخرا: "إسرائيل مستعدة لإطلاق سراح مرتكبي جرائم خطيرة، لكن ليس لديها مصلحة في إطلاق سراح رموز".

ويمثل البرغوثي بالنسبة للفلسطينيين، حيث يطلق عليه البعض لقب مانديلا، طريقا نحو حقوقهم غير القابلة للتصرف. وقد انتقل العديد من القادة، بمن فيهم في إسرائيل نفسها، من الكفاح المسلح إلى الحنكة السياسية. ولطالما اشتكت إسرائيل من عدم وجود شريك حقيقي للسلام. لكن بنيامين نتنياهو وشركاءه لا يخشون ألا تتمكن الدولة الإسرائيلية أبدا من التصالح مع رجل مثل البرغوثي، بل يخشون أن تتمكن من ذلك.

وتقول الصحيفة إن إطلاق سراحه سيشير إلى قدرتهم على التفكير في إقامة دولة للفلسطينيين، وهو أمر لن يتسامحوا معه حتى لو كان احتمالا بعيدا، ولهذا لن يتم إطلاق سراحه إلا بضغط خارجي.

وقالت "الغارديان" إن أوضاع السجناء الفلسطينيين تدهورت بشكل كبير منذ عام 2023، وأظهر مقطع فيديو هذا الصيف وزير الأمن اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، وهو يسخر ويهدد البرغوثي، الهزيل الذي يكاد يكون من الصعب التعرف عليه.

وتقول عائلته إنه تعرض لضرب مبرح على يد الحراس. وهناك مخاوف من أن الحكومة ستوافق على مشروع قانون يلزم بـ"عقوبة الإعدام للإرهاب" وتعد قضية إطلاق سراح البرغوثي ملحة. وقبل بضعة أسابيع، أشار الرئيس الأمريكي إلى أنه قد يفكر في طرحها. وعليه أن يحث "إسرائيل" على إطلاق سراحه، حرصا على السلام الذي يدعي أنه يريده في الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريرا لمراسلتها لويزا لوفلوك قالت فيه إن أول فيديو علني منذ 14 عاما لأشهر سجين فلسطيني في "إسرائيل"، ظهرت فيه عينا مروان البرغوثي غائرتين، وعظام ترقوته بارزة، ويتعرض لتوبيخ من أحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة. وعندما يرد البرغوثي، يصعب سماع كلماته.

وأضافت أن الفيديو، الذي نُشر في آب/ أغسطس على قنوات التواصل الاجتماعي لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يجسد المكانة التي احتلها البرغوثي، البالغ من العمر 66 عاما، في الوعي الإسرائيلي والفلسطيني: "رمز قوي، ولكنه أيضا لغز؛ رجل تُناقش آراؤه باستمرار، لكن نادرا ما تسمع".

وذكرت أن البرغوثي، المناصر لحل الدولتين، والمؤيد للمقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يتفوق باستمرار على جميع المرشحين الفلسطينيين الآخرين في استطلاعات الرأي التي تقيم شعبية القادة المحتملين، حتى وهو يقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد لدوره المزعوم في هجمات على إسرائيليين بين عامي 2001 و2002.

وأشارت إلى أنه لم يشاهد إلا في عدد قليل من الصور ومقاطع الفيديو خلال العقد الماضي. كانت آخر مقابلة رئيسية له قبل 12 عاما، ومؤخرا، أشارت روايات من عائلته ومحاميه إلى أنه تعرض للتمييز من قِبل حراس السجن الإسرائيليين بسبب إساءة معاملته "لكسر إرادة السجناء بكسر إرادته"، كما قال ابنه، عرب، في مقابلة حديثة مع صحيفة "واشنطن بوست".

ولفتت إلى أن ترامب أثار احتمال إطلاق سراح البرغوثي في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، بعد 24 عاما في السجن، كجزء من صفقة تبادل أسرى لإنهاء الحرب في غزة. وقال ترامب لمراسل مجلة تايم: "واجهت هذا السؤال حرفيا قبل حوالي 15 دقيقة من اتصالك". وأنه مع ذلك، رفضت "إسرائيل" إطلاق سراح البرغوثي في صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين مقابل أسرى تحتجزهم حماس بموجب شروط اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، حسبما ذكرت عائلته.

ونقلت الصحيفة عن خالد الجندي، الزميل البارز في معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول قوله: "الإسرائيليون لا يريدون إطلاق سراحه. إنهم يعتبرون أن يديه ملطخة بالدماء. لكنهم يدركون أيضا أنه شخصية موحّدة محتملة. وآخر شيء يريده [رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين] نتنياهو وائتلافه هو إعادة تنشيط الفلسطينيين ومنحهم الأمل أو منحهم شعورا بإمكانية وجود قائد موحّد لهم".

وقالت إنه بعد أكثر من عامين من أحداث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن مقتل حوالي 1200 إسرائيلي وأثارت حملة عسكرية انتقامية من قبل "إسرائيل" في غزة وصفتها الأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية، فإن السؤال حول مكانة البرغوثي في المشهد السياسي الفلسطيني يزداد إلحاحا. 

ولم تتوصل الفصائل الفلسطينية إلى توافق في الآراء بشأن من سيحكم غزة، التي دُمر جزء كبير منها. يبلغ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يحكم الضفة الغربية المحتلة، 90 عاما، ولا تزال خطة الخلافة في حال وفاته غامضة.


وأوضحت أن البرغوثي حصل على دعم يعادل دعم المرشحين الثاني والثالث مجتمعين في استطلاع رأي حديث سُئل فيه الفلسطينيون عمن يفضلون أن يكون رئيسهم الجديد. وداخل السجن، يتمتع بسجل نادر في توحيد الفصائل الفلسطينية المتعارضة في كثير من الأحيان.

وبيّنت أن حكومة نتنياهو تعارض بشدة إطلاق سراح البرغوثي، بحجة أنه سيشكل خطرا كرجل حر. قال نتنياهو في عام 2017: "إن وصف البرغوثي بالقائد والبرلماني يشبه وصف [بشار] الأسد بطبيب أطفال"، في إشارة إلى الدور السابق للديكتاتور السوري كطبيب عيون".

وأشارت إلى أن البعض في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لديهم وجهة نظر مختلفة. فقد قال عامي أيالون، المدير السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بيت)، والقائد السابق للبحرية الإسرائيلية: "علينا أن نؤمن بأنهم سيكون لديهم قائد، وسيكون لدينا قائد يؤمن بحل الدولتين ومستعد للتفاوض".

وأضاف: "نحن دائما ننظر إلى الماضي، ونسأل: هل أيديهم ملطخة بالدماء؟" مستشهدا بسجله العسكري. وقال: "هذا ما نفعله. أنتم ترسلوننا إلى الحرب، ليس من أجل التفاوض، بل من أجل القتل. إن فكرة أننا قتلنا، فلا يمكننا التفاوض أو الإيمان بالسلام، هي مجرد هراء".

كما أكدت أن موقف الحكومة الإسرائيلية، في الوقت الحالي، لا يُظهر أي علامات على التغيير. قال الجندي: "أعتقد أن الأمر سيحتاج إلى رئيس أمريكي ليقتنع بأن في هذا مصلحة كل من الإسرائيليين والفلسطينيين على المدى الطويل، ثم ينفق رأس المال السياسي".

وأنه عندما سُئل، قال مسؤول أمريكي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مسموح له بالحديث إلى الصحافة: "الرئيس لم يتخذ قرارا بعد".

وقالت إن رسومات البرغوثي تزين جدران الضفة الغربية، من الجدار الفاصل بين الضفة الغربية وإسرائيل إلى تلك الموجودة في قرية كوبر، حيث وُلد عام 1959. كان البرغوثي ناشطا طلابيا في البداية، ثم مُنظّما سياسيا، وبرز على الصعيد الوطني خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي بدأت في كانون الأول/ ديسمبر 1987.

وأضافت أنه خلال الانتفاضة الثانية، التي اندلعت عام 2000، اتهمت إسرائيل البرغوثي - الذي كان آنذاك مسؤولا كبيرا في حركة فتح، الحزب الفلسطيني المهيمن في الضفة الغربية - بقيادة كتائب شهداء الأقصى، وهي مجموعة من الجماعات المسلحة المرتبطة بفتح والتي نفذت هجمات على الإسرائيليين.

وذكرت أنه في عام 2002، كتب في مقال رأي بصحيفة "واشنطن بوست" أن الاحتلال الإسرائيلي يُمثّل أكبر عقبة أمام إقامة "دولتين جارتين مستقلتين ومتساويتين إسرائيل وفلسطين.. أحتفظ بحقي في حماية نفسي، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي لبلدي، والكفاح من أجل حريتي... لست إرهابيا، لكنني لست مسالما أيضا".

وأشارت إلى أنه اعتقل بعد عدة أشهر وأُدين بالقتل لتورطه المزعوم في العديد من هجمات "كتائب شهداء الأقصى" على المدنيين. صرح البرغوثي في المحكمة بأنه لا صلة له بالهجمات. وفي تقرير عن المحاكمة، قال سيمون فورمان، الخبير القانوني المعين من قبل الاتحاد البرلماني الدولي، إن معظم من قابلهم اعتقدوا أن الحكم "مملى بضغط إعلامي مكثف ومصالح سياسية أكثر بكثير من أي تطبيق صارم للإجراءات".

ولفتت إلى أن آراء البرغوثي  ظلت ثابتة نسبيا داخل السجن، وفقا لعائلته ومؤيديه. وظهرت فكرة مبكرة في عام 2006، عندما قاد صياغة ما عُرف بوثيقة الأسرى الفلسطينيين - التي وقّعها معتقلون من جميع الفصائل السياسية خلال تصاعد التوترات بين فتح وحماس خارج أسوار السجن.


وأن الوثيقة بدت وكأنها تقر بحل الدولتين، من خلال الإشارة إلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وأيدت حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، بما في ذلك من خلال الكفاح المسلح ضد المستوطنين والجنود، مع الدعوة بالتوازي إلى إصلاحات سياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ونقلت أن البرغوثي قال في مقابلة من السجن بعد 12 عاما في عام 2014، نشرتها مجلة دراسات فلسطين: "نحن حقا لسنا بحاجة إلى وثائق أو أطر عمل جديدة - ما نحتاجه هو الالتزام بما اتفقنا عليه بالفعل واحترامه". وقال إن الوحدة الوطنية شرط أساسي لتعزيز القضية الفلسطينية.

وأنه قال إن الاستمرار في إجراء مفاوضات مع إسرائيل، في غياب دعم دولي حقيقي لإتمامها، لا طائل منه، مثل "عكاز التهمته سوسة الخشب منذ زمن طويل". وقال إن السجن "عزز إيماني بعدالة قضيتنا وقناعتي الراسخة بحقنا المقدس في فلسطين".

وذكرت أن البرغوثي كان محتجزا مع بقية السجناء طوال معظم فترة اعتقاله، مكرسا وقته لتثقيف نفسه والآخرين. وقال في مقابلة عام 2014 إنه كان يقرأ ما معدله سبعة أو ثمانية كتب شهريا، وألقى محاضرات لزملائه السجناء.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية الفلسطينية البرغوثي مروان البرغوثي الاحتلال فلسطين الولايات المتحدة الاحتلال البرغوثي مروان البرغوثي صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إطلاق سراح البرغوثی الضفة الغربیة وأشارت إلى أن البرغوثی فی إطلاق سراحه أن البرغوثی وقالت إن إلى أنه فی عام

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • إسرائيل تهدد بقصف الضاحية.. جولة جديدة من المفاوضات بواشنطن
  • انتهاء محادثات اليوم الأول بين إسرائيل ولبنان في واشنطن واستئنافها الأربعاء
  • السفير الأمريكي بلبنان : وقف إطلاق النار لا يزال سارياً .. والمفاوضات مع إسرائيل إيجابية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • نواف سلام: المفاوضات هي الطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال وتثبيت وقف إطلاق النار
  • نواف سلام: المفاوضات الخيار الأقل كلفة للبنان وما نحتاجه هو تثبيت وقف إطلاق النار
  • وفد من حماس يبحث مع رئيس المخابرات التركية تصاعد العدوان على غزة
  • مجلس العلاقات الدولية يرحّب بإدراج "إسرائيل" على القائمة السوداء للعنف الجنسي
  • مندوب الصين بالأمم المتحدة يدعو لوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من لبنان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش