تناولت صحيفتا تلغراف ولوموند بمناسبة مرور عام على سقوط الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، ما اتفقتا على أنه جانب مظلم من فظائع حكمه، من حيث حجم الجرائم وحجم المنظومة الأمنية التي رسختها عائلته.

وقالت تلغراف إن فظائع حكم بشار الأسد الذي استمر 24 عاما، ما تزال تتكشف تباعا بعد عام على انهيار نظامه، ليكتشف السوريون حجم الجرائم التي ارتكبت خلال أكثر من عقد من القمع والحرب.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2إندبندنت: المسيرّات الأوكرانية تجبر الأسطول الروسي على التراجعlist 2 of 2"هتلر رائع حقا".. هآرتس تناقش تداعيات استضافة مورغان لفوينتس المناهض لإسرائيلend of list

وذكرت الصحيفة البريطانية -في مقال بقلم الكاتب جيمس سنيل- بأن الأسد فر سرا من البلاد دون إبلاغ أقرب رجالات نظامه، تاركا كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين يهربون على عجل محملين بالمال والذهب.

واستعاد الكاتب -وهو مؤلف كتاب "سقوط آل الأسد: نهاية نصف قرن من الطغيان في سوريا وكيف سيغيّر العالم"- جذور الثورة السورية عام 2011، حين خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة، لترد السلطة بعنف واسع فتح الباب أمام حرب أهلية دامت 14 عاما.

ضحايا هجمات بالأسلحة الكيميائية في سوريا (الجزيرة)رحلة شاقة لكشف الحقيقة

ومع تزايد المواجهات -كما يقول الكاتب- تجاهل الأسد كل المحاولات الدولية لفرض إصلاحات شكلية كان من شأنها تجنيب بلاده الانزلاق نحو الكارثة، وبدلا من ذلك، اعتمد النظام شعار مليشياته "الأسد أو نحرق البلد"، وهو ما تجسد فعليا في حجم الدمار والضحايا.

ومع سقوط النظام عام 2024، يذكر الكاتب بأن وسائل الإعلام تدفقت إلى سوريا لتوثيق ما جرى، وخصوصا الهجمات الكيميائية التي أكدت تقارير دولية مسؤولية النظام عنها، كما انكشفت بشاعة سجون مثل صيدنايا، وصفت بأنها "مسالخ بشرية"، لم يخرج منها إلا قليل من المعتقلين مقارنة بمئات الآلاف الذين اختفوا إلى الأبد.

وأشار الكاتب إلى العثور على جثث لسجناء قتلوا قبل أيام قليلة من تحريرهم المحتمل، من بينهم الناشط مازن الحمادة، مشيرا إلى تواصل التحقيقات في المقابر الجماعية التي بدأت تظهر، حيث تشير التقديرات الأولية إلى وجود مقبرة في القطيـفـة تضم نحو 100 ألف ضحية أو أكثر.

إعلان

ويخلص المقال إلى أن سقوط نظام الأسد كان خطوة ضرورية تأخرت سنوات طويلة، وأن فهم الحجم الحقيقي لجرائمه سيستغرق زمنا طويلا، مشيرا إلى أن السوريين بدأوا رحلة شاقة لكشف الحقيقة واستعادة بلدهم.

تجارب قاسية

أما صحيفة لوموند فركزت على موضوع السجون، معتمدة على عدد من شهادات السجناء السابقين، وقالت إن سوريا، بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد وفراره المفاجئ إلى موسكو، بدأت تكشف الطبقات الأكثر ظلمة في تاريخها الحديث، من خلال فتح شبكة السجون التي شكلت عمودا فقريا لقمع النظام طوال أكثر من 5 عقود.

وأوضحت الصحيفة الفرنسية -في تقرير مشترك بين سيسيل هينيون وآرثر سارادين والمصور إدوارد إلياس- أن فتح المعتقلات الممتدة من دمشق إلى حلب وحماة ودرعا، أظهر حجم المنظومة الأمنية التي رسختها عائلتا الأسد الأب حافظ والابن بشار، التي حولت البلاد إلى فضاء خانق يضم أكثر من 128 مركزا رسميا وسريا للاعتقال.

عمليات البحث عن المعتقلين داخل سجن صيدنايا سيئ الصيت (الجزيرة)

وتقدر منظمات حقوقية -حسب الصحيفة- أن نحو مليون سوري مروا بهذه السجون خلال السنوات الممتدة بين 2011 و2024، بينهم 150 ألف امرأة، ومع ذلك لم يخرج منها أكثر من 200 ألف معتقل على قيد الحياة.

ومع انهيار النظام وفتح أبواب السجون، بدأ الناجون يسردون تجاربهم القاسية، وعلقت الصحيفة بأن بعضهم خرج بأمراض مميتة كالسل والكوليرا، وبعضهم يعاني آثارا نفسية عميقة تجعلهم عاجزين عن مواجهة العالم مجددا.

واستند تقرير الصحيفة إلى كتاب الصحفي آرثر سارادان الجديد "اسم الظلال" الذي جمع فيه شهادات عشرات الناجين، وإلى ما التقطه عدسة المصور إدوار إلياس وهو يجول بين المعتقلات المدمرة، من صور قاتمة توثق للمكان الذي شهد الكثير من التعذيب والإعدامات.

شاب أخرجه الثوار من سجون الأسد: أصبحت أشك في كل شيء، حتى في نظرات أمي وابنتي، فأنا أعتقد أن كل من حول قد يبلغ عني

منظومة تعذيب ممنهج

وتكشف هذه الشهادات -حسب الصحيفة- عن منظومة تعذيب ممنهج، من الضرب إلى التجويع فإذلال ثم انتزاع الاعترافات، والاختفاء القسري الذي امتد سنوات، يقول سجين من درعا خرج من صيدنايا بعد ست سنوات، إن السجن بقي يسكنه وإن خرج هو منه.

وقدم شاب آخر شهادة قال فيها إنه أصبح يشك في كل شيء، حتى في نظرات أمه وابنته، لأنه يعتقد أن كل من حوله قد يبلغ عنه، كما تحدث شهادات أخرى عن البحث المستمر عن المفقودين، كقصة رجل لا يزال يسأل بعد 12 عاما عن مصير شقيقه الذي لم يجد عنه أي خبر.

وأشارت الصحيفة إلى معتقلة سابقة كانت تحاول العثور على الوثائق التي تخصها، ولكنها اكتشفت أن النظام دمر كل سجلات النقل والإفراج والإعدام من أجل طمس الحقيقة.

ورغم سقوط الأسد، ترى لوموند أن "الأسدية" لم تختفِ بعد من النفوس، حيث لا تزال نظرات الخوف المرتبكة، وتعابير الشك، والعلاقات الاجتماعية المشبعة بالريبة، تحكم مساحات واسعة من حياة السوريين، مشيرة إلى أنها آثار عقود من القمع يصعب محوها بجرة قرار سياسي.

وخلصت الصحيفة إلى أنه من بين صور السجون الفارغة وأصوات الناجين، يتشكل اليوم أرشيف جديد لذاكرة السوريين، يحاول أن يعيد للضحايا أسماءهم التي حولها النظام إلى "ظلال"، وأن يمنع تكرار الجحيم الذي عاشه البلد لأكثر من نصف قرن.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات حريات أکثر من إلى أن

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • لتجنب زيادة الوزن .. دراسة تكشف أفضل نظام غذائي للنساء خلال انقطاع الطمث
  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • غروسي: الكثير من أنشطة إيران النووية توقفت بسبب الحرب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مدير وكالة الطاقة الذرية: الكثير من أنشطة إيران النووية توقفت  
  • روبيو: نحن في مرحلة تفاوض مع إيران على الكثير من النقاط
  • 3 آلاف طلقة بالدقيقة.. “غاتريكس” مسيّرة تركية تصطاد الدرونات الانتحارية
  • «نتنياهو»: نظام إيران يتصدع ولن يعود كما كان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية