جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@23:37:04 GMT

نجاحه يبدأ من فشل الآخرين

تاريخ النشر: 9th, December 2025 GMT

نجاحه يبدأ من فشل الآخرين

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في بعض المكاتب، تبدو الصورة مُضلِّلة من النظرة الأولى: مديرٌ يحيط نفسه بمساعدين لا يكفون عن الثناء عليه، ويُغرقونه بالإعجاب كلما لمحوا منه إشارة. لا أحد يخالفه أو يناقشه، وكل فكرةٍ- مهما كانت بسيطة- تُقدَّم له باعتبارها اكتشافًا عبقريًا. في تلك البيئة، يصبح الصمت فضيلة، والمجاملة قاعدة، والاختلاف مخاطرة لا يجرؤ عليها أحد.

وهكذا يترسخ لديه شعورٌ بأنه الأذكى… لا لأنه يتفوق حقًا؛ بل لأنه أحاط نفسه بمن هم أقلّ منه قدرةً وحضورًا.

الخوف من الكفاءة لا يبدأ من ضعفٍ في المهارات بقدر ما يبدأ من ضعفٍ في النفس. فالمسؤول الذي اعتاد الثناء لا الإنجاز، يخشى المقارنة أكثر مما يخشى الفشل. وعندما يدخل موظفٌ موهوب، يتحدث بثقة ويطرح فكرةً ناضجة، يشعر ذلك المسؤول أن حجمه الحقيقي انكشف. لا يقول شيئًا، لكنه يبدأ في بناء جدران غير مرئية: يُقلّل من قيمة الفكرة، يتجاهل الاقتراح، أو يُحمِّل غيره مسؤولية التأخير. وكلما ازداد النجاح من حوله، ازداد الانزعاج داخله؛ لأن بريق الآخرين يكشف خواء الضوء الذي يملكه.

محاربة الكفاءات لا تتمّ بقرارٍ مباشر؛ بل بأساليب ناعمة يصعب التقاطها. تبدأ أولًا بتقليل ظهور الموهوبين: لا يُدعَون إلى الاجتماعات المهمة، تُسند إليهم مهام جانبية، ويُحجب عنهم الاتصال بمراكز القرار. ثم تأتي المرحلة الثانية: تحميلهم أعمالًا كثيرة لا قيمة لها، تُرهقهم وتشغل وقتهم دون أن تمنحهم فرصة للتألق. وفي العلن يبدو كل شيء طبيعيًا، كأنها مجرد «توزيع مسؤوليات»، بينما في الحقيقة هو إقصاءٌ محسوب للموهبة كي يبقى المسؤول وحيدًا تحت الأضواء.

هذا النوع من الإدارة يترك خسائر لا تُقاس بالأرقام. فحين تُهمَّش الكفاءات، يغادر المتميزون بهدوء، ويُستبدلون بأشخاصٍ «لا يزعجون». ومع الوقت، يصبح المعيار ليس جودة العمل؛ بل الولاء الشخصي. تنخفض جودة التقارير، وتتكرر الأخطاء، لكن لا أحد يجرؤ على القول: المشكلة ليست في الفريق… بل فيمن يقوده. وكل شيء يبدو جيدًا على الورق، بينما المؤسسة تسير نحو التراجع، لأنها خسرت أثمن أصولها: الإنسان الكفء الذي كان يمكن أن يُغيّر الواقع بدلًا من أن يُستبعد منه.

المفارقة أن القائد القوي لا يحتاج أن يقلِّل من الآخرين ليبدو كبيرًا؛ بل يزداد قوة بوجودهم. فالموهوبون حوله ليسوا تهديدًا؛ بل مضاعفة لطاقته. والقائد الحقيقي يشبه الضوء: لا يقلّ ضياؤه حين تُضاء مصابيح أخرى بجانبه؛ بل يتسع المشهد ويزداد وضوحًا. لهذا تنجح المؤسسات التي تبحث عن المواهب وتستثمرها. فنجاح الفريق ليس خصمًا من رصيد القائد؛ بل إضافة إليه. ومن يملك ثقةً بنفسه لا ينزعج من تفوق الآخرين، لأنه يدرك أن دوره ليس أن يكون الأفضل في كل شيء؛ بل أن يجعل الجميع أفضل مما كانوا عليه.

حين يُقصى المبدعون، لا يغادرون وحدهم؛ بل يرحل معهم شيء لا يُعوّض: روح المبادرة. الموظفون الذين يشاهدون زميلًا مجتهدًا يُهمَّش، يتعلمون الدرس سريعًا: الإبداع مُكلف، والتميز خطر. فيبدأ الجميع بالاختباء في منطقة الأمان؛ حيث لا توجد أفكار جديدة ولا اقتراحات جريئة؛ بل تنفيذٌ حرفي بلا روح. ومع الوقت، تتحول المؤسسة إلى نسخةٍ باهتة من نفسها، تنجز ما هو مطلوب، لا ما هو ممكن. هذه هي الكلفة الخفية التي لا تظهر في الميزانيات: خسارة العقول قبل خسارة الأرقام.

وفي النهاية، لا يُقاس القائد بجمع المصفقين حوله؛ بل بجمع المختلفين والمؤثرين والمبدعين. فالمؤسسة التي تسمح للكفاءات بأن تتنفس وتُشارك، تزداد قوةً واحترامًا. أما المسؤول الذي لا يرى نفسه إلا إذا صغُر الآخرون من حوله، فسيبقى أسير صورته، يخشى الضوء، ويُطفئ المصابيح التي كان يمكن أن تُنير الطريق للجميع. إن النجاح الحقيقي لا يبدأ من فشل الآخرين؛ بل من الشجاعة في احتضان الموهبة، ومن الإيمان بأن التفوق الجماعي إرثٌ يبقى أطول من أي إنجازٍ فردي عابر. فالمؤسسات لا ترتقي بالمجاملة؛ بل بالجدارة، ولا تبني مستقبلها بإقصاء الأقوياء؛ بل بمنحهم مكانًا يليق بهم وبالوطن الذي يخدمونه.

 

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ليفربول يبدأ المفاوضات مع خليفة المدرب سلوت
  • سباق الكونغرس الأمريكي يبدأ.. تصويت حاسم لمعركة السيطرة على مجلسي «الشيوخ والنواب»
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في "ورد على فل وياسمين"
  • «ورد على فل وياسمين» الحلقة الرابعة.. صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في ورد على فل وياسمين
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟