غزة.. غرق الآلاف من خيام النازحين جراء الأمطار الغزيرة
تاريخ النشر: 11th, December 2025 GMT
أحمد عاطف، الاتحاد (غزة)
أخبار ذات صلةغرق الآلاف من خيام النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة، أمس، جراء أمطار غزيرة هطلت بكثافة في مختلف المناطق بفعل منخفض جوي قوي يؤثر على القطاع، ويتواصل حتى مساء غدٍ الجمعة.
وبدأت الأمطار بالهطول بغزارة مع ساعات فجر أمس، ما أدى لإغراق المياه آلاف الخيام، وتضرر المأوى الوحيد لمئات آلاف العائلات النازحة، حيث تجاوز منسوب المياه داخل بعض الخيام 40 سم.
وحذر متحدث الدفاع المدني، محمود بصل، في تصريح مصور، من «كارثة إنسانية وشيكة» نتيجة تأثيرات المنخفض.
وقال: «سنشهد حالات غرق ونرى الكارثة بأم عيننا في غزة، إذا لم يتحرك العالم بشكل عاجل».
وأكد أن «قطاع غزة يعاني بشكل كبير، وأن ما قدم له لا شيء مقارنة بحجم الاحتياجات»، مشددا على «أن الواقع يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً».
بدورها، حذرت بلدية غزة من مخاطر اتساع رقعة الغرق في عدد من المناطق المنخفضة لا سيما المحيطة بمخيمات الإيواء والطرق المائلة التي تشهد تجمعات كبيرة لمياه الأمطار، مما يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية في المدينة التي تعاني دماراً واسعاً في بنيتها التحتية منذ عامين نتيجة الحرب.
وقالت البلدية في بيان صحفي، أمس، إن الظروف الحالية تشكل تهديداً مباشراً لآلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة في ظل تضرر عدد كبير من خيام الإيواء الأمر الذي قد يعرض النازحين لخطر التشرد مجدداً في غياب حلول سكنية بديلة.
من جهتها، أطلقت الحكومة الفلسطينية، أمس، مناشدة عاجلة إلى المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية والجمعيات المحلية، لتوزيع مستلزمات الإيواء بشكل فوري على النازحين الأكثر تضرراً جراء المنخفض الجوي.
وقالت «غرفة العمليات الحكومية للتدخلات الطارئة في قطاع غزة»، إن «الأمطار الغزيرة أدت إلى غرق عشرات الخيام وتلف ممتلكات النازحين، مما ضاعف معاناتهم نتيجة غياب وسائل الحماية الكافية من البرد والعواصف».
وتواجه آلاف الأسر النازحة في القطاع أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة مع دخول فصل الشتاء، مما يزيد الضغط على الملاجئ المؤقتة والبنية التحتية المتضررة.
وقال لوران لامبرت، الخبير في سياسات المناخ، إن تأثيرات التغير المناخي في غزة تظهر بشكل واضح في حدة الأمطار وشدة موجات البرد، مما يفاقم أوضاع النازحين الذين يعيشون في خيام أو مبانٍ غير مكتملة.
وأضاف لامبرت، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن الأمطار أصبحت أكثر غزارة، وفي فترات قصيرة، وهو ما يضاعف مخاطر الفيضانات داخل مناطق النزوح، كما أن موجات البرد الحالية تضرب سكاناً يعانون أصلاً من انعدام التدفئة، ونقص الملابس الملائمة، وتدهور شبكات الصرف التي تؤدي إلى تجمعات مائية تزيد من انتشار الأمراض.
وأشار إلى أن البرد الشديد في بيئة مكتظة وضعيفة البنية يرفع معدلات الالتهابات الرئوية وأمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال وكبار السن، مشدداً على ضرورة دعم البنية التحتية المؤقتة لمنع حوادث الغرق داخل الخيام.
وقال محمد محمود، المدير السابق لبرنامج المناخ والمياه في معهد الشرق الأوسط، إن التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر على غزة خلال فصل الشتاء مع تزايد الفيضانات، وتراجع القدرة على تصريف المياه، مضيفاً أن تجمع المياه حول مواقع النزوح يشكل بيئة خصبة لانتشار الأمراض، خاصة مع اختلاطها بالصرف الصحي، مما يزيد احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والالتهابات والأمراض المنقولة بالمياه.
وأوضح محمود، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن البرد تزامن هذا العام مع ضعف كبير في الوصول إلى المياه النظيفة والمواد الأساسية، مشيراً إلى أن النازحين في الخيام أكثر عرضة لانخفاض حرارة الجسم، بينما تمثل الرطوبة العالية داخل الملاجئ المؤقتة خطراً صحياً إضافياً.
ولفت إلى أن التعامل مع هذه التأثيرات يحتاج إلى تدخلات عاجلة لتحسين الصرف، وتوفير مواد العزل والبناء المؤقت القادر على مقاومة الأمطار.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: غزة قطاع غزة فلسطين حرب غزة إسرائيل الحرب في غزة أهالي غزة سكان غزة الأمطار الغزيرة قطاع غزة
إقرأ أيضاً:
اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
حين أطالع قصائد محمد الحديني يتبدى لي مصطلح «التجربة الشعرية» كما عرفه النقد الحديث: “الصورة الكاملة النفسية، أو الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من الأمور تفكيرا ينم عن عميق شعوره وإحساسه، وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتي وإخلاص فني، لا إلى مجرد مهارته في صياغة القول ليعبث بالحقائق، بل إنه ليغذي شاعريته ويشف عن جمال الطبيعة والنفس”
هكذا يأخذنا الحديني في ديوانه «ظل يرتسم على المياه البعيدة»، الفائز مخطوطه بجائزة محمد عفيفي مطر 2022 والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2023، ويضم 58 قصيدة نثر. يغمر الديوان شجن وقلق ويأس تجاه العالم، تؤكده العناوين والقصائد معًا.
فعنوان الديوان نفسه الذي يقف وحيدا عاما، لا تحمله أي قصيدة، يشي بالاغتراب: «الظل» يوحي بعدم الوضوح والقلق، و«المياه البعيدة» تعمق الإحساس بالاغتراب المسيطر.
* دلالة عناوين القصائد
الأمر نفسه تؤكده عناوين القصائد بما لا يدع مجالًا للشك؛ فعلى سبيل المثال نجد عناوين مثل: «بطاقة هوية ممزقة»، «تساؤلات» - وهي تدل على حالة الحيرة والقلق - بل إن هناك قصيدة بعنوان «حيرة»، أيضًا هناك عناوين: «صوت يأتي من بعيد»، «في رحم العتمة»، «مسافر بلا متاع»، «راحة منشودة»، «ليس للطريق علامة»، «مثل فزاعة حقل»، «طرقات على باب الذاكرة»، «متاهة»، «الهروب الكبير»، «ترنيمة سوداء».
فبينما تؤكد قصيدة «بطاقة هوية ممزقة» على ذلك الحلم المسروق والأمل الضائع، تؤكد قصيدة «مسافر بلا متاع» المعنى ذاته، فيما تقف قصائد «متاهة» و«الهروب الكبير» و«ترنيمة سوداء» تأكيدًا لحالة الحيرة واليأس التي تسيطر على الديوان.
بينما يقف عنوان قصيدة «حظ سعيد» مفارقًا؛ حتى إذا ولجنا إلى سطور القصيدة وجدنا حالة مسيطرة من الحزن واليأس:
«يا له من حظ سعيد! ألا ترى إطارات الصور المعلقة على حوائط غرفتك وهي تتخلص ذاتيًّا من ساكنيها/ ألا تسمع وقع خطوات أحدهم وهي تدب بثبات في كهف قلب حبيبتك/ يا له من حظ سعيد/ ألا تشم رائحة دمائك في ملابس من قتلوك وهم يطفئون معك شموع كعكة عيد ميلادك»
بينما يأتي الحديث عن الخيانة خافتًا، ضئيل الحجم، يشار إليه على استحياء في مفردة هنا أو معنى متضمن هناك. هكذا يقول في قصيدة «طرقات على باب الذاكرة»:
«وفي قلب حبيبتي لم أكُ سوى نبتة صبار/ نسيَتها دون سقاية في شرفة منزلها الذي غادرته دون رجعة/ لتلبي نداء صوت مزيف ينبعث من داخل شوارع المدينة.»
ثم يأتي عنوان قصيدة «راحة منشودة» لنراه يتناول الراحة كأمل وحلم وليس أمرًا متاحًا يمكن تحقيقه.
لنكتشف مع سطور القصيدة أن الراحة المنشودة، أو التي يبحث عنها الشاعر هنا، هي راحة بخنق الأمل والحلم، وعدم البحث عن الحقيقة، وعدم مواجهة الشر، فقط لضمان الراحة حتى وإن كانت راحة مقتول بسهام الغدر، أو راحة مهزوم في ساحة حرب. هكذا نراه يقول:
«هل من أحد يسرع ويدفن القتلى في المقبرة الجماعية/ هل من أحد يرفع الأعلام البيض على السجون الجديدة/ هل من أحد يعلق أحلام البسطاء على المشانق/ هل من أحد يسكت صرخات المواليد/ هل من أحد يحرق نباتات الصبار/ هل من أحد يوقد الشموع السود ويغلق بوابة العالم.
بينما يقف عنوان قصيدة «مؤانسة» دليلًا على معاناة الوحدة؛ فهو لا يجد أنيسه بين أمزجة لا تتوافق ومزاجه.
وتستمر دلالات العناوين التي يتبدى من بينها عدم الشعور بالأمان تجاه العالم؛ فها هو تكرار مفردة «الوحدة» التي تأتي تارة واضحة جلية، وتارة أخرى مغلفة بحالة القلق واللاأمان. فها هو عنوان قصيدة «الفراغ» الذي يعني الوحدة أيضًا، وها هو يقول:
«الفراغ شق في حائط غرفة أبيك تتسرب منه نظرات تخشاها/ نافذة مكسورة ينبعث منها مواء قطط الشارع الجائعة/ عروق يتردد فيها صدى كريات دمك المتدحرجة/ والفراغ ساحة منزل خلفية ترتع فيها صرخاتك.»
أما قصيدتا «اعتقال» و«اضطراب» فيبدو من عنوانيهما شديد الأسى والحيرة. في قصيدة «اعتقال» نلمح بعض الجمل التي يتبدى من بينها اليأس والقلق، في مثل قوله: «أشباح الأمل»، وقوله: «ضوء كاذب لقمر مخادع يتبختر بخبث».
كما تأتي قصيدة «فسيفساء» لتبدأ بمفردة «الوحدة» واضحة جلية حين تشرحها سطور القصيدة في قوله: «الوحدة هاتف يدق بلا انقطاع في غرفة لا يسكنها أحد/ غريب لا ينتظره أحد على باب المدينة/ أغنية تنبعث من راديو في مقهى لا رواد له/ صياد مسن يتوسل لبحر بخيل/ نبتة صبار على قبر بلا شاهد.»
هكذا أرى أن الشاعر قد تعمد افتتاح ديوانه بقصيدة عنوانها «بطاقة هوية ممزقة»؛ فيدخل إلينا من باب قد ولجه معظمنا إن لم يكن كلنا، وهو باب اليأس والحلم الذي سُرق عنوة، حتى لم يعد لأحدنا هوية تميزه، بينما وفِّق في اختتام ديوانه بقصيدة بعنوان «افتحوا الباب للشاعر»؛ فسوف تحين على يد الشاعر نهاية متفائلة، لكنه تفاؤل مشروط؛ فكل هذه الموازين ستتغير حتمًا، ولكن إذا تمكن الشاعر - والشاعر هنا قطعًا لا يُقصد به من يقرض الشعر بقدر ما يُقصد به كل واعٍ مثقف ينشد الحق - فها هو يقول: «افتحوا الباب للشاعر/ ودعوه يضع أسهمًا في قلوب جفت على الجدران/ افتحوا له الباب، ودعوه يحارب طائرات الموت ببالوناته وصدى أغنياته.»
ويأتي المقطع الاستهلالي للديوان، والذي يسبق القصائد، مؤكدًا أننا مقبلون على قلق يغلف السطور، فهو يقول:
«البرودة تسري/ يبدو أن الرسائل الملقاة في المدفأة احترقت كلها/ أظلمت الغرفة/ يبدو أن أحدهم أطفأ المصباح/ الهاتف يدق بإلحاح/ يبدو أنه لم يبقَ أحد ليرد.»
نلحظ على طول قصائد الديوان أن هناك مفردات بعينها يتم تكرارها بشكل واضح، ربما يتغير المعنى الذي تحمله تلك المفردات من قصيدة لأخرى، ويتغير استخدام تلك المفردة من صورة لأخرى ومن حالة لأخرى، إلا أنها تظل هي هي المفردة.
هكذا نلحظ تكرار مفردات مثل: النمل، التماثيل، المتاحف، السلحفاة، الغراب، المومياوات، الفراشات، وغيرها.
النمل:
ففي قصيدة «بطاقة هوية ممزقة» أتى ذكر النمل في سطر: «ولذلك أحرص دائمًا على السير متجنبًا أسراب النمل».
بينما في قصيدة «أن تكون شاعرًا» قال: «أن تموت وحيدًا وأنت تتلو ضحكاتك على مشيعيك من أسراب النمل الحمقاء».
وفي قصيدة «مجرد إجابات» يقول: «متى تعم الفوضى في أركان مملكة النمل؟»
وفي قصيدة «قريبًا جدًّا» يقول: «تتسلق أسراب النمل الركام رافعة للعلم الأسود».
وفي قصيدة «استفاقة أغنية بديعة»، يقول: "أيقظت نملة من سباتها".
وفي قصيدة «اضطراب» يقول: «درويش يفترش الرصيف محاولًا إنقاذ نملة».
وفي معظم مواضع ذكر مفردة «النمل» نلحظ أن المفردة جاءت ضحية أو مفعولًا به، إلا في موضعين: وهما في قصيدة «اعتقال»، فقد جاء هنا النمل مهاجمًا فاعلًا وليس ضحية، فهو يقول: «زنزانة فسيحة عالية، علينا أن نحيا داخلها وأن نحمي فتاتنا من هجمات أسراب النمل المباغتة».
بينما في قصيدة «عمى» يقول: «النملة التي أكلت جثة رفيقتها بعد أن وطأتها قدم أحدهم».
ويبدو أن مفردة «النمل» تعد مفردة ملهمة للشاعر محمد الحديني؛ فهو كثير الركون إليها، ويكثر من استخدامها على طول دواوينه، وخاصة في ديوانه هذا وفي ديوانه الأول «أوركسترا تعزف لحنا صامتا». ربما يجد فيها ذلك الكائن الذي على قلة حجمه وضعفه البادي، إلا أنه يمتلك قوة وقدرة على العيش بنظام ما، والقدرة على بناء مستعمرات قد تهدم أبنية شاهقة.
كما نلحظ تكرار مفردة «التماثيل»، خاصة تماثيل الميادين، ومفردة «المتاحف». وقد استخدمهما دائمًا للدلالة على الجمود والموات؛ فقد وردت "المتاحف"، في قصيدة «بطاقة هوية»، يقول: «أصدقائي جميعهم يسكنون المتاحف ويتوسطون الميادين». وفي قصيدة «في كرتي المسحورة» يستخدم مفردة «متحف» فيقول: «أنادم مومياء هاربة من متحف متهدم». بينما وردت مفردة "تماثيل" في قصيدة «مجرد إجابات» يقول: «لماذا تلزم تماثيل الميادين الصمت؟»
وفي قصيدة «تساؤلات مكتوبة على طائرة ورقية» يقول: «تماثيل الميادين تحظى بتمثيل برلماني».
فيما تأتي مفردة «السلحفاة» رغم تكرارها الملحوظ على طول القصائد، إلا أنها تعبر عن معنى واحد وهو الضعف الشديد وقلة الحيلة، وهو معنى تقليدي لم يجتهد الشاعر في تحميله أكثر من المعتاد.
بينما استطاع أن يحمل مفردة «الغراب» معنى مختلفًا؛ فالغراب المعروف بلونه الأسود الذي يجلب التشاؤم والحظ التعس، كما أورده التراث، تمكن الشاعر هنا من استغلال اللون لتحميله مفارقة جديدة في المعنى، فقد أورده في بعض القصائد محملًا باللون الأخضر فيقول: «الغراب أخضر الريش»، وهو هنا ربما تضمن دلالة القدرة على التخفي والتلون؛ فرغم لونه الزاهي الظاهري، إلا أنه في حقيقته غراب مهما خفي عن الأنظار.
كما أن هناك تكرارًا واضحًا لمفردتي «قوس قزح» و«الفراشات»، لكنه استخدمهما الاستخدام التقليدي في كونهما تدلان على البهجة والسرور بألوانهما المبهجة.
فيما نلحظ أيضًا تكرارًا واضحًا لمفردة «الطائرة الورقية»، وهي هنا ذات دلالة على أحلام الطفولة واللهو والانطلاق والحرية، لم يستخدمها سوى في مواضعها المعتادة. على سبيل المثال للحصر، جاءت في قصيدة «ثقب في ذاكرة الأمكنة» حين قال: «وطفل يشبهني يكتب رسائله على طائرته الورقية».
وللألوان في ديوان الحديني كثير من الدلالات؛ جاء بعضها ربما تقليديًّا، بينما استطاع أن يستخدم البعض الآخر في غير موضعه الحقيقي ليحمله معانيَ جديدة. في مثل قوله في قصيدة «أحجية مكررة»: «غراب أخضر الريش يعتلي ساعة رملية»، فاللون الأخضر في ديوانه يحيل إلى البهجة والخير، ما عدا في هذا الموضع فقط، عندما اختار اللون الأخضر للغراب؛ فهو أحالنا إلى القدرة على التلون والتغير والاحتيال، بينما حمل مفردة «قوس قزح» في معناها كثيرًا من الألوان.
ويأتي اللون البرتقالي مقترنًا بنبتة عباد الشمس، حتى تمتلئ صوره المبهجة بقوس قزح وزهرات عباد الشمس.
فيما يمثل اللون الأبيض نوعًا من النقاء، إلا في موضع واحد قد سبق ذكره عندما قرن اللون الأبيض بالتشويه، تتبدى خلاله قدرته على التلاعب بالألوان وعلى استغلالها في تحميل معانٍ أخرى، وذلك في قصيدة «عندما تتوقف الساعة» عندما يقول: «وفي يده الفرشاة والطلاء الأبيض ملطخًا الوجوه والجدران والصور». هنا، رغم أن اللون الأبيض في حقيقته يدل على النقاء والوضوح، إلا أنه يستخدمه استخدامًا آخر ويحمله معنى جديدًا، وهو معنى التشويه وطمس الحقيقة.
بينما في قصيدة «بطل ثانوي» استطاع أن يصنع مفارقة بجعل الغراب - وهو قبيح الصوت - شاديًا، حين قال:
«في أحلام غراب يدرب حنجرته على الشدو».
يحفل الديوان بالعديد من الصور الجمالية والمجازات والاستعارات، ولكننا سنقف عند بعض الصور أو القليل منها، وهي ما أراه مختلفًا وفارقًا. فهو يقول مثلًا:
«أشباح الأمل ترتع بين جنباتها»
«سجانها يعاني الأمل»
«نبتة صبار تنتظر بشغف قطرات محببة لمطر غائب»
«المطر يفوز بجائزة أفضل عازف إيقاع/ والبرق يتقدم إلى وظيفة كبير المصورين».
بينما تقف قصيدة «ترنيمة سوداء» كصورة جمالية كبيرة، فهو يقول:
«الحصى التي ألقاها البائسون واليائسون والتائهون والغاضبون بعيدًا/ والحصى التي سقطت عموديًّا/ وتلك التي صنعت دوائر وتموجات/ أرى غرقى قابعين في القعر يبنون بها قبرًا لديناصور فاشل فاته موعد الانقراض العظيم».
فيما يعمد الشاعر إلى رسم صورة غير تقليدية عن طريق التلاعب برسم الحروف ذاتها، وهو ما يبدو في قصيدة «رحلة عينين» حين يقول: «ومع أول زخة سقطتا».
هنا يبدو تلاعبه الواضح برسم الحروف للدلالة على أن فعل السقوط كان بطيئًا وتدريجيًّا وليس دفعة واحدة.
فيما استطاع الشاعر أن يصنع العديد من المفارقات في المعنى، والتي يقف عندها القارئ مفكرًا، من مثل قوله: «على وجه مرشد المقاعد/ وهو يسير متتبعًا عصاه البيضاء ليوصد باب الخروج»، «أعمى يتلمس طريقه بمساعدة خفاش».
تناص:ورد في الديوان بعض التناصات مع التراث، وخاصة التراث الريفي في قوله: «وسقاطته على شكل يد».
ومع القرآن الكريم: «وانتظر حتى اشتعال رأسك بالشيب».
هكذا يقف ديوان «ظل يرتسم على المياه البعيدة» للشاعر محمد الحديني شاهدًا على حالة مكثفة من الاغتراب والقلق والحيرة تجاه الآخر. ربما كان مآل تلك الحالة المسيطرة على قصائد الديوان ما يمكننا أن نحيله إلى ذات الشاعر في فعل معاكس لنظرية رولان بارت «موت المؤلف»، حين نشير إلى أن تلك الحالة من الاغتراب التي يعيشها الشاعر ذاته قد تبدت وسيطرت على قصائد الديوان، وهي الحالة التي يعيشها أي مغترب يحيا بعيدًا عن وطنه.
يذكر أن محمد الحديني قاص وشاعر ومترجم، صدر له ثلاث مجموعات قصصية قصيرة جدا: خارج أضلاع الدائرة، عن دار النابغة 2015. تراجيديا آدم عن دار روزنامة 2016، ولا أحد هناك، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2017.
وفي الشعر صدر له ديوانا شعر فصحى (أوركسترا تعزف لحنا صامتا) عن دار روافد 2019، (ظل يرتسم على المياه البعيدة) هيئة الكتاب ٢٠٢٣، وفي الترجمة إلى الإنجليزية صدر له ترجمة المجموعة القصصية المتجول في الأحلام للأديب الراحل محمد عبد المنعم زهران عن دار أكوان 2021.
فاز بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب 2018، عن
مجموعته القصصية "لا أحد هناك"، وصل مخطوط ديوانه "أوركسترا تعزف لحنا صامتا" للقائمة القصيرة لجائزة محمد عفيفي مطر للشعر العربي 2018، وفاز مخطوط ديوانه "ظل يرتسم على المياه البعيدة" بالجائزة نفسها عام 2022.
مراجع: كتاب "النقد الأدبي الحديث"، محمد غنيمي هلال.