إلغاء قانون قيصر.. توقيع ترامب ينهي سنوات من خنق الاقتصاد السوري ليبدأ التعافي
تاريخ النشر: 11th, December 2025 GMT
في لحظة سياسية فارقة تعيد رسم موقع سوريا على الخريطة الإقليمية والدولية، صوّت مجلس النواب الأميركي على إلغاء "قانون قيصر" الذي شكّل طوال ستة أعوام أحد أكثر أدوات الضغط الصارمة على الاقتصاد السوري.
ومع انتقال المشروع إلى مجلس الشيوخ تمهيداً لتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل نهاية العام، تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة قد تُنهي سنوات من الخنق الاقتصادي، وتفتح باب الأسئلة حول فرص التعافي وقدرة الحكومة السورية الجديدة على استثمار هذه التحولات.
يأتي القرار في سياق إقليمي ودولي متغير، وبعد عام من التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا إثر سقوط نظام الأسد وصعود حكومة انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ومع ذلك، يبقى السؤال الأبرز: هل يكفي رفع العقوبات لتبدأ سوريا رحلة النهوض، أم أن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات المعقّدة؟
أقِرّ "قانون قيصر" عام 2019 خلال ولاية ترامب الأولى، مستنداً إلى صور مسرّبة وثّقت انتهاكات واسعة في السجون السورية. فرض القانون عقوبات مشددة طالت مؤسسات الدولة وقطاعات الطاقة والبناء والمالية، ومنع التعامل مع جهات حكومية أو شركات مرتبطة بالنظام السابق. وعلى مدى سنوات، شكّل القانون أحد أعمدة العزلة الاقتصادية التي عمّقت الانهيار البنيوي في سوريا.
أما التغيير الجوهري فجاء في ديسمبر 2024 حين أطاحت قوات المعارضة بنظام الأسد، ليفرّ الأخير إلى روسيا، وتبدأ مرحلة سياسية جديدة بدعم أميركي. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت سياسة إعادة تقييم شاملة للعقوبات، وصولاً إلى مسار الإلغاء الذي نشهده اليوم.
تفاصيل مشروع الإلغاء وشروطه الرقابيةرغم أن القانون يلغي العقوبات فعلياً، إلا أنه يستبدلها بآلية رقابية دورية تُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير إلى الكونغرس كل 90 يوماً ثم كل 180 يوماً لمدة أربع سنوات، تتضمن:
مكافحة الإرهاب والجماعات المتشددة.حماية حقوق الأقليات الدينية والإثنية.إبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا.الامتناع عن أي عمل عسكري غير مبرر ضد الجوار.التقدم في تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025 مع "قسد".مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمخدرات.ضمان تمثيل عادل في الحكومة والبرلمان.ملاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.هذه الشروط غير ملزمة قانوناً لإبطال الإلغاء، لكنها تشكل آلية ضغط سياسية وأمنية على الحكومة السورية الجديدة.
هل يبدأ النهوض الاقتصادي؟ترفع خطوة الإلغاء الكثير من القيود، لكنها لا تُطلق العنان للتعافي بشكل مباشر. فالأضرار التي ألحقها العقد الماضي بالاقتصاد السوري ضخمة؛ تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي تتحدث عن حاجات إعمار تفوق 216 مليار دولار، إضافة إلى نظام مصرفي مضطرب، وسيولة شبه معدومة، وسوق موازية تتحكم بتعدد أسعار الصرف.
ويرى خبراء الاقتصاد أن رفع العقوبات يمثل شرطاً لا بد منه لكنه غير كافٍ. فالدخول في مرحلة الإعمار يحتاج:
تحديثاً تشريعياً شاملاً.استعادة الثقة بالقضاء والمصرف المركزي.بيئة أعمال شفافة تستقطب المستثمرين.إعادة ربط البنوك السورية بمنظومة "سويفت".ضمانات أمنية وسياسية.ويتوقع اقتصاديون انتقالاً من الانكماش إلى نمو إيجابي محدود خلال الأعوام الثلاثة المقبلة في حال أُنجزت الإصلاحات.
التحديات المعيشية.. طريق طويل قبل التحسنيعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ما يجعل أي إصلاح اقتصادي محفوفاً بتكاليف اجتماعية قصيرة الأمد، أبرزها:
تحرير تدريجي للأسعار.إعادة هيكلة الدعم.ارتفاع مؤقت في تكاليف المعيشة.لذلك، تحذر المؤسسات من أن التعافي لن ينعكس سريعاً على الأسر إلا بوجود برامج حماية اجتماعية فعّالة.
إلغاء "قانون قيصر" يمثل بداية مرحلة لا نهايتها. صحيح أنه يفتح الباب أمام انفراج اقتصادي محتمل، لكنه يضع سوريا في مواجهة اختبار أكبر: القدرة على تنفيذ إصلاحات عميقة، وبناء دولة شفافة تستعيد ثقة شعبها وشركائها الدوليين. فالطريق إلى التعافي لن يُرسم في واشنطن وحدها، بل يبدأ من دمشق قبل أي مكان آخر.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: قانون قيصر سوريا العقوبات الأمريكية على سوريا إلغاء قانون قيصر قانون قیصر
إقرأ أيضاً:
ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
فسّر رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال تغيير الإدارة الأمريكية منصب السفير الأمريكي لدى تركيا توم برّاك من مبعوث أمريكي إلى سوريا إلى مبعوث رئاسي خاص إلى سوريا والعراق، بالإجراءات القانونية الأمريكية، موضحا في حديث خاص لـ"عربي21" أن استمرارية برّاك في منصبة السابق (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) لأكثر من عام تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي.
وقال إن الرئيس الأمريكي فضل عدم الدخول في نقاشات مع الكونغرس الأمريكي، بتغيير اسم منصب برّاك، عبر ممارسة صلاحياته.
وكان ترامب قد أعلن عن تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيرا للولايات المتحدة في أنقرة، مؤكدا أن الخطوة "تضمن جهود واشنطن لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين".
وأشاد ترامب بأداء برّاك، مشيرا إلى أن "العلاقات الأمريكية مع سوريا والعراق تنمو بشكل مضطرد".
التغيير في منصب توم برّاك الذي يعد من أبرز المهندسين الأمريكيين للعلاقة بين واشنطن ودمشق، أثار قراءات مختلفة، ففي حين اعتبر البعض أن الخطوة تعكس تراجعا في الاهتمام الأمريكي في الملف السوري، يرى آخرون أن التغيير يفتح المجال أمام تطور أكثر في العلاقة بين دمشق وواشنطن.
ويدل على ذلك، الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، الأحد، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وذلك بعد يوم من التغييرات في منصب توم برّاك.
علاقات غير مسبوقة
وفي هذا الاتجاه، يشير رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال إلى التطور "غير المسبوق" في العلاقات الأمريكية السورية، ويقول: "لم نشهد هذا التطور في العلاقات منذ 60 عاما، وخلال العام الذي كان فيه توم برّاك مبعوثا أمريكيا، لمسنا مساعٍ من دمشق وواشنطن لربط المؤسسات مع بعضها، بمعنى أن وزارة الخارجية الأمريكية تتواصل نظيرتها السورية، والخزانة الأمريكية تتواصل مع وزارة المالية السورية، ويبدو أن هذا الأمر قد ألغى الحاجة لمنصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، واستدعى تغييرا في عنوان المنصب".
تنفيذ رؤية ترامب
وفي السياق ذاته، يشير مؤسس منظمة "سوريا طريق الحرية" (منظمة سورية أمريكية)، هشام نشواتي، إلى إشادة ترامب بأداء توم برّاك، ويقول لـ"عربي21": "بالتالي يعتبر المنصب الجديد ترفيعا لبرّاك".
أما عن أسباب التغيير في اسم المنصب، يلفت نشواتي إلى إجراءات الكونغرس التي تحدد مدة عمل المبعوث الأمريكي بنصف عام، قابلة للتمديد لفترة ثانية فقط، ويقول: "لم يتم تعيين مسؤول بديل في منصب براك أي المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، بل تم إلغاء المنصب، وجرى ترفيع برّاك".
وبحسب نشواتي، فإن كل ذلك يعني أن توم برّاك سيشرف على تنفيذ الرؤية الأمريكية في سوريا والعراق، ويقول: "باعتقادي فإن ثقة ترامب بتوم برّاك، أهلته لأن يكون الوصي على رؤية ترامب للمنطقة".
وثمة تفسير آخر للتغيير في منصب توم برّاك، على صلة بانتهاء صفة "الأزمة" التي كانت ملازمة أمريكيا للملف السوري.
والإثنين، طالب عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون بإلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، وقال: إن "التطورات الأخيرة في العلاقات الأميركية السورية تعكس توجها إيجابيا، ومنها تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا لسوريا، وأضاف أن "يجب إلغاء التصنيف القديم لسورية دولة راعية للإرهاب بشكل سريع".