أدى الطقس المتطرف في أوروبا إلى آلاف الوفيات وهز الاقتصاد بشكل واضح. هل سيغدو ذلك الإرث القاتم لعام 2025؟

أشخاص يتشبثون بأعلى الأشجار للبقاء على قيد الحياة، آلاف المنازل تتداعى، والطرق تتحول بسرعة إلى أنهار من الطين.

هذه الصور المروعة ليست نبوءة ديستوبية عمّا سيأتي؛ إنها واقع الطقس المتطرف الذي أحكم قبضته القاتلة على العالم.

في أوروبا، أصبحت الفيضانات المفاجئة وموجات الحر القاتلة والجفاف وحرائق الغابات القياسية السمة البارزة لعام 2025، وإرثا لا تزال القارة تكافح للتعافي منه.

لكن الخبراء يحذرون من أن هذه الأحداث ستصبح على الأرجح "الوضع الطبيعي الجديد" ما لم تُتَّخذ إجراءات جذرية لخفض الانبعاثات المحتبسة للحرارة المنبعثة إلى الغلاف الجوي.

هل تغيّر المناخ مسؤول عن الطقس المتطرف؟

مع أن العلماء يتجنبون إسناد اللوم إلى أحداث معيّنة من الطقس المتطرف، يتفق على نطاق واسع على أن تغيّر المناخ يغذي تكرارها وحدّتها.

مع كل ارتفاع بمقدار درجة واحدة في حرارة الهواء، يستطيع الغلاف الجوي احتجاز نحو سبعة في المئة إضافية من الرطوبة، ما قد يؤدي إلى هطول أمطار أكثر كثافة وغزارة.

Related تعرّف إلى أول مهاجري المناخ يغادرون توفالو المهددة بالغرق لبدء حياة جديدة في أسترالياعقود من إزالة الغابات حولت فيضانات آسيا إلى أحد أكثر الظواهر الجوية فتكا هذا العام

يوضح المركز الوطني لعلوم الغلاف الجوي: "إن تغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري يعني أن أحوال الطقس الصيفية تحدث فوق خلفية مناخية أكثر دفئا".

"مع كل درجة احترار في مناخ الأرض، يُتوقع أن تتزايد وتيرة موجات الحر وشدتها سوءا".

الطقس المتطرف في أوروبا عام 2025

بدأ عام 2025 بداية عاصفة، إذ اجتاحت رياح عنيفة أجزاء من فرنسا. وتعرضت مناطق الشمال، مثل شارلفيل-ميزير، شالون-أون-شامبان وإقليم بار-لو-دوك، لأشد الضربات، مع هبات متكررة وصلت سرعتها إلى 110 كم/ساعة.

بحلول الربيع، ضرب الطقس المتطرف عدة دول أوروبية أخرى. وأُجلِي العشرات في وسط وشمال إسبانيا بسبب العاصفة مارتينيو، فيما شلّت أسوأ فيضانات منذ ثلاثة عقود منجم الملح التاريخي "برايد" في رومانيا. وتعرّض مئات الأشخاص للنزوح بعدما ألحقت أيام من الأمطار الغزيرة والرياح العاتية أضرارا بمنازلهم.

لكن التصعيد الحقيقي حصل خلال أشهر الصيف. فقد حطمت موجات الحر الشديدة الأرقام القياسية في مختلف أنحاء القارة، حتى في أقصى الشمال ضمن الدائرة القطبية الشمالية الباردة عادة، حيث ارتفعت حرارة "غير مسبوقة بالفعل" إلى أكثر من 30 درجة خلال 13 يوما في يوليو.

تحملت فنلندا ثلاثة أسابيع متواصلة بدرجات حرارة بلغت 30 درجة، وواجهت صعوبة في التأقلم مع الظروف اللاهبة.

وفتح مضمار للتزلج على الجليد في شمال البلاد أبوابه للباحثين عن ملاذ من الحر، فيما شهدت المستشفيات المحلية ازدحاما شديدا. كما أثارت موجة الحر مخاوف بشأن رفاهية حيوانات الرنّة التي واجهت خطر الإصابة بفرط الحرارة.

وفي الجنوب، عانى الأوروبيون تحت درجات حرارة تجاوزت 40 درجة، ما دفع عشرات الدول إلى حالة جفاف. وسرعان ما تحوّل الحر الشديد إلى حالة طوارئ على مستوى القارة، مع إصدار عدة دول تحذيرات صحية وتنبيهات من حرائق الغابات.

يحمل متظاهر صورة لمونتسي أغويلار، وهي عاملة نظافة توفيت خلال موجة حر، مع رسالة بالإسبانية تقول "العدالة لمونتسي". Joan Mateu Parra

دعت وزارة الصحة في مدريد الناس إلى تجنب التعرض للشمس إن أمكن، ومراعاة كبار السن والحوامل، فيما أمرت السلطات الفرنسية بجعل أحواض السباحة العامة مجانية لمساعدة السكان على التخفيف من الحر.

وفي إيطاليا، فُرض حظر العمل في الهواء الطلق خلال أكثر ساعات اليوم حرارة. وفي اليونان، أُغلقت مؤقتا مواقع سياحية كبرى.

لكن وفيات بسبب الحر الشديد استمرت، وبدأت لاحقا تتصدر العناوين. انهارت مونتسي أغويلار، وهي عاملة نظافة تبلغ من العمر 51 عاما في برشلونة، في الشارع بعد أن تحمّلت حرارة مرهقة بلغت 35 درجة فيما كانت المدينة تحت إنذار مرتفع.

أشعلت وفاة أغويلار احتجاجات محلية، إذ سار مئات من عمّال النظافة وزملائها ومواطنين قلقين في وسط برشلونة حاملين لافتات كتب عليها: "الحر الشديد هو أيضا عنف في مكان العمل".

كم عدد الذين توفوا بسبب الحر الشديد؟

بحث باحثون في "إمبريال كوليدج لندن" و"مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي" في 854 مدينة أوروبية ووجدوا أن تغيّر المناخ مسؤول عن 68 في المئة من 24.400 وفاة مرتبطة بالحر تقديرا هذا الصيف، بعدما رفع درجات الحرارة حتى 3.6 درجة.

كانت الدول الأكثر تضررا من موجة حر واحدة هي رومانيا وبلغاريا واليونان وقبرص، حيث سُجّل بين 21 و27 يوليو نحو 950 وفاة مرتبطة بالحر في درجات حرارة ارتفعت حتى ست درجات فوق المعدل. أي ما يقرب من 11 وفاة يوميا لكل مليون نسمة.

العواصم الأوروبية التي شهدت أكبر عدد وفيات بالنسبة للفرد كانت روما وأثينا وبوخارست. ويقول مؤلفو الدراسة إن ذلك يعكس تعرضها لبعض أشد موجات الحر في أوروبا، لكنهم يشيرون إلى أن عوامل أخرى تؤدي دورا أيضا، منها الجاهزية، والتركيبة الديموغرافية للسكان، وتلوث الهواء.

عبر 854 مدينة، كان تغيّر المناخ وراء 4.597 وفاة تقديرية مرتبطة بالحر في إيطاليا، وهو أعلى إجمالي. وتسبب أيضا في 2.841 وفاة في إسبانيا، و1.477 في ألمانيا، و1.444 في فرنسا، و1.147 في المملكة المتحدة، و1.064 في رومانيا، و808 في اليونان، و552 في بلغاريا و268 في كرواتيا.

الأهالي يتصدّون لحريق غابات يزحف نحو قرية ريبوردوندو، قرب أورينسي في شمال غرب إسبانيا، 18 أغسطس 2025. Copyright 2025 The Associated Press. All rights reserved.

وجد تحليل أجراه "إسناد الطقس العالمي" (WWA) أيضا أن تغيّر المناخ جعل الظروف الجوية التي غذّت حرائق الغاباتفي البرتغال وإسبانيا أكثر احتمالا بنحو 40 مرة.

أكثر من 380.000 هكتار من الأراضي احترقت في إسبانيا منذ بداية 2025، أي نحو خمسة أضعاف المتوسط السنوي. وفي البرتغال، فُقد أكثر من 260.000 هكتار. وهذا يقارب ثلاثة في المئة من مساحة البلاد وهو ثلاثة أضعاف متوسط المساحة التي تحترق بحرائق الغابات في عام واحد.

على الأقل ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في هذه الحرائق، فيما اضطر عشرات الآلاف إلى الإجلاء.

كيف يؤثر الطقس المتطرف في اقتصاد أوروبا

يحذّر الخبراء من أن الطقس المتطرف هذا الصيف تسبب في خسائر اقتصادية قصيرة الأجل لا تقل عن 43 مليار يورو، مع توقع أن تصل الكلفة الإجمالية إلى 126 مليار يورو بحلول عام 2029.

وجدت دراسة نُشرت في سبتمبر الماضي، قادتها الدكتورة سهريش عثمان في جامعة مانهايم بالتعاون مع اقتصاديين من البنك المركزي الأوروبي (ECB)، أن موجات الحر والجفاف والفيضانات أثرت في ربع مناطق الاتحاد الأوروبي خلال صيف 2025.

تبلغ الخسائر الفورية 0.26 في المئة من الناتج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي في 2024، لكن مؤلفي الدراسة يؤكدون أن هذه التقديرات على الأرجح متحفظة لأنها لا تشمل الآثار المركبة حين تقع أحداث متطرفة في آن واحد، مثل تزامن موجات الحر والجفاف.

ولا تشمل أيضا كلفة الأخطار مثل حرائق الغابات التي حطّمت أرقاما قياسية في أنحاء أوروبا هذا العام، أو أضرار البَرَد والرياح الناجمة عن العواصف.

ما الدول التي تلقت أكبر ضربة اقتصادية؟

تكبّدت إيطاليا واحدا من أسوأ الانحدارات الاقتصادية مع خسائر متوقعة قدرها 11.9 مليار يورو في 2025، ترتفع إلى 34.2 مليار يورو بحلول 2029. وتلتها فرنسا بأكثر من عشرة مليارات يورو في الأضرار الفورية وبـ33.9 مليار يورو قبل نهاية العقد.

وكانت إسبانيا بين أكثر الدول تضررا، حيث حدّد الباحثون الأنواع الثلاثة كافة من الأحداث المناخية المتطرفة. وبلغت خسائرها الإجمالية المقدّرة 12.2 مليار يورو في 2025 و34.8 مليار يورو بحلول 2029.

هل سيكون الطقس المتطرف أسوأ في 2026؟

فيما تكافح أوروبا للتعافي من هذه الأحداث المتطرفة، يتوقع العلماء أن يكون عام 2026 من بين أكثر الأعوام حرارة منذ 1850.

أصدر مكتب الأرصاد البريطاني أحدث توقعاته لـمتوسط الحرارة العالمي، محذّرا من أن 2026 سيصبح على الأرجح السنة الرابعة التي يرتفع فيها المتوسط العالمي للحرارة إلى 1.4 درجة فوق المتوسط ما قبل الصناعي.

يقول البروفيسور آدم سكيفا، الذي قاد الفريق وراء التوقع العالمي: "من المرجح أن تكون السنوات الثلاث الماضية كلها قد تجاوزت 1.4 درجة، ونتوقع أن يكون 2026 السنة الرابعة على التوالي التي تحقق ذلك".

"قبل هذه القفزة، لم يكن المتوسط العالمي للحرارة قد تجاوز 1.3 درجة".

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا الذكاء الاصطناعي عيد الميلاد ضحايا الصحة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا الذكاء الاصطناعي عيد الميلاد ضحايا الصحة جفاف الاحتباس الحراري تغير المناخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا الذكاء الاصطناعي عيد الميلاد ضحايا الصحة روسيا إسرائيل إيلون ماسك الضفة الغربية دونالد ترامب غزة الطقس المتطرف تغی ر المناخ الحر الشدید ملیار یورو موجات الحر فی أوروبا فی المئة أکثر من عام 2025

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • المشاجرات المسائية قد تكون قاتلة لمرضى القلب!
  • تصل إلى 42 بهذه المناطق.. الأرصاد تحذر من ارتفاع درجات الحرارة غدا الأربعاء 3 يونيو 2026
  • شديد الحرارة على معظم الأنحاء.. حالة الطقس غدًا الأربعاء 3 يونيو 2026 في القاهرة والمحافظات
  • من سيول.. عطاف يستعرض تطور علاقات التعاون بين الجزائر وروندا
  • استشاري: أدوية القلب والضغط تحفظ في درجة حرارة من 20-25 حتى لا تتلف
  • درجات الحرارة المتوقعة غدا وامطار خفيفة على بعض المناطق
  • الأجواء مائلة للحرارة.. حالة الطقس الآن في مصر
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • حالة الطقس اليوم الإثنين 1 يونيو 2026.. الأرصاد تحذر من ظاهرة صباحية وأمطار بهذه المناطق
  • مدرب أرسنال: خسارة دوري الأبطال مؤلمة وكنا نستحق أكثر