"النص الشعري ومفردات الخصوصية الثقافية".. على طاولة الجلسة الأولى لمؤتمر أدباء مصر
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
في الجلسة الأولى التي شهدتها فعاليات اليوم الأول لمؤتمر أدباء مصر في دورته السابعة والثلاثين، بالعريش، شهد قصر ثقافة العريش، اليوم السبت، والتي جاءت تحت عنوان "النص الشعري ومفردات الخصوصية الثقافية"، وأدارها الكاتب فؤاد مرسي، استهلت بمناقشة البحث الأول بعنوان "اللغة وبناء المشهد الشعري.. دراسة في البنية النصية عند حجازي"، قدمه الدكتور حسام جايل، مؤكدا أن اللغة تمثل العنصر الأهم في بناء المشهد الشعري، بما تمتلكه من أدوات وأبنية كبرى نحوية وبلاغية ومعجمية، إلى جانب الأبنية الصغرى المتداخلة والمتكاملة مع العلاقات الدلالية، بما يسهم في تكوين مشهد شعري مميز.
وأوضح "جايل" أن البناء اللغوي في النص الشعري بناء متشعب ومتعدد المستويات، ولا يقتصر حضوره على مستوى واحد، بل تتعدد دلالاته، مشيرا إلى أن السبك اللغوي يمثل عنصر التماسك والانسجام الظاهر على سطح النص، وتتعدد أدواته النحوية بين الإحالة والحذف والتكرار والسياق.
وأضاف أن البحث يسعى إلى معالجة إحدى الأبنية اللغوية ودورها في تشكيل المشهدية الشعرية وتحقيق ترابط النص وانسجامه، من خلال دراسة تجربة أحد رواد الشعر العربي الحديث، الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وما تتسم به بنيته النصية من خصوصية، مؤكدا أن البنية النصية تمثل نظاما متكاملا من البنى، لكل منها قواعدها التي تسهم في بناء النص على المستويات التركيبية والزمنية والإحالية.
وأكد "جايل" أن النص الشعري يعتمد بدرجة كبيرة على الإحالة في تحقيق الترابط النصي، نظرا لدورها الفاعل في تحقيق الانسجام، موضحا أن البحث اقتصر على دراسة الإحالة بوصفها أكثر العناصر حضورا وبروزا في النص الأدبي.
واختتم بالتأكيد على أن الإحالة من القضايا المحورية التي شغلت الفلاسفة والمناطقة وعلماء النفس واللغة، لارتباطها الوثيق ببناء المعنى، مشيرا إلى أن اللغة في جوهرها نظام إحالي يحيل على ما هو خارجها، ما يجعل دراسة الإحالة مدخلا أساسيا لفهم الدلالة والمشهد الشعري.
كما شهدت الجلسة مناقشة البحث الثاني بعنوان "في الأدب السيناوي المعاصر"، دراسة نقدية قدمها الدكتور سمير محسن، تناول خلالها ملامح الإبداع الأدبي لدى أدباء شمال سيناء، مستعرضا نماذج شعرية لثلاثة شعراء هم: صلاح فاروق، ومحمد علي سلامة، وريم مرشد.
وأوضح أن التجربة الشعرية عند صلاح فاروق اتسمت بكثافة الصورة وعمق الدلالة، حيث جاءت الصور الشعرية محملة بحالات تأملية ودرامية تعكس معاناة الذات الإنسانية، مؤكدا أن امتلاك الشاعر لناصية اللغة وحسن انتقاء المفردات أضفى بعدا جماليا على نصوصه، رغم كون الديوان هو تجربته الأولى، وضم أربعين قصيدة نثرية تناولت مختلف جوانب الحياة.
وأشار إلى أن تجربة الشاعر محمد علي سلامة اتسمت بالاختلاف والتجريب الجريء في تفكيك اللغة وإعادة تركيبها، معتمدا على صور شعرية غير مألوفة وصياغات لغوية أحدثت حالة من الدهشة والربكة المقصودة لدى المتلقي، في إطار تجربة نثرية ذات طابع فلسفي ودرامي خاص.
كما استعرض تجربة الشاعرة ريم مرشد، مؤكدا صدق تجربتها الشعرية وبساطة أفكارها، سواء في قصائدها بالعامية المصرية التي عبرت عن هموم الوطن والإنسان، أو في محاولاتها بالفصحى، التي جاءت محملة بمشاعر إنسانية ورؤية أنثوية خاصة، تعكس سعيها لإثبات حضورها الإبداعي.
واختتم "محسن" بحثه بالتأكيد على أن هذه التجارب الإبداعية تعكس ثراء المشهد الثقافي في شمال سيناء، وتسهم في دعم الحركة الأدبية المصرية، وفتح آفاق جديدة للحوار النقدي حول اللغة والصورة الشعرية.
ويقام المؤتمر هذا العام تحت عنوان "الأدب والدراما.. الخصوصية الثقافية والمستقبل"، برئاسة الشاعر والسيناريست الدكتور مدحت العدل، وبأمانة عامة للشاعر عزت إبراهيم.
ويعقد المؤتمر بإشراف الإدارة المركزية للشئون الثقافية برئاسة الشاعر د. مسعود شومان، وينفذ من خلال الإدارة العامة للثقافة العامة، وإدارة المؤتمرات وأندية الأدب، بالتعاون مع إقليم القناة وسيناء الثقافي، وفرع ثقافة شمال سيناء.
ويشارك في المؤتمر نخبة كبيرة من الأدباء والمبدعين والباحثين والنقاد والإعلاميين، ويشهد 11 جلسة بحثية، وورشا متخصصة في كتابة الدراما والسيناريو، وموائد مستديرة، إلى جانب أمسيات شعرية وقصصية وعروض فنية، ويكرم عددا من المبدعين والنقاد والإعلاميين، كما يصدر المؤتمر عددا من الإصدارات المهمة التي تحتفي بشخصية الدورة وإبداعات أدباء شمال سيناء وكتاب أبحاث المؤتمر.
وتختتم فعالياته بعقد جلسة التوصيات في الثامنة والنصف مساء الاثنين 29 ديسمبر الجاري، إلى جانب تكريم عدد من الرموز الإبداعية في مصر، وتكريم خاص لمبدعي شمال سيناء من الأدباء والنقاد الذين قدموا إسهامات متميزة في الحياة الأدبية والثقافية المصرية.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: مؤتمر أدباء مصر الكاتب فؤاد مرسي حجازي النص الشعری شمال سیناء
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..