أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
يقول مارتن لوثر: لا يمكن للكراهية أن تطرد الكراهية، بل الحب وحده القادر على ذلك!!
وفي زاوية الأمس تحدثنا عن محاولة إشعال شرارة الشمال التي تسعى إلى خلق الفتنة بين المواطن والحركات، وطالبنا بأن الحل يكمن في إصدار قرار بإخراج هذه القوات. وهي المطالبة التي تحدثنا عنها قبل الحرب عن خطر وجود مقار للدعم السريع وسط الأحياء، وقتها لم تستمع القيادة العسكرية للنصح.
ولكن اللافت أن مصادر بالأمس أكدت وجود قيادات من المؤتمر الوطني تحرض المواطنين ضد الحركات المسلحة، وأن هناك شخصيات تنتمي إلى التنظيم من ولاية نهر النيل تدفع أموال كبيرة لخلق فوضى بالولايتين.
وأضاف المصدر أن المواجهات المسلحة بين مجموعات من الحركات المسلحة وعدد من المواطنين في مدينة عطبرة، والتي أدت إلى إصابة عدد من الأشخاص ونقلهم إلى مستشفى عطبرة لتلقي العلاج، لم تكن الأولى؛ فقد سبقتها مواجهات عديدة لم تصل إلى إطلاق النار، ولذلك لن تكون الأخيرة.
وذكر أن هناك كثيرًا من البيانات المضروبة تصيغها غرف كيزانية لتحريض المواطنين وتخويفهم ودفعهم إلى المواجهة مع الحركات لإشعال نار الفتنة، وأن الخطاب التعبوي في حالة تزايد واضحة. ومعلوم أن خطاب الكراهية أحد أهم الأدوات التي تستخدمها فلول النظام البائد لضرب خصومها والتخلص منهم، فالنظام البائد أسس ميثاقه على العنصرية البغيضة.
إلا أن الوعي كان ولا يزال عند الكثيرين من أهل الشمال هو الذي يقف بين الفلول وجني ثمارهم وحصادهم من هذا الزرع.
الوعي الذي لن يسمح له أن يخضر ويخرج شطأه، وهو السلاح السلمي الأمثل لنبذ خطاب الكراهية الذي تسبب في إطالة أمد الحرب.
ويجب أن تتبعه رسائل إعلامية وثورية، وأن تخرج المنصات من حدود الانتصار للذات إلى نصرة القضية الأساسية.
فالمتأمل لحالة الشد والجذب لحبال مناصرة خطاب الكراهية ومناهضته في الميديا والسوشيال ميديا، يجد أن التعامل مع محاولة إذابة الشحن السالبة عند دعاة الحرب والكراهية لا يقوم فقط على حجة خطاب التسامح وضرورة التعريف بثقافة المحبة من قبل مناهضيها، بل يستخدم أدوات أخرى للهزيمة، مثل السخرية أو التجريح. حتى إن بعض المنصات الإعلامية إن حاولت أن تقدم مادة لهزيمة معتقد أو خطاب أو فكرة يجب ألا تعتمد على رصف (المساطب) القائمة فقط على التشجيع لينتهي النقاش بغالب ومغلوب.
هذا الاتجاه في معالجة القضايا السالبة التي تخيم على مجتمعنا يجعل المتلقي يركز فقط على من الذي يمرر (اللعبة الحلوة) حتى يصفق له الجمهور. وهنا نجد أنفسنا كالذي يضع أوجاعه وآلامه ويمشي عليها، وينتهي الوقت وتتلاشى قيمة الحوار، حتى الضيف نفسه قد تصيبه خيبة أمل، لأن ثمة الكثير مما قاله كانت قيمته أكبر من كلمة واحدة قصدها أو لم يقصدها، ولكن رجحت بالكفة.
وهذا يقودنا إلى سؤال مباشر: هل نجحنا في محاربة خطاب الكراهية وهزمنا أدواته، أم أن الكارهين للشعب والوطن المتلفحين بالفتنة على هذه المنصات ما زالوا هم الأكثر شعبية ومتابعة وتصفيق!!
فخطاب الكراهية هو الفعل الذي يختطف الجوهر الإنساني الأصيل للشخصية السودانية، والذي تتسبب فيه فئة لا تمثل الشعب.
وفي حرب 15 أبريل كان ولا زال لهذا الخطاب تأثيره الاجتماعي بالغ التعقيد، فقد تسبب في خلق حالة العداء المتوحش بين مكونات المجتمع السوداني، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى فقدان الثقة المتبادلة، ويكسر حالة الالتحام الاجتماعي حتى على نطاق الأسرة الواحدة. ومع ذلك يساعد على انتشار التمييز الذي يعزز الصور النمطية السلبية، ويشرعن التفرقة على أساس العرق
لهذا أصبح المجتمع السوداني يعيش تحديًا مع نفسه: كيف له أن يرمم جدران قيم التعايش السلمي التي بدأ يصيبها الوهن بضعف ثقافة التسامح، ويحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع وجودي بين الجماعات.
فتغذية هذا الخطاب تتسبب في العنف المجتمعي، وتؤدي إلى ممارسات غير إنسانية. لذلك فإن المسؤولية بدء وختامًا تقع على أصحاب الوعي والعقول الراجحة في شمال الوطن الحبيب، وفي غربه وفي كل بقاعه. نحن بحاجة إلى بسط أيدينا للمسامحة والصفح والعيش معًا، فـرقعة واحدة آمنة خير من بلد كامل يحترق.
طيف أخير:
خطاب البرهان التصعيدي في تركيا تغطية واضحة لفشله في الحصول على دعم عسكري منها، فالعودة إلى خطاب الحرب الأول تعني أن الجنرال يقترب من المواجهة، لكنه يريد أن يظهر عافيته وصحته بأن يظل واقفً.
الوسومصباح محمد الحسن
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: صباح محمد الحسن خطاب الکراهیة
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .