جيوسياسية الاستحواذ.. الخلفيات الاقتصادية لحصار ترامب نفط فنزويلا
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
يمثل الحصار الأميركي الحالي على فنزويلا تطبيقا عمليا لعقيدة جيوسياسية صريحة تبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه، تتجاوز الأهداف السياسية التقليدية إلى أطماع اقتصادية مباشرة.
1- العقيدة الإستراتيجية.. "أخذ النفط" ومشروع 2025تتلخص هذه الرؤية في مبدأ "إلى المنتصر تعود الغنائم"، وقد صرح ترامب سابقاً ومستشاروه بأن النفط يجب أن يكون "تعويضاً" للولايات المتحدة مقابل تدخلاتها.
وتستند تحركات ترامب ضد نفط فنزويلا إلى وثيقة "مشروع 2025" لمؤسسة التراث، التي أعادت إحياء "مبدأ مونرو" بنسخة أكثر تشدداً "لأزمة ترامب".
ويرى "مشروع 2025" أن السيطرة الأميركية المطلقة على موارد الطاقة في نصف الكرة الغربي ضرورة وجودية لقطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي.
ولشرعنة هذه السيطرة، صُنف النظام الفنزويلي ومؤسساته النفطية ضمن قوائم "الإرهاب"، ما حوّل النفط الفنزويلي قانونيا من سلعة تجارية إلى "أصل غير مشروع" يمكن مصادرته، وهو ما ترجم فعليا في أواخر 2025 بفرض حصار بحري واعتراض ناقلات النفط.
السيطرة الأميركية المطلقة على موارد الطاقة في نصف الكرة الغربي ضرورة وجودية لقطع الطريق على النفوذ الصيني والروس
2- "الجائزة".. أضخم احتياطي نفطي في مواجهة الانهياراقتصادياً، تدور المعركة حول أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، والذي يقدر بنحو 303 مليارات برميل، متفوقاً على السعودية، إلا أن قيمة هذا الاحتياطي تآكلت بسبب الانهيار الكارثي في القدرة الإنتاجية:
الانهيار الإنتاجي: هبط إنتاج فنزويلا من 3.4 ملايين برميل يوميا في عام 1998 إلى مستويات تراوحت بين 800 ألف و900 ألف برميل يومياً في عام 2025. التحدي التقني: يتركز معظم النفط في "حزام أورينوكو" وهو نفط ثقيل جداً يحتاج إلى مخففات (Diluents) كانت تأتي سابقاً من الولايات المتحدة، وأدى الحظر الأميركي لهذه المواد إلى شلل القدرة التصديرية وأجبر كراكاس على الاعتماد على إيران في صفقات مقايضة معقدة.3- آلية الخنق الاقتصادي.. هندسة الإفلاس
لم يكن الانهيار الفنزويلي عشوائياً، بل نتيجة "هندسة مالية" عبر العقوبات هدفت إلى دفع الدولة نحو التخلف عن السداد، مما يتيح للدائنين وضع يدهم الأصول السيادية:
إعلان عقوبات 2017 و2019: منعت الحكومة من إعادة هيكلة ديونها وحظرت تصدير النفط لأميركا (أكبر سوق نقدي لها)، مما تسبب بخسارة إيرادات نفطية تعادل 213% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2017 و2024. الانكماش: انكمش الاقتصاد الفنزويلي بنسبة تجاوزت 75%، وهو أكبر انهيار اقتصادي لدولة خارج أوقات الحروب، مما أدى إلى تضخم مفرط وتدمير القوة الشرائية. 4- معركة "سيتغو".. الخصخصة القسريةأخطر ما في السيناريو الاقتصادي هو انتقال المعركة من الحصار إلى "الاستحواذ" عبر المحاكم الأميركية، وتعد شركة "سيتغو" الذراع التكريرية لفنزويلا في أميركا، الجوهرة التي يجري التنافس عليها.
في تطور حاسم لعام 2025، وافق القضاء الأميركي على بيع الشركة الأم لـ "سيتغو" قسرياً لسداد ديون متراكمة تجاوزت 20 مليار دولار، والفائز المبدئي هو صندوق التحوط ( إليوت) Elliott Management المدعوم من الملياردير بول سينغر المعروف بلقب "النسر المالي" بصفقة قيمتها 5.9 مليارات دولار فقط، رغم أن تقييم الشركة الحقيقي يتجاوز 11 مليار دولار.
ويمثل هذا البيع "خصخصة قسرية" لأهم أصل فنزويلي في الخارج، وتنتقل ملكية مصافي تكرير حيوية من الدولة الفنزويلية إلى مستثمرين أميركيين بأسعار بخسة، ما يحرم فنزويلا مستقبلاً من أهم منفذ لتسويق نفطها الثقيل ومصدر رئيسي للعملة الصعبة.
لا يهدف حصار ترامب الاقتصادي بالضرورة إلى احتلال عسكري تقليدي، بل يسعى إلى تفكيك السيادة الاقتصادية لفنزويلا
5- البعد الجيوسياسي.. روسيا والصين الصين: بصفتها أكبر دائن (أكثر من 60 مليار دولار)، وتتبنى بكين إستراتيجية "الإقراض الدفاعي" للحفاظ على تدفق النفط لسداد الديون، وتساعد فنزويلا على الالتفاف على العقوبات عبر "أسطول الظل". روسيا: لعبت دور المنقذ المالي سابقاً، لكنها قلصت انكشافها المباشر، ومع ذلك، تبقى موسكو داعماً سياسياً وعسكرياً رئيسياً لمنع سقوط النظام كلياً بيد واشنطن، مستخدمة فنزويلا كورقة ضغط في صراعها العالمي مع الغرب. 6- السيناريوهات المستقبلية.. ما بعد مادورو السيناريو الأول، نموذج "شيفرون" النفط مقابل الديون: وهو السيناريو الأكثر واقعية حالياً، وتستمر الشركات الغربية (مثل شيفرون) في العمل بموجب تراخيص استثنائية، وتذهب عوائد النفط لسداد ديون الشركات الأميركية مباشرة من دون أن تمر بخزينة الدولة الفنزويلية، وهذا يحقق هدف "أخذ النفط" من دون الحاجة لتغيير النظام عسكرياً. السيناريو الثاني "خطة البلاد" والخصخصة الشاملة: في حال نجح الضغط الأميركي في تغيير النظام، سيتم تفعيل خطة المعارضة المعروفة بـ"خطة البلاد"، والتي تتضمن تعديل قانون المحروقات لإنهاء احتكار الدولة والسماح للشركات الأجنبية بتملك حصص الأغلبية في الحقول النفطية، وربما استخدام "مبادلة الديون بالملكية" لبيع الحقول للدائنين.في المجمل، لا يهدف حصار ترامب الاقتصادي بالضرورة إلى احتلال عسكري تقليدي، بل يسعى إلى تفكيك السيادة الاقتصادية لفنزويلا عبر أدوات مالية وقانونية.
والنتيجة النهائية المرجوة هي تحويل فنزويلا من دولة تسيطر على نفطها إلى مجرد "حارس" للحقول، بينما تذهب العوائد والأصول الإستراتيجية (مثل سيتغو) لسداد الديون وتغذية المصافي الأميركية، مما يعيد دمج أكبر احتياطي نفطي في العالم ضمن المدار الأميركي بشروط "السوق" لا بشروط "السيادة".
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
ستارمر يهاجم إرث المحافظين السكني ويعلن أكبر استثمار حكومي لبناء المنازل
تعهد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية والميسّرة في بريطانيا منذ عقود، متعهدا بمعالجة ما وصفه بـ"الأزمة السكنية العميقة" التي خلفتها سنوات حكم حزب المحافظين.
وفي مقال نشره الاثنين، في صحيفة "الغارديان" أكد ستارمر أن حكومته ستضخ استثمارات قياسية بقيمة 39 مليار جنيه إسترليني في قطاع الإسكان الاجتماعي والميسر، ضمن خطة واسعة لإعادة تمكين السلطات المحلية من بناء المساكن وتخفيف الضغوط المتزايدة على ملايين الأسر البريطانية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إن المسكن ليس مجرد سقف يؤوي العائلات، بل يمثل "الأمان والاستقرار والأمل بمستقبل أفضل"، منتقدا ما اعتبره إخفاقا متراكما للحكومات المحافظة في معالجة أزمة السكن التي دفعت آلاف الأسر والأطفال إلى العيش في مساكن مؤقتة أو البقاء سنوات طويلة على قوائم الانتظار.
وأشار ستارمر إلى أن حكومته حققت خلال العام المالي 2024 ـ 2025 أعلى معدل لبناء المساكن البلدية في إنجلترا منذ نحو 40 عاما، حيث تم إنشاء أكثر من 10 آلاف منزل تابع للسلطات المحلية، إضافة إلى توفير نحو 65 ألف وحدة سكنية ميسّرة، من بينها أكثر من 12 ألف منزل للإيجار الاجتماعي، وهو أعلى رقم يسجل منذ أكثر من عقد.
وأكد أن حكومته تستهدف بناء 1.5 مليون منزل جديد خلال الدورة البرلمانية الحالية، معتبرا أن امتلاك المواطنين لمنازلهم الخاصة يمثل "أعلى درجات الأمان والاستقرار"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإسكان الاجتماعي يظل ضرورة لا غنى عنها لملايين الأسر محدودة الدخل.
وتأتي تصريحات ستارمر في وقت تواجه فيه بريطانيا أزمة سكن متفاقمة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وجود نحو 1.3 مليون أسرة على قوائم انتظار الإسكان الاجتماعي في إنجلترا، بينما يعيش أكثر من 175 ألف طفل في مساكن مؤقتة.
وانتقد رئيس الوزراء سياسة "الحق في الشراء" التي سمحت منذ ثمانينيات القرن الماضي ببيع أكثر من مليوني منزل اجتماعي للمستأجرين بأسعار مخفضة، معتبرا أنها أسهمت في استنزاف المخزون السكني العام دون تعويضه بمشروعات جديدة كافية.
وأوضح أن حكومته تعتزم تشديد شروط الاستفادة من هذه السياسة عبر رفع مدة الأهلية المطلوبة من عدة سنوات إلى عشر سنوات، إضافة إلى تقليص الخصومات الكبيرة التي كانت تمنح للمشترين، والتي بلغت في بعض الحالات أكثر من 136 ألف جنيه إسترليني في لندن.
كما أعلن أن المساكن الاجتماعية الجديدة ستُستثنى من نظام البيع لمدة 35 عاما، بهدف حماية المخزون السكني العام ومنع استمراره في التراجع.
وفي جانب آخر من الإصلاحات، كشف ستارمر عن إجراءات جديدة لحماية ضحايا العنف الأسري، من خلال منح الملاك صلاحيات قانونية لإخلاء المعتدين من المنازل بدلا من إجبار الضحايا على مغادرتها، واصفا الوضع الحالي بأنه "غير مقبول أخلاقيا".
واتهم رئيس الوزراء حزب المحافظين بشن "حرب أيديولوجية" طويلة ضد مفهوم الإسكان الاجتماعي، ما أدى إلى تفاقم أزمة السكن وحرمان أعداد كبيرة من الأسر من الاستقرار والأمان.
وختم ستارمر مقاله بالتأكيد أن حكومته تسعى إلى بناء "بريطانيا يكون لكل شخص فيها مكان خاص به يشعر فيه بالأمان ويملك فرصة للازدهار"، معتبرا أن توفير السكن اللائق يمثل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية حزب العمال في الحكم.
ما السياق السياسي وراء مقال ستارمر؟
يأتي مقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها حزب العمال ضغوطا متزايدة بسبب تراجع شعبيته في عدد من استطلاعات الرأي، وتنامي الانتقادات المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والخدمات العامة، رغم مرور نحو عامين على وصوله إلى السلطة بعد إنهاء 14 عاما من حكم المحافظين.
ويحاول ستارمر من خلال التركيز على ملف الإسكان إعادة توجيه النقاش السياسي نحو أحد الملفات التقليدية التي ارتبطت تاريخيا بهوية حزب العمال، والمتمثلة في العدالة الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية للفئات المتوسطة والفقيرة. كما يسعى إلى إبراز الفارق بين حكومته وحكومات المحافظين المتعاقبة التي يتهمها بالتسبب في تفاقم أزمة السكن نتيجة تقليص الاستثمار العام وبيع أعداد كبيرة من المساكن الاجتماعية دون تعويضها.
ويأتي المقال أيضا بعد أسابيع من إعلان الحكومة البريطانية حزمة إصلاحات مثيرة للجدل في ملف الهجرة، شملت تشديد شروط الإقامة الدائمة وتقليص مسارات الهجرة القانونية، ما أثار انتقادات منظمات حقوقية ونواب داخل حزب العمال نفسه. ويهدف إبراز مشروع ضخم للإسكان الاجتماعي إلى طمأنة الناخبين التقليديين للحزب بأن الحكومة لا تزال ملتزمة بأجندتها الاجتماعية رغم تبنيها سياسات أكثر تشددا في ملفات أخرى.
كما يتزامن طرح هذه الخطة مع تصاعد نفوذ نايجل فرج وحزب الإصلاح في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية، حيث يركز اليمين الشعبوي على قضايا الهجرة والضغط على الخدمات العامة والإسكان. ولذلك يسعى ستارمر إلى تقديم رواية مضادة تقوم على أن أزمة السكن ليست نتيجة الهجرة فقط، كما يروج خصومه، بل هي حصيلة عقود من ضعف البناء والاستثمار العام، وأن الحل يكمن في زيادة المعروض السكني وإعادة بناء قطاع الإسكان الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى المقال باعتباره مجرد عرض لسياسة إسكانية، بل كجزء من معركة سياسية أوسع يخوضها ستارمر لتثبيت هوية حكومته قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإقناع الناخبين بأن حزب العمال قادر على تقديم حلول ملموسة لأزمات المعيشة والسكن التي باتت من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع البريطاني.