حين يُستدعى التاريخ: فرنسا 1940 بين الحكاية والوظيفة (2)
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
د. ناهد محمد الحسن
ليست كل الحكايات التاريخية بريئة، حين تُستدعى في زمن الحرب. بعض الحكايات تُروى لتعلّم، وبعضها يُستعار ليُقنع، وبعضها يُستخدم ليُغلق النقاش قبل أن يبدأ. وتجربة فرنسا عام 1940 تنتمي، في هذا السياق، إلى النوع الذي يبدو واضحًا وبديهيًا، لكنه في الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ مما يسمح به خطاب “العِبرة السريعة”.
ما الذي حدث في فرنسا عام 1940؟
لم تسقط فرنسا؛ لأن جيشها كان ضعيفًا، ولا لأن شعبها كان متخاذلًا، ولا لأن حلفاءها خانوا العهد فجأة. سقطت لأنها كانت دولة منهكة سياسيًا قبل أن تُهزم عسكريًا. الجمهورية الثالثة كانت تعاني شللًا سياسيًا عميقًا، وانقسامًا حادًا بين نخبها، وصعودًا لتيارات محافظة رأت في الحرب خطرًا على “النظام الاجتماعي” أكثر مما رأت فيها تهديدًا وطنيًا. الجيش الفرنسي كان كبيرًا ومدججًا بالسلاح، لكنه كان يقاتل بعقيدة قديمة، ويُدار بعقلية دفاعية جامدة، بينما كان خصمه يبتكر تكتيكات جديدة تقوم على السرعة والمفاجأة.
الهزيمة، إذن، لم تكن لحظة تردّد واحدة، بل نتيجة مسار طويل من سوء التقدير، والإنهاك السياسي، والانفصال بين الدولة والمجتمع. وحين وقعت الهزيمة، لم تأتِ الخلاصة كما يُروَّج لها عادة: لم تُنتج “حسمًا منقذًا”، بل أنتجت نظام فيشي، وهو نظام تعاون مع الاحتلال، قدّم نفسه باعتباره “الواقعية الوحيدة الممكنة” لحماية فرنسا من الأسوأ، بينما كان في الحقيقة يكيّف الدولة مع الهزيمة، ويمنحها غطاءً أخلاقيًا.
هنا تحديدًا تصبح فرنسا 1940 درسًا معقّدًا لا يصلح للاختزال. لأن السؤال الحقيقي الذي طرحته تلك اللحظة لم يكن: لماذا تأخرت فرنسا في الحسم؟ بل: ماذا يحدث حين تلتقي الهزيمة العسكرية مع استعداد داخلي للتنازل باسم “الضرورة”؟
لماذا تُستدعى هذه الحكاية الآن؟
حين تُستدعى فرنسا 1940 في الخطاب السياسي السوداني اليوم، لا تُستدعى بكل تعقيدها، بل تُستخرج منها صورة واحدة فقط: صورة “التردّد القاتل”. يُختزل التاريخ إلى لحظة إنذار: إن لم تُحسم المعركة الآن، سيسقط كل شيء. هذا الاختزال ليس بريئًا، ولا هو خطأ معرفي فقط، بل اختيار وظيفي. إنه يستجيب لحاجة سياسية راهنة: تحويل صراع معقّد، متعدد الجذور، إلى معركة أخلاقية بين “الحسم” و” الخيانة”، وبين “الإنقاذ” و” الضياع”.
في هذا التوقيت بالذات، يصبح استدعاء فرنسا 1940 مفيدًا لمن يريد إعادة تعريف الأزمة لا بوصفها أزمة دولة وبناء، بل أزمة توقيت وقوة. كأن المشكلة لم تكن في البنية التي أنتجت الحرب، بل في تأخر الضربة. وكأن الخلاص لا يحتاج إلى إعادة تفكير في مشروع الدولة، بل إلى استعجال تدخل خارجي يعيد ترتيب الميدان. لكن هنا تظهر المفارقة الكبرى: التجربة الفرنسية، إن أُخذت بجدّية، تُحذّر من هذا المنطق بدل أن تدعمه. فهي تقول إن الحسم العسكري، حين يُفصل عن إصلاح الداخل، لا ينقذ الدول، بل يغيّر شكل الانهيار. وتقول إن استعارة الخوف لتبرير التنازل السياسي تفتح الباب أمام أنظمة تدّعي الواقعية، بينما تُعيد إنتاج الأزمة بأدوات أخرى.
من “العِبرة” إلى “الوظيفة”
حين ننتقل من التاريخ بوصفه شهادة إلى التاريخ بوصفه وظيفة، يتغير كل شيء. لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: ماذا نريد من هذه الحكاية أن تفعل الآن؟ وفي هذا المستوى، يمكن فهم لماذا يُعاد استدعاء فرنسا 1940 لا لتفكيك شروط الهزيمة، بل لتأسيس خطاب “اللحظة الحاسمة”. هذا الخطاب لا يبحث عن مقارنة دقيقة، بل عن تأثير نفسي: تعجيل الإيقاع، تضييق الخيارات، وتجريم التريث.
في السياق السوداني، هذا التوظيف يخدم هدفًا أوضح: إنقاذ مشروع سياسي مأزوم عبر نقله من موقع المساءلة إلى موقع “الضرورة التاريخية”. حين يُقال إن الوقت لا يسمح بالنقاش، وإن الحرب فرضت نفسها، وإن الخارج هو طوق النجاة الأخير، يُعفى المشروع الذي أوصل البلاد إلى هذه اللحظة من مساءلة جذوره. يصبح السؤال عن المسؤولية رفاهًا، والنقاش حول الدولة ترفًا، والعدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
بهذا المعنى، لا يكون استدعاء التاريخ استلهامًا، بل إعادة تدوير للخوف. ليس لفهم الحاضر، بل لتجميده في إطار واحد: إمّا أن تصطف الآن، أو تُحسب على التردّد.
الفرق بين الشهادة والتبرير
التاريخ، حين يشهد، يفضح التبسيط. وحين يُستخدم للتبرير، يُنتج يقينًا سريعًا لكنه هشّ. فرنسا 1940 تشهد ضد فكرة أن الحسم وحده يصنع النجاة، وضد وهم أن الخارج يمكن أن يعوّض الداخل، وضد الاعتقاد بأن تعليق السياسة باسم الخطر الوجودي يفضي إلى استقرار.
أما تحويل هذه التجربة إلى أداة إنذار أخلاقي، فهو نقل لها من حقل المعرفة إلى حقل التعبئة. من سؤال مفتوح إلى جواب مُسبق. ومن درس معقّد إلى شعار.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. لأن الشعوب التي تُدفع إلى القبول بالحرب بوصفها “آخر الفرص”، تُمنع في الوقت نفسه من تخيّل ما بعد الحرب. تُطلب منها الشجاعة الآن، ويُؤجَّل عنها التفكير لاحقًا. لكن التاريخ، مرة أخرى، يقول إن “لاحقًا” هذه كثيرًا ما لا تأتي. لهذا، فإن استدعاء فرنسا 1940 لا ينبغي أن يُخيفنا، بل أن يُنبهنا. لا إلى خطر التردّد فقط، بل إلى خطر الاستعجال. لا إلى وهم اللحظة الحاسمة، بل إلى كلفة تحويل الخوف إلى سياسة.
ذلك هو الدرس الذي يُراد لنا ألا نراه حين تُستدعى الحكاية بهذه الطريقة.
وذلك، تحديدًا، ما يجعل مساءلة هذا الاستدعاء ضرورة، لا ترفًا.
الوسومد. ناهد محمد الحسن
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
إقرأ أيضاً:
فرنسا تشهد الربيع الأكثر حراً على الإطلاق
أعلنت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية الثلاثاء أن فرنسا شهدت الربيع الأكثر حرا على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات في العام 1900، وذلك بناء على مراجعتها المناخية التي تغطي الفترة من مارس إلى مايو.
وقالت المؤسسة العامة "بمتوسط درجة حرارة بلغ 13,8 درجة مئوية، فإن ربيع العام 2026 هو الأكثر حرا على الإطلاق (بزيادة قدرها 1.7 درجة مئوية)، متجاوزا ربيعي العامين 2011 (1.5 درجة مئوية) و2020 (1.3 درجة مئوية)".
ولفتت الهيئة إلى أن فرنسا شهدت مؤخرا "موجة حر غير مسبوقة" أثّرت على جزء كبير من مناطق شمال غرب البلاد.
وسجّلت كل من فرنسا وبريطانيا والبرتغال شهر مايو الأكثر حرّا على الإطلاق في وقت تدفع "قبّة حرارية" آتية من شمال أفريقيا الحرارة لتكون أعلى بكثير من معدلاتها الطبيعية في أنحاء غرب أوروبا.
وذكرت هيئة الأرصاد الفرنسية أيضا أن تربة البلاد التي كانت رطبة في بداية الربيع باتت "جافّة جدا" بحلول أواخر الفصل.
وقالت إن "موجة الحر، إضافة إلى شح مياه الأمطار، تسببا بجفاف سريع جدا وواسع النطاق للتربة في البلاد بكاملها".