د. عصام محمد عبد القادر يكتب: لغة الحوار
تاريخ النشر: 28th, December 2025 GMT
عندما يغيب الحوار بين طرفين، تزداد الفجوة، أو الهوة، أو مساحة البعد عن نقاط الالتقاء؛ ومن ثم نتوقع العزلة، المقوية لحالة الصمت، وتفعل ماهية الأنانية، ولا جدال حول إنه تتباعد الرؤى والأطروحات، المساهمة في حل المشكلات وإزالة الخلافات؛ إنها حالة يتوجب أن ندرك سلبياتها على الوجدان، بل، تنعكس على الممارسات والأداءات، سواءً أكانت على المستوى الفردي، أم الجماعي، وعلينا أن نفرق بين الحالة المؤقتة، التي نصاب فيها بالصمت، قد يكون بسبب عمق التفكير، أو التحليل، وبين حالة تصف تحمل وضعية نوعًا من التفاهم، الذي يصعب أن تعبر عنه الكلمات؛ حيث نوقن أنها لغة خاصة بين طرفين تربطهما وشائج محبة غائرة.
الإيجابية التي توصف بالمرغوبة لدينا، تكمن في صورة العلاقات القوية، القائمة على مبادئ المحبة، والاحترام، والتقدير، وكثير من الاتصافات القيمية العديدة؛ ومن ثم يجب أن نعمل على تعضيد لغة الحوار، ونأخذ بكافة المسببات المؤدية لذلك؛ كتهيئة المناخ المواتي الذي يساعد الطرفين على تحديد نقاط التقاء يحرص كلاهما على التمسك بها، وهو ما يسهم في تجاوز كثير من الخلافات، أو تلافي سلبيات، لا تؤثر قطعًا على واحة الدفء، التي ينبغي أن تتوافر بينهما، وفي المقابل تجاهل لغة الحوار، يؤدي إلى انهيار سياج الأمان بين الطرفين، وهنا ننزلق بسهولة في نفق الخصام والنزاع، الذي لا تنتهى آثاره غير السوية.
لغة الحوار الفعال تزيد الشكوك حول مظاهر سلبية، مثل الكبرياء، أو الشعور بالدونية، أو بوادر الرهبة؛ لأن فلسفة الحوار تعتمد على القبول والتقبل، ومحاولة الانخراط في أطياف الأفكار، المتبادلة بين الطرفين، وهذا بالطبع يساعد في خلق حالة من التواد، ليس في سياج الحديث فحسب، بل، رغبة في الإصغاء، الذي يعزز الانسجام، ويقرب المسافات، ويقلل من التوترات، ويقضي على محاولات فرض الرأي، أو الاستحواذ على طرف الحديث، ويزيل كل أسباب العناد، التي يتم التمسك بها من الطرفين أو أحدهما؛ لذا لا نغالي عندما نقول أن الحوار أداة سحرية، لا تزيل الغموض فقط؛ لكن تعمق مساحة التفاهم وتقويها.
المراحل المتقدمة في لغة الحوار، تتيح الفرصة لإبداء الاعتذار، بعد تحقيق تفاهمات بين الطرفين، وهذا دون مواربة يعد درجة من الشجاعة، مثاب دون مواربة من يبادر بها؛ كونها صفة نبيلة، تؤكد على قوة الحجة والشخصية؛ فكما ندرك أن الاعتراف بالحق بفضيلة؛ فإنه يجعلنا ندرك أن هجرة الحوار تزيد العناد، وتعبأ الإنسان منا بطاقات سلبية، يتمخض عنها تصرفات غير سديدة؛ لذا لابد أن نتمسك بماهية الحوار؛ ليصبح عادة نتركن عليها في تصفية النفوس، وتقوية العلاقات الاجتماعية، في شتى ميادين التفاعلات؛ لنحول الخلافات إلى توافقات يثمر عنها حصادات نرتضيها.
الحوار البناء يؤدي إلى تحسين العلاقات بين الطرفين، ويساعد حتمًا في إشاعة الطمأنينة، ويقضى على أطر النزاع أو الخلاف، ويدفع الطرفان إلى التغيير تجاه الأفضل، وهنا نتوقع نضجًا في العلاقات، وتعزيزًا للنقاط الإيجابية التي يتم التوافق عليها؛ ومن ثم نستطيع أن نرسم سيناريوهات مستقبلية، تحقق غايات طويلة المدى بين جميع الأطراف، وهذا في حد ذاته له ثمار يصعب تناولها؛ لكن يحضرنا منها تعضيد مستويات الثقة، وتجنب مسببات تأجيج الخلاف، وفتح أبواب للابتكار، والوصول لحلول ناجزة لقضايا ملحة، والتوفيق بين الآراء، والمقدرة على تحول المحن إلى منح؛ نتيجة لتقارب وتناغم سياج الأفكار.
دعونا نعلى من لغة الحوار البناء، ونعزز من مقوماته؛ لنعضد الاحترام فيما بيننا، ونغلف المشاعر بالمحبة، ونتجاوز فلسفة المصالح الخاصة؛ لنترقى بصور التعاملات ونذيب كل مسببات الخصام التي يخسر في طياته الجميع دون استثناء، وتعالوا إلى بيئة حاضنة لماهية الانصات، والاستماع، والحديث دون وجل أو خشية، وفي هذا السياق الوجيز أرى أن نتمسك بصيغة الحوار الفعال في بيوتنا، ومؤسساتنا التعليمية بمختلف سلمها، وفي بيئات العمل والإنتاج، وفي منتدياتنا المجتمعية المبرمة عبر بوابات رسمية وغير رسمية؛ حيث لا مناص عن تلك القيمة والممارسة الحميدة في حياتنا بصورة مطلقة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الحوار الفجوة العزلة الوجدان بین الطرفین لغة الحوار
إقرأ أيضاً:
الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
في عالم كرة القدم لا تعيش الجماهير على الأهداف والانتصارات فقط بل تتعلق أحيانًا بتفاصيل صغيرة قد تبدو عادية للبعض لكنها تتحول إلى إشارات تمنح الملايين الأمل قبل انطلاق المعارك الكبرى .. ومع وصول بعثة المنتخب الأرجنتيني إلى مقر إقامتها في الولايات المتحدة استعدادًا لخوض منافسات كأس العالم 2026 لم يكن الحديث هذه المرة عن خطط المدرب ليونيل سكالوني أو جاهزية النجوم بل عن رقم غرفة اختارها قائد المنتخب ليونيل ميسي.
تفصيلة بسيطة تحولت خلال ساعات إلى حديث الجماهير الأرجنتينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ربط المشجعون بين الرقم الجديد الذي يحمله مقر إقامة قائد "التانجو" وبين حلم التتويج بلقب عالمي جديد.
من الغرفة 201 إلى 202.. حكاية بدأت في قطرقبل أربع سنوات وخلال إقامة المنتخب الأرجنتيني في مونديال قطر 2022 كان ميسي يقيم في الغرفة رقم 201 حينها تداول المشجعون فكرة طريفة مفادها أن مجموع أرقام الغرفة يساوي الرقم ثلاثة في إشارة إلى النجمة الثالثة التي كانت الأرجنتين تحلم بإضافتها إلى قميصها التاريخي.
وبالفعل انتهت البطولة بصورة أسطورية بعدما نجح المنتخب الأرجنتيني في التتويج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخه ليصبح ذلك الرقم جزءًا من واحدة من أجمل القصص التي عاشتها الجماهير.
المشهد من جديد ولكن بصورة مختلفة.فقد اختار ميسي الإقامة في الغرفة رقم 202 داخل معسكر المنتخب الأرجنتيني بمدينة كانساس الأمريكية وهو ما دفع الجماهير إلى إعادة إحياء "نظرية الأرقام" الشهيرة.
وبحسب حسابات المشجعين فإن مجموع أرقام الغرفة الجديدة يساوي أربعة وهو الرقم الذي يمثل حلم الأرجنتين المقبل بإضافة النجمة الرابعة إلى سجلها الذهبي بعد ألقاب 1978 و1986 و2022.
ميسي والمهمة الأصعببعيدًا عن الخرافات والتكهنات يدرك الجميع أن المهمة لن تكون سهلة أمام منتخب الأرجنتين فرغم دخوله البطولة بصفته حامل اللقب إلا أن الضغوط ستكون أكبر من أي وقت مضى خاصة أن المنافسين سيعتبرون إسقاط "الألبيسيليستي" هدفًا رئيسيًا في النسخة الجديدة من المونديال.
وفي قلب هذا المشهد يقف ليونيل ميسي الذي يستعد لخوض كأس العالم السادسة في مسيرته ليواصل تحطيم الأرقام القياسية بقميص منتخب بلاده.
النجم الأرجنتيني البالغ من العمر 38 عامًا يدخل البطولة وسط تساؤلات كثيرة حول قدرته على تكرار إنجاز 2022 لكنه في الوقت نفسه يملك ما لا يملكه أي لاعب آخر في البطولة: الخبرة والقيادة والإيمان الجماهيري المطلق.
سكالوني يحتفظ بعموده الفقريويعتمد الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني على مجموعة كبيرة من العناصر التي شاركت في رحلة التتويج التاريخية بقطر فالقائمة الحالية تضم عددًا من أبرز أبطال اللقب العالمي مثل إيميليانو مارتينيز نيكولاس أوتاميندي رودريجو دي بول إنزو فرنانديز أليكسيس ماك أليستر خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.
ويمنح هذا الاستقرار الفني المنتخب الأرجنتيني أفضلية مهمة مقارنة بعدد من المنتخبات التي خضعت لعمليات إحلال وتجديد واسعة خلال السنوات الأخيرة.
معسكر للأبطالواستقر المنتخب الأرجنتيني في مدينة كانساس الأمريكية التي ستكون مركز عملياته طوال البطولة وحرص الاتحاد الأرجنتيني على توفير كل سبل الراحة للاعبين والجهاز الفني حيث تم اختيار مقر إقامة يتمتع بخصوصية كبيرة بعيدًا عن الضغوط الجماهيرية والإعلامية.
كما جرى تجهيز الفندق بلمسات أرجنتينية خاصة من خلال الأعلام والصور والرسائل التحفيزية التي تستعيد لحظات التتويج التاريخية وتُذكر اللاعبين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
ويضم المقر مناطق ترفيهية ومساحات للاسترخاء ومرافق حديثة تساعد اللاعبين على الحفاظ على تركيزهم طوال فترة المنافسات.
بداية الطريق نحو النجمة الرابعةوسيبدأ المنتخب الأرجنتيني مشواره في البطولة وسط طموحات كبيرة بالحفاظ على اللقب العالمي ورغم أن الطريق يبدو طويلًا وصعبًا فإن الجماهير الأرجنتينية تؤمن بأن هذا الجيل لا يزال قادرًا على كتابة فصل جديد من المجد.
قد تكون الغرفة 202 مجرد رقم على باب إحدى الغرف داخل معسكر المنتخب وقد تكون مجرد مصادفة عابرة لا أكثر.
لكن في بلد يعشق كرة القدم حد الجنون وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بليونيل ميسي فإن كل تفصيلة تتحول إلى قصة وكل إشارة تصبح مصدرًا للأمل.