تحولت المأساة الإنسانية في السودان إلى حقيقة لا يمكن إنكارها، وقد أكدت ذلك إفادات صادرة عن داخل منظومة الأمم المتحدة. غير أن هذا الإجماع يقابله فراغ عملي حقيقي، حيث تتكدس التقارير والتحذيرات فيما تبقى الاستجابة القانونية والإنسانية عاجزة عن مواكبة حجم الكارثة.

يبقى السؤال إنسانيًا وسياسيًا وأخلاقيًا: لماذا تعجز الإرادة الدولية عن الارتقاء إلى مستوى تداعيات الحرب؟ ومن المستفيد من إبقاء السودان أسير دائرة الشجب والإدانة دون فعل ملموس؟

وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات، ريم السالم، بالأمس بحسب وكالات الوضع في السودان بأنه “كارثي وأسوأ من التخيلات”، مؤكدة عقب زيارة ميدانية لعدد من الولايات، أن العنف الجنسي يُستخدم كسلاح حرب ممنهج، لا كحوادث فردية.

هذه الإفادة لا تندرج ضمن الرصد الحقوقي فحسب، بل تشكل توصيفًا سياسيًا لطبيعة الصراع، إذ تُستهدف النساء والفتيات لتدمير النسيج الاجتماعي وتحويل الجسد الإنساني إلى ساحة حرب لمليشيا الدعم السريع.

تظهر الشهادات الأممية نمطًا مركبًا من الانتهاكات يتجاوز الضحايا المباشرين ليطال الأسر والمجتمعات، حيث يُجبر ذوو الضحايا على مشاهدة الجرائم . يتفاقم الوضع بفعل الخوف من الوصم الاجتماعي، ما يجعل الأرقام الموثقة لا تمثل سوى جزء محدود من الحقيقة. ويترافق هذا العنف الجسدي مع عنف اقتصادي ممنهج، يتمثل في نهب المنازل، سرقة المحاصيل، تدمير البنية التحتية وتجريد المجتمعات من مصادر رزقها.

عليه فإن الحرب في السودان لا تُدار بالسلاح وحده، بل بسياسات الإفقار والتجويع والتشريد، في محاولة لتكريس أوهام مجاعة تُستخدم كأداة إخضاع وابتزاز للحكومة السودانية، وإيحاء بفقدان السيطرة وانهيار الدولة.

ورغم إقرار الأمم المتحدة بضعف الاستجابة الإنسانية مقارنة بحجم الكارثة. بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الغذاء العالمي تشير إلى تمويل محدود لخطة الاستجابة، في وقت يحتاج فيه نحو نصف السكان إلى مساعدات عاجلة ويواجه ملايين السودانيين انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وقد حذّر برنامج الغذاء العالمي من أن السودان مهدد بأن يصبح أسوأ أزمة جوع في العالم إذا استمر هذا النسق من العجز.

وفي السياق السياسي ، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن السودان “عالق في حرب بالوكالة تُخاض للسيطرة على موارده الطبيعية” ، محذرًا من أن ما حدث في الفاشر وكردفان يمثل “أخطر الجرائم المتوقعة التي كان يمكن منعها” . وأضاف أن المجتمع الدولي “يتظاهر بالاهتمام لكنه قليل الفعل” ، وهو اعتراف قانوني وأخلاقي مهم يكشف عن العجز البنيوي داخل النظام الأممي.

حين تُستخدم الاغتصابات الجماعية، والإعدامات العرقية، والتهجير القسري، وتدمير سبل العيش كأدوات حرب ممنهجة، وتُدار هذه الأفعال في سياق مصالح إقليمية ودولية، فإن الأمر يتجاوز توصيف الانتهاكات إلى مستوى الجرائم التي تستوجب مساءلة الفاعلين، بما في ذلك تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية. هذا المطلب بات استحقاق سياسي وقانوني تستند إليه شهادات أممية موثوقة وطبيعة الانتهاكات نفسها.

على صعيد الإغاثة، ورغم تسهيلات الحكومة السودانية لدخول المساعدات عبر المطارات والمعابر، ظلت الاستجابة الدولية محدودة ومجزأة. وتكشف التجارب السابقة في اليمن وسوريا، وكذلك تجارب الإغاثة في السودان، أن التأخير في تقديم المساعدات ليس حيادًا او عجزًا، بل موقف يرقي لمستوي التواطؤ، له ثمن بشري باهظ يُقاس بأرواح المدنيين.

في المحصلة تكمن أزمة السودان الحقيقية في فجوة الإرادة الدولية وعجز النظام الأممي عن تحويل الإدانة إلى مساءلة والفعل العملي. وبينما يُترك ملايين السودانيين في مواجهة الجوع والعنف والنزوح، تتحول الأزمة إلى اختبار قاسٍ لمصداقية النظام الدولي، حيث يصبح حماية الضحايا وتحرير الإغاثة من الحسابات الجيوسياسية الحد الأدنى من واجب طال انتظاره.

وبحسب #وجه_الحقيقة، يكشف المسار الأممي تجاه السودان عن خذلان عميق بلغة قانونية بائسة، فبينما أقرت تقارير الأمم المتحدة بما فيها إفادات المقررة المعنية بالعنف ضد المرأة، بارتكاب اغتصاب ممنهج وجرائم تهجير وقتل واسع النطاق، ظل التعامل مع مليشيا الدعم السريع كطرف نزاع لا كمنظمة إرهابية، رغم توافر أركان جرائم الحرب و التطهير العرقي والإبادة الجماعية. هذا التناقض بين الاعتراف والتقاعس يعكس عجزًا سياسيًا أمميًا جعل السودانيين ضحايا بلا حماية، وأدلة مكتملة بلا مساءلة، في لحظة كان يُفترض فيها أن ينتصر القانون لا أن يُعلَّق باسم التوازنات الدولية.

إبراهيم شقلاوي
ودمتم بخيرٍ وعافية.
الاحد 28 ديسمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/12/28 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة التحول المدني الديمقراطي … هم يفهمونه أما الدهماء فلا2025/12/28 قراءة في التصعيد الإقليمي والحرب السودانية2025/12/28 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والحكومة العالمية تتمدد)2025/12/28 مدينة نيالا حيث أصبح الخوف عنوان .. والخطف تجارة، والمواطن ضحية2025/12/28 عنصرية الحرب2025/12/28 تحالف السعودية – مصر – السودان – تركيا… هل هو الحل الوحيد؟2025/12/28شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات الحداثة المتوحشة 2025/12/28

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الأمم المتحدة فی السودان

إقرأ أيضاً:

رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية

أكد السفير رياض منصور، المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة، أن اختيار القاهرة لاستضافة المؤتمر الدولي السنوي للقدس لم يكن صدفة، بل جاء تقديرًا للدور التاريخي الذي تضطلع به مصر في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.

الأمين العام للأمم المتحدة: الشرق الأوسط ينجرف بعمق نحو صراع أكثر اتساعًاالأمين العام للأمم المتحدة: الوضع في الشرق الأوسط على حافة وضع "لا يمكن تصوره"

وأوضح “منصور” خلال برنامج يحدث في مصر، أن المؤتمر تنظمه لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، بالتعاون مع منظمة التعاون الإسلامي، مشيرًا إلى أن المنظمتين تضطلعان بدور رئيسي في دعم القضية الفلسطينية وحماية القدس.

وأضاف أن مصر كانت ولا تزال في مقدمة الدول الداعمة للشعب الفلسطيني، مستشهدًا بتاريخها الممتد منذ النكبة، ودورها السياسي والدبلوماسي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

وأشار المندوب الفلسطيني إلى لقاء سابق جمعه بالرئيس عبد الفتاح السيسي مع عدد من سفراء الأمم المتحدة، مؤكدًا أن الرئيس استعرض خلاله رؤية مصر للقضايا الدولية، وتحدث باستفاضة عن القضية الفلسطينية، مشددًا على أن تحقيق الأمن لا يمكن أن يقتصر على طرف واحد، وإنما يتحقق من خلال تنفيذ الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية وفق حل الدولتين.

وأكد منصور أن هذا النهج، إلى جانب المكانة السياسية والدبلوماسية لمصر، يجعل القاهرة المكان الأنسب لاستضافة المؤتمر الدولي السنوي للقدس.

طباعة شارك رياض منصور اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس السنوي القضية الفلسطينية مصر التاريخ

مقالات مشابهة

  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلام
  • رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية
  • "احنا مش فراعنة".. مستشار الأمم المتحدة يكشف مفاجأة حول أصل المصريين
  • الأمم المتحدة: 67% من سكان غزة يعانون الجوع
  • مناظرة علنية بين المرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة
  • حصيلة صادمة.. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تكشف عدد المفقودين في السودان
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان