إنجازات نوعية في القطاع الفضاء إماراتي
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
آمنة الكتبي (دبي)
حققت الإمارات خلال عام 2025 إنجازات نوعية في قطاع الفضاء، عكست نضج التجربة الوطنية واتساع مساراتها التقنية والاقتصادية، حيث شهد العام إطلاق أقمار اصطناعية جديدة عززت قدرات رصد الأرض، وتقدّماً في برامج الاستكشاف، وتوسعاً في التصنيع الفضائي والجوـ فضائي، إلى جانب مبادرات تنظيمية وتمويلية هدفت إلى ترسيخ اقتصاد فضائي أكثر شمولاً واستدامة، والسعي في بناء منظومة متكاملة تربط البيانات الفضائية بالاحتياجات التنموية، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.
وعكس حصاد 2025 في قطاع الفضاء الإماراتي انتقالاً واضحاً من التركيز على الحدث الفضائي إلى بناء الأثر الفضائي، عبر منظومة تجمع بين الإطلاقات، والتصنيع، والتمويل، والتنظيم، ومع هذه الإنجازات الفضائية، تتجه المرحلة المقبلة نحو تعظيم الاستفادة من البيانات، وتعزيز دور الشركات الوطنية، وترسيخ مكانة الإمارات كونها لاعباً فاعلاً في اقتصاد الفضاء الإقليمي والدولي.
حيث استهل قطاع الفضاء الإماراتي عام 2025 بإعلان نجاح إطلاق القمر الاصطناعي «MBZ-SAT» في 14 يناير، ليشكل إضافة مهمة إلى منظومة رصد الأرض الوطنية. ويُعد القمر من أكثر أقمار التصوير الفضائي تقدماً في المنطقة، حيث صُمم لتوفير بيانات عالية الدقة تُستخدم في مجالات التخطيط الحضري، وإدارة البنية التحتية، ورصد التغيرات البيئية، ودعم الاستجابة للكوارث، ويمثل القمر «محمد بن زايد سات» امتداداً لمسار توطين التقنيات الفضائية، إذ أسهم تطويره في تعزيز خبرات الفرق الهندسية الوطنية، ورفع كفاءة دورة تصميم الأقمار وتشغيلها، بما يعزز استقلالية القرار التقني في مجال الرصد الفضائي.
وفي مجال الاتصالات الفضائية، شهد عام 2025 تقدّماً في توظيف القمر الاصطناعي «الثريا 4» ضمن منظومة الاتصالات التابعة لشركة «الثريا»، بعد استكمال مراحل الإطلاق والاختبارات السابقة، ودخوله مرحلة التشغيل الموسّع، ويعد «الثريا 4» من الأقمار المتقدمة المخصّصة للاتصالات المتنقلة، حيث صُمم لتعزيز التغطية في مناطق واسعة تشمل الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وآسيا، مع تحسين جودة الخدمة وموثوقيتها.
ويعكس إدخال «الثريا 4» في العمليات التشغيلية خلال 2025 توجهاً لدعم البنية التحتية للاتصالات الفضائية، ولا سيما في القطاعات الحيوية التي تتطلب اتصالاً مستقراً في البيئات النائية والبحرية والجوية، بما يسهم في تعزيز مكانة الإمارات مركزاً إقليمياً لخدمات الاتصالات الفضائية.
وفي مارس 2025، أضافت الإمارات بعداً تقنياً جديداً إلى منظومة رصد الأرض، مع نجاح إطلاق القمر الاصطناعي «Etihad-SAT»، وهو أول قمر إماراتي يعتمد تقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR)، حيث تتيح هذه التقنية التقاط الصور في مختلف الظروف الجوية وخلال الليل والنهار، ما يوسّع نطاق استخدام البيانات، ويزيد من موثوقيتها، ويعكس إطلاق القمر «الاتحاد سات» توجهاً واضحاً نحو تنويع مصادر البيانات الفضائية، بما يخدم تطبيقات متقدمة تشمل مراقبة السواحل، ورصد الانسكابات النفطية، وتتبع التغيرات الجيولوجية، ودعم عمليات البحث والإنقاذ.
وخلال أكتوبر 2025، أعلن عن نشر أولى الصور التي التقطها القمران «MBZ-SAT» و«Etihad-SAT»، في مؤشر على انتقال المهمتين من مرحلة التشغيل المبكر إلى إنتاج بيانات قابلة للتوظيف، ويعكس هذا التطور اكتمال الحلقة الأولى من دورة المهمة الفضائية، من الإطلاق إلى التشغيل الفعلي، ويسهم الجمع بين التصوير البصري عالي الدقة وتقنية الرادار في بناء قاعدة بيانات أكثر تكاملاً، تقلّل الفجوات التي تفرضها الظروف المناخية أو الإضاءة، وتدعم اتخاذ القرار في قطاعات متعددة.
وفي مسار يرسخ مفهوم «الوصول إلى الفضاء للجميع»، أعلن مركز محمد بن راشد للفضاء في نوفمبر 2025 نجاح إطلاق القمر الاصطناعي «فاي-1»، وهو أول منصة معيارية تُطوَّر ضمن مبادرة استضافة حمولة الأقمار الاصطناعية (PHI)، بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي. وانطلق القمر من قاعدة فاندنبرغ في الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى تمكين الدول والمؤسسات من اختبار تقنياتها في المدار، ويمثل «فاي-1» نموذجاً عملياً لتوسيع المشاركة في أنشطة الفضاء، إذ يستضيف حمولات علمية وتقنية من جهات دولية ومؤسسات أكاديمية، ضمن إطار يوفّر منصة القمر وخدمات الإطلاق والدعم الأرضي، بما يقلّل تكلفة الدخول إلى الفضاء، ويعزّز فرص البحث والتطوير.
وفي امتداد البرنامج ذاته، تمضي مبادرة استضافة الحمولة نحو مرحلتها الثانية «فاي-2»، التي تعد مرحلة تطويرية لاحقة تستهدف استضافة حمولات إضافية على منصة معيارية من فئة 12U. وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع قاعدة الشركاء، وتمكين مشاريع جديدة من اختبار تقنياتها في المدار، ضمن نهج يعزز الابتكار ويعمّق التعاون الدولي، ويعكس الانتقال من «فاي-1» إلى «فاي-2» توجهاً مؤسسياً لبناء برنامج مستدام، لا يقتصر على مهمة واحدة، بل يفتح مساراً متواصلاً يربط بين البحث العلمي والتطبيقات العملية.
وفي ديسمبر 2025، أعلنت وكالة الإمارات للفضاء نجاح إطلاق القمر الاصطناعي العربي «813» واستقراره في مداره المحدد، إيذاناً ببدء مرحلة التشغيل المبكر، ويعد المشروع أحد أبرز نماذج العمل العربي المشترك في مجال الفضاء، ويجسد توجهاً إماراتياً داعماً لتوسيع الشراكات العلمية الإقليمية، ويتميز «813» بكونه مزوّداً بتقنيات تصوير متقدمة، من بينها التصوير فائق الأطياف، ما يتيح تطبيقات بحثية في مجالات البيئة والزراعة ورصد الموارد الطبيعية، إضافة إلى دوره في تدريب الكوادر العربية وبناء القدرات البحثية.
وعلى صعيد الاستكشاف، كان عام 2025 عاماً تحضيرياً لمهمة الإمارات القمرية القادمة، حيث أعلن اكتمال تطوير المستكشف «راشد 2» بعد اجتيازه سلسلة من الاختبارات البيئية والوظيفية داخل الدولة. وشملت هذه الاختبارات محاكاة ظروف الإطلاق والعمل على سطح القمر، وفي نوفمبر 2025، جرى نقل المستكشف إلى الولايات المتحدة لبدء مرحلة التكامل مع شركة الإطلاق، استعداداً لمهمة تستهدف الجانب البعيد من القمر في عام 2026، ما يعكس نضج البرنامج القمري الإماراتي، وتراكم الخبرات في إدارة المهمات المعقدة.
الستراتوسفير
شهد عام 2025 تقدّماً لافتاً في مجال التصنيع المرتبط بالفضاء، مع افتتاح أول منشأة في المنطقة لتصنيع منصات الارتفاعات الشاهقة (HAPS) في أبوظبي، وتهدف المنشأة إلى إنتاج منصات جو-فضائية تدعم تطبيقات الاتصالات والرصد البيئي والاستشعار، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وفي نوفمبر 2025، أُعلن عن تنفيذ أول رحلة اختبار علنية لمنصة «ApusNeo18» الشمسية، حيث وصلت إلى ارتفاعات طبقة الستراتوسفير، في تجربة أكدت الجاهزية التقنية للانتقال إلى مراحل الاستخدامات التشغيلية والتجارية.
تقنية متقدمة
في مجال التقنيات، أعلن عن نجاح تصميم وبناء واختبار أول محرك صاروخي يعمل بالوقود السائل محلياً خلال 2025، في خطوة تعزز قدرات البحث والتطوير في مجال الدفع الفضائي، وتدعم بناء منظومة تقنية متقدمة على المدى المتوسط والبعيد، وعلى مستوى الحوكمة، واصلت وكالة الإمارات للفضاء تفعيل «الصندوق الوطني للفضاء» بقيمة 3 مليارات درهم، لدعم المشاريع والشركات العاملة في القطاع. كما برزت «مناطق الفضاء الاقتصادية» كإطار داعم لتأسيس ونمو الشركات الوطنية، من خلال توفير بيئة تجمع بين الحوافز الاقتصادية والبنية التحتية والمختبرات المتخصصة.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: الفضاء قطاع الفضاء الإمارات الأقمار الاصطناعية استكشاف الفضاء القطاع الخاص نجاح إطلاق القمر الاصطناعی فی مجال
إقرأ أيضاً:
فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
حقق تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي إنجازا علميا جديدا، بعدما تمكن للمرة الأولى من رصد غاز الميثان بشكل مباشر في الغلاف الجوي لكوكب غازي عملاق يتمتع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا خارج المجموعة الشمسية، في اكتشاف يفتح آفاقًا واسعة لفهم نشأة الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة The Astronomical Journal، نجح فريق دولي من العلماء في الكشف عن وجود الميثان في الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم "TOI-199b"، والذي يقع على مسافة تقارب 335 سنة ضوئية من الأرض.
ويُصنف هذا العالم البعيد ضمن فئة العمالقة الغازية، إذ تبلغ كتلته نحو 17% من كتلة كوكب المشتري، بينما يصل نصف قطره إلى نحو 81% من نصف قطر أكبر كواكب المجموعة الشمسية.
ويكمل الكوكب دورة كاملة حول نجمه الشبيه بالشمس كل 105 أيام تقريبًا.
كوكب عملاق بحرارة معتدلةما يميز "TOI-199b" عن العديد من الكواكب الغازية المكتشفة سابقًا هو موقعه المداري؛ فهو لا يدور بالقرب الشديد من نجمه كما هو الحال في الكثير من العمالقة الغازية المعروفة، الأمر الذي يمنحه مناخًا أكثر اعتدالًا.
وتُقدر درجة حرارة غلافه الجوي بنحو 79 درجة مئوية، وهي حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحرارة الشديدة التي تسجلها كواكب غازية أخرى تدور بالقرب من نجومها.
كيف كشف "جيمس ويب" عن الميثان؟اعتمد العلماء على تقنية "التحليل الطيفي العابر"، حيث راقب تلسكوب "جيمس ويب" مرور الكوكب أمام نجمه.
وخلال هذه العملية يتم تحليل الضوء النجمي الذي يخترق الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحديد العناصر والمركبات الكيميائية الموجودة فيه.
وأظهرت النتائج وجود بصمة واضحة لغاز الميثان، وهو اكتشاف يتوافق مع النماذج النظرية التي توقعت وجود هذا الغاز في الأغلفة الجوية للكواكب الغازية ذات الحرارة المعتدلة.
تأكيد لنظريات تشكل الكواكبيمثل "TOI-199b" أول كوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يتم فيه تأكيد وجود الميثان بشكل مباشر، وهو ما يمنح العلماء دليلًا مهمًا يدعم النماذج الحالية الخاصة بتكوين الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
كما كشفت البيانات الأولية عن مؤشرات لاحتمال وجود مركبات أخرى، من بينها ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، إلا أن العلماء يؤكدون الحاجة إلى المزيد من عمليات الرصد للتحقق من تركيز هذه الغازات بدقة.
وأشار الباحثون إلى أن دراسة التركيب الكيميائي لهذا الكوكب ستساعد في تحسين فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية التي شكلت الكواكب عبر تاريخ الكون، وربما تسهم أيضًا في إلقاء الضوء على المراحل المبكرة التي مرت بها الأرض قبل مليارات السنين.
نافذة جديدة لاستكشاف العوالم البعيدةيرى العلماء أن هذا الإنجاز يعزز من أهمية تلسكوب "جيمس ويب" باعتباره الأداة الأكثر تطورًا لدراسة الكواكب الخارجية، كما يمنح المجتمع العلمي ثقة أكبر في توجيه المزيد من وقت الرصد نحو عوالم مشابهة.
ويُعد الميثان أحد أهم الجزيئات المستخدمة في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب، لأنه يكشف الكثير عن طبيعة التفاعلات الكيميائية والظروف الفيزيائية السائدة فيها.
ورغم أن العلماء سبق لهم رصد الميثان في كواكب خارجية أخرى، فإن "TOI-199b" يُمثل أول مثال مؤكد لكوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يحتوي على هذا الغاز، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل فهمنا لتنوع الكواكب المنتشرة في مجرة درب التبانة.