في برد قارس وأمطار غزيرة، تحاول عائلة فلسطينية في قطاع غزة أن تصنع لنفسها مأوى من بين الركام، بعدما لم تجد ملاذا سوى مسجد مدمر احتمت بجدرانه المتصدعة من قسوة الشتاء ونيران الحرب.

من داخل المسجد المحطم، نقلت مراسلة الجزيرة مباشر علا أبو معمر صورة قاسية لواقع العائلات النازحة التي دفعتها الظروف إلى الإقامة وسط أنقاض مبان لم تعد صالحة للحياة، بعد أن ضاقت بها السبل وانعدمت البدائل.

اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4غزة.. نزوح جماعي ومأساة إنسانية متواصلةlist 2 of 4فيديو.. النزوح والتجويع يلتهمان الذكريات في غزةlist 3 of 4صورة من غزة.. نزوح بعد إخلاءlist 4 of 4الاحتلال يدفع بأكثر من مليون فلسطيني للنزوحend of list

وتعيش عائلة داود محاطة بالمخاطر، بين أعمدة مهدمة ونوافذ سقطت بفعل القصف، في ظل تسرب مياه الأمطار والرياح الباردة من كل اتجاه.

تقول المراسلة إن العائلات تحاول إغلاق الفتحات بما توفر من أقمشة جلدية مهترئة وأغطية بلاستيكية، لكنها لا تصمد أمام الأمطار، فتغمر المياه المكان وتتحول أرضية المسجد إلى برك موحلة، بينما يقضي الأطفال لياليهم وهم يرتجفون من البرد.

برد شديد

ويصف رب الأسرة أبو مصعب داود المشهد بمرارة: "نعيش وسط الرياح والبرد الشديد، والأطفال جميعهم يشعرون بالبرد، ولا نملك ما نفعله. نحن عائلة من 6 أفراد، إضافة إلى اثنين من أبنائي. عندما تمطر الدنيا، تدخل علينا الأمطار ونغرق بالمياه. رغم أنني موظف في وكالة الأونروا، لا أستطيع تلبية احتياجات أسرتي".

أما أم مصعب، فتروي لحظات الخوف التي تعيشها الأسرة كلما اشتدت الأمطار: "عندما يهطل المطر، تأتي المياه دفعة واحدة، فيجتمع الأطفال حولي خائفين ويسألون: ماذا يحدث. أحاول طمأنتهم، لكننا بحاجة إلى خيمة أو أي مأوى. النوافذ سقطت، وملابسنا وأغراضنا غرقت بالمياه. الجدران متصدعة، وكلما مسحت المكان عاد ليغرق من جديد. هذه ليست حياة، لكننا نقول: الحمد لله".

وتضيف الأم أن الغطاء البلاستيكي الذي كانت الأسرة تعتمد عليه سقط في إحدى الليالي، فوجدوا أنفسهم في العراء، دون خيام أو مكان بديل، ليعودوا مجددا إلى المسجد المدمر طلبا لشيء من الدفء.

لا توجد لدينا ملابس

الابنة هدى داود تؤكد أن المكان لا يصلح للعيش مطلقا: "عندما تمطر الدنيا نضطر لإيقاظ الأطفال والهرب بهم. لا توجد ملابس كافية، وأنا أعاني من ضغط الدم. الأطفال خائفون والبرد يفتك بنا".

إعلان

وتختصر الطفلة ليان المشهد بكلمات بسيطة "أشعر بالبرد الشديد، ولا توجد لدينا ملابس أو جوارب عندما تمطر".

وتكشف أم مصعب أن ليان أصيبت بحروق في قدمها منذ بداية الحرب، ولم تتلق علاجا مناسبا، إذ قوبلت الأسرة برفض استقبالها في المراكز الطبية لانشغالها بالحالات الخطرة، لتجد الطفلة نفسها اليوم بين ألم الحروق وبرد الشتاء، في حين غرقت الفرش بالكامل بمياه الأمطار.

وفي رسالة يختتم بها حديثه، يقول أبو مصعب: "نتمنى أن يفرجها الله علينا، وأن نعود إلى بيوتنا في رفح وحي الزيتون وخان يونس. سئمنا الضغوط والمشاكل اليومية، ونرجو أن نعود إلى ديارنا".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

في سورة يوسف عليه السلام درسٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ إن يوسف لم يبدأ رحلته مع الأذى من عدوٍ غريب، بل من إخوته الذين جمعته بهم رابطة الدم والبيت الواحد.

ولم يكن الجُبّ أعمق ما في القصة، بل اليد التي أوصلته إليه. ولم يكن الألم في البعد وحده، بل في الخذلان الذي جاء من حيث كان يُنتظر السند.

وتبقى القصة حيّة في الوجدان الإنساني؛ تذكّرنا أن الخذلان أشد إيلامًا حين يأتي من القريب، وأن أثر الصمت قد يوازي وقع الفعل نفسه.

وهكذا تُظهر التجارب أن العداوة لا تُفاجئ أحدًا بوضوحها، أما الخذلان فغالبًا ما يتسلّل من أبواب القربى، وعندما نقرأ القصة اليوم، يصعب تجاهل ما تعكسه من صورٍ تتكرّر في الواقع؛ عندما يتقدّم الصمت على النصرة، ويعلو التردّد على الموقف، رغم ما يُرفع من شعارات الأُخوّة والمصير المشترك.

فماذا تبقى من الأُخوّة عندما يحين وقت الموقف؟ وماذا يبقى من المصير المشترك عندما تُترك دولة تواجه التهديد وحدها؟

ليست التهديدات على درجة واحدة، فهناك تهديد يُوجَّه إلى دولة حديثة التكوين فيُقرأ في سياقه السياسي المباشر، وهناك تهديد يمس دولة ضاربة الجذور في التاريخ فيحمل دلالة أوسع.

وعُمان ليست دولة طارئة على الجغرافيا حتى تُقرأ بهذه الخفة، إنها اسمٌ عرفته طرق التجارة القديمة، وحضارةٌ تركت أثرها على سواحل البحار والمحيطات، ودولةٌ حافظت على سيادتها وهويتها عبر قرون من التحولات وتبدّل موازين القوى.

لذلك فإن أي مساس بسيادتها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا ثانويًا؛ بل باعتباره مساسًا بدولة اختارت عبر تاريخها أن تُمسك بقرارها الوطني باستقلال.

أما عن التهديد وما بعد التهديد، فقد يختلف الناس في تفسير التصريحات السياسية أو في تقدير حدودها، لكن ما لا خلاف عليه أن سيادة الدول ليست موضوعًا قابلًا للتأويل أو التجاهل، والأخطر من التهديد نفسه ليس صدوره، بل طريقة تلقّيه والتعامل معه وكأنه لا يستحق الوقوف عنده.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت عُمان دولة عضوًا في مجلس التعاون الخليجي فأين هو الموقف الجماعي؟ وإذا كانت عضوًا في جامعة الدول العربية، فأين هو الموقف العربي؟

هذه ليست دعوة إلى التصعيد، ولا مطالبة بخطابات انفعالية، بل دعوة إلى الحد الأدنى من الاتساق مع المبادئ التي تأسست عليها تلك الأطر.

المفارقة أن سلطنة عُمان لم تُعرف يومًا بسياسة العدوان أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد اختارت الحوار في الملفات المعقدة، ورأت أن كلفة الحوار أقل من كلفة الصدام، وتجنّبت الانخراط في صراعات إقليمية من موقع قراءة سياسية خاصة بها، وقناعة بأن الاستقرار لا يُبنى على التوتر.

وقد يختلف البعض مع هذه المقاربات أو يتفق معها، لكن الاختلاف السياسي لا يبرّر الصمت حين تُمسّ سيادة دولة.

فهل أصبح استقلال القرار السياسي محلّ اتهام؟ وهل صار خيار التهدئة سببًا للتشكيك؟ وهل يُطلب من الدول أن تتطابق في سياساتها حتى تستحق التضامن؟

وإن كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في عُمان.

والحديث هنا لا يقتصر على عُمان، بل يتجاوزها إلى معنى التضامن ذاته، فكثير من المؤسسات ترفع شعارات عن وحدة المصير والأمن المشترك والتعاون بين الأشقاء، لكن قيمة هذه الشعارات لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل عند اختبارها الحقيقي.

وهنا يبرز السؤال المباشر: ما قيمة التضامن إذا غاب عند الحاجة إليه؟ وما قيمة البيانات والاجتماعات إذا تُركت السيادة وحدها عند الاختبار؟

لم تطلب عُمان يومًا أن يُدار قرارها من الخارج، ولم تُبنِ سياستها على انتظار الإملاءات، ومن حقها أن تُقدّم مصالحها الوطنية، وأن تُوسّع شراكاتها مع من يحترم سيادتها ويعاملها بنديّة واضحة؛ فالدول لا تُدار بالمجاملات، ولا تُبنى على الشعارات، ولا تُحفظ قراراتها في أجواء الصمت عند الحاجة. والاحترام المتبادل بين الدول لا يُقاس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، خصوصًا داخل الأطر التي تعهّدت أصلًا بالتضامن وصون المصالح المشتركة.

وقد يغيب موقف أو يصمت طرف، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة ثابتة، أن عُمان سبقت كثيرًا من التحالفات وستبقى بعدها، وأن قوة الدول لا تُقاس بعدد المصفّقين، بل بقدرتها على الثبات على مبادئها حين تتبدل المواقف.

لقد اختارت عُمان عبر تاريخها أن تكون دولة قرار لا دولة إملاء، ودولة كرامة لا دولة تبعية. وقد تدفع الدول ثمن استقلالها أحيانًا، لكنها تكسب قدرتها على حماية مستقبلها حين تتمسك بسيادتها؛ لأن ما يُبنى على الاحترام يدوم، وما يُبنى على التبعية يتآكل عند أول اختبار.

وفي النهاية، تبقى الأُخوّة موقفًا قبل أن تكون شعارًا، والتضامن فعلًا قبل أن يكون بيانًا، والسيادة حقًا لا يقبل التجزئة ولا التأويل.

أما عُمان، فستبقى كما كانت؛ دولة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقها، وتمضي في طريقها بثبات، مستندة إلى تاريخها، ومؤمنة بأن احترام السيادة ليس منّة، بل حقٌ أصيل تكفله القوانين والأعراف، وتفرضه كرامة الدول قبل كل شيء.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • فرق توقيت!!
  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • اليورو ملاذ بديل من الدولار عند توتر الأسواق
  • محمد بوستة يحوّل المكان إلى عوالم تشكيلية تنبض بالضوء والانفعال والحنين
  • غات.. اجتماع حكومي عاجل لبحث تداعيات «الأمطار الغزيرة»
  • بعد وفاة سهام جلال.. عبير صبري: ربنا ينتقم من كل قاطعي الأرزاق
  • تشييع جنازة الفنانة سهام جلال من مسجد حسن الشربتلي
  • عيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر: سر الاختيار الإلهي وعبقرية المكان والضمير
  • قوات الاحتلال تهدم منشأة فلسطينية قرب باب العامود بمدينة القدس