صدى البلد:
2026-06-03@02:40:08 GMT

د. محمد عسكر يكتب: خبير اصطناعي

تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT

في عالم باتت فيه الحقيقة تتداخل مع الخيال، ولم تعد المعرفة أو التخصص شرطاً لمنح لقب خبير، وفي فضاء رقمي تتلاحم فيه سرعة انتشار المعلومات مع غياب رقابة الجودة، ظهر نوع جديد من الخبراء؛ لا يمتلكون شهادات أو دراسات، بل يعتمدون على مهارة الظهور بثقة، وإلقاء كلمات كبيرة ومعقدة توحي بالعمق أكثر مما تعكسه. هؤلاء باتوا من أبرز رموز عصرنا، إذ يكفي أن تمتلك حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي، أو كرسياً ثابتاً أمام كاميرا، لتمنح نفسك سلطة معرفية في شتى المجالات.


يطلّ علينا هؤلاء من شاشات التلفاز والمنصات الرقمية بمهارة استثنائية، يقدمون لنا تحليلاتهم العميقة في كل شيء: من السياسة والاقتصاد إلى الطب والفن، وكأنهم محطات تلفزيونية مصغرة في أجساد بشرية لا حدود لتخصصاتهم، ولا سقف لآرائهم، فكل حدث يستدعي خبيراً، وهم حاضرون دائماً، بالنبرة الواثقة والثقة المطلقة. في هذا المشهد، لا تبدو الخبرة نتاج معرفة، بقدر ما تبدو أداءً مُتقناً أمام الكاميرا.
هذه الظاهرة ليست مضحكة فحسب، بل إنها تعكس بوضوح ثقافة الضجيج الرقمي، حيث لم يعد وزن الكلمة يُقاس بمعناها أو صدقها، بل بحدة نبرة قائلها وعدد متابعيه. وهكذا، أصبح التخصص الحقيقي عبئاً في زمن صارت فيه سرعة الكلام وزخم الحضور أهم من مصداقية المحتوى وعمقه.
لا تعجب إن وجدت خبيراً يتحدث عن الاقتصاد في الصباح، ثم ينتقل ليكون خبيراً طبياً عند الظهيرة، وقبل أن تغرب الشمس يتحول إلى محلل فني ناقد! فهؤلاء الخبراء يمارسون التخصص متعدد المجالات بطريقة لم يسبق لها مثيل ؛  فلا كتابات منشورة، ولا دراسات موثقة تثبت أيّاً من ذلك، لكنهم يمتلكون موهبة نادرة في توظيف جمل رنّانة وعبارات مركبة من قبيل: "الاستراتيجيات المستقبلية"، "التحديات الهيكلية"، و"الرؤية الشمولية"، وكأن المصطلح المعقّد بات بديلاً عن المعرفة ذاتها.
في هذه الحقبة، يبدو أن الحضور أضحى أهم من المحتوى، وسحر الظهور يفوق الكفاءة. لا يهم إذا كنت تعرف فعلاً ما تتحدث عنه، المهم أن تُطلق رأياً بكل ثقة وثبات، وكأنك في مهمة إنقاذ العالم. وبالطبع، لا تنسَ لهجة الحسم والثقة، النظرة الثاقبة، ونبرة الصوت الحادة، تلك التي تضفي على كلامك هامشاً من المصداقية الزائفة.
المضحك أن هؤلاء الخبراء يستخدمون كل الأدوات المتاحة ليجعلوا كلامهم يبدو مقنعاً، حتى وإن كان خالياً من أي معنى حقيقي. تراهم يوزعون مصطلحات أجنبية وأرقاماً من هنا وهناك، دون أن يعرفوا حقيقة ما تعنيه، فيغرق المشاهد في بحر من الكلمات المفتاحية التي تبدو وكأنها كلمات سر سحرية تفتح أبواب المعرفة.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الظاهرة لم تقتصر على التلفزيون فقط، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي حيث تتكاثر الحسابات الوهمية والصفحات المزيفة التي تُنتج خبراء جدد كل يوم، يُطلون علينا بآراء متناقضة ومتغيرة، حسب ما تمليه عليهم خوارزميات الشهرة الرقمية.
لكن، هل تساءلت يوماً عن السبب؟ ربما لأننا كبشر، في عالمنا المعاصر، نبحث عن إجابات سريعة وسهلة، ونفضل من يُقدمها لنا بثقة مفرطة حتى وإن كانت مجرد هراء مزخرف. فالخبير الاصطناعي هو بالضبط ما نحتاجه: صوت عالي وسط ضجيج المعلومات، سهل الاستهلاك، وخالٍ من التعقيدات المزعجة التي قد تجعلك تفكر.
وعندما نبحث عن الحقيقة وسط هذا الزحام، نجد أن الخبير الحقيقي صار أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، أو ربما في متاهة من الخبراء الاصطناعيين الذين يرددون آراءً متشابهة بلا توقّف، في صخب لا ينقطع.
في النهاية، ربما يكون الحل هو أن نعود إلى الأساسيات: أن نستمع، نتعلم، ونسأل، وأن نحرص على التمييز بين الخبير الاصطناعي والخبير الحقيقي، الذي يبني آراءه على المعرفة والدليل لا على الرغبة في الظهور والاحتفاء بالنفس.
أما في انتظار ذلك، فلنستمتع بعروض الخبراء الاصطناعيين الذين، رغم كل شيء، يقدمون لنا حكاية فريدة عن عصرنا، عصر الكلام الكثير بلا معنى، والصوت العالي بلا مضمون.

طباعة شارك المعرفة المنصات الرقمية الاقتصاد

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: المعرفة المنصات الرقمية الاقتصاد

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • الأرصاد الجوية : طقس الغد شديد الحرارة نهارا .. والعظمى بالقاهرة 38
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • "العربية للمسرح": نمد جسور التعاون مع الصين لتبادل المعرفة وتطوير معارف المسرح العربي
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • هشام الحلبي: الحروب القادمة ستكون ذكاء اصطناعي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش