حين يصنع الصوت رأيا عاما كيف تفاعل المجتمع العُماني مع أحداث 2025؟
تاريخ النشر: 30th, December 2025 GMT
تفاعل العُمانيون مع أحداث عام 2025 بشكل كبير وسجلوا آراءهم حول مجمل القضايا التي شغلت العالم والإقليم أو تلك التي شغلت المجتمع العُماني طوال أشهر العام. وكشف التفاعل الإيجابي مع مختلف القضايا علاقة الناس بالمجال العام. الأمر الذي طرح الكثير من الأسلة من قبيل: ماذا يعني أن تتابع؟ ومتى تتحول المتابعة إلى رأي؟ وكيف تُصاغ الأسئلة حين تتداخل السياسة بالحياة اليومية، ويصبح الهاتف نافذة على العالم وعلى البيت في الوقت نفسه؟
على امتداد الأشهر، اتضح أن التفاعل لم يعد حكرا على منصات بعينها.
القضية الفلسطينية لا تغيب
في السياسة، كانت المنطقة هي العنوان الأكبر لتفاعلات العُمانيين خلال 2025. لم يكن التوتر في الشرق الأوسط، ثم تصاعده بعد الحرب بين إيران وإسرائيل، حدثا بعيدا عن النقاشات العُمانية، فقد ظهر أثره مباشرة في النقاشات اليومية، وفي المنشورات التي لم تنقطع مناصرة للقضية الفلسطينية، ومطالبة بتحقيق السلام وحصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة. كان ذلك حضورا وجدانيا متكررا، يتجدد مع كل مستجدّ، ويجد له لغة واسعة في الفضاء الرقمي.
وفي سياق الإقليم ذاته، اتسع التفاعل أيضا حين برزت جهود سلطنة عُمان في سعيها لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وجماعة أنصار الله، وهو ما تمّ في مايو 2025. كان التفاعل في هذا الموضوع مشدودا إلى الفكرة التي يعرفها العُمانيون جيدا: أن السياسة ليست مجرد خطاب خارجي، بل أثرها يصل إلى الاستقرار العام، وإلى صورة البلد وقدرته على فتح مسارات تهدئة وسط مشهد مضطرب.
المعنى في كرة القدم يسبق النتيجة
ولأن المجال العام لا يُبنى بالسياسة وحدها، كان للرياضة نصيب واضح في ذاكرة التفاعل. مباريات كأس العرب 2025 في قطر، خصوصا مع بداية البطولة التي جاءت بلقاء المنتخب الوطني مع المنتخب السعودي، أطلقت موجة متابعة واسعة. ورغم الإخفاق في المباراة، ظلّ الجمهور شديد التفاعل والتشجيع والدعم المعنوي عبر مواقع التواصل، مع مطالبات بتحقيق الاستحقاقات القادمة. كانت مباريات المنتخب الوطني في بطولة كأس العرب بمثابة مرآة لطريقة المجتمع في التعبير عن الانتماء، والضغط من أجل تطوير الأداء، والبحث عن معنى يتجاوز الملعب.
صيف الفواتير
بعيدا عن السياسة والرياضة، جاءت القضايا الاجتماعية الأكثر تداولا لتكشف الوجه الآخر للتفاعل، همّ المعيشة حين يضغط بلا مقدمات. من أكثر الموضوعات التي شغلت الرأي العام ارتفاع فواتير الكهرباء خلال فصل الصيف. كان النقاش حولها واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي، عبّر فيه المواطنون عن قلقهم من زيادة الأعباء المالية. ولم يكن التفاعل أحادي الاتجاه فقد استجابة الجهات المعنية للتفاعل، الأمر الذي شكل تفاعلًا جديدًا، هذه المرة ليس قلقلا وتخوفا وربما احتجاجا فقط، بل متابعة لما بعد كل ذلك، وكأن النقاش كان يريد أن يختبر أثر رأي الناس في بناء القرارات وتطوير الآليات.
هذه القصة الصغيرة في ظاهرها تختصر كثيرا من ملامح 2025، فالناس لا تكتفي بأن تقول، بل تريد أن ترى. تكتب لتُسائل، وتتابع لتقيس النتيجة، وتعيد التداول حين تشعر أن هناك استجابة تستحق التوثيق.
فاجعة إزكي
من أكثر القضايا التي فجّرت تفاعلا واسعا أيضا موضوع السلامة المرورية والنقل المدرسي، خصوصا بعد حادث مأساوي في يوليو 2025، حين اصطدمت حافلة تقل أطفالا في ولاية إزكي بجسم ثابت، مما أدى إلى وفاة 4 وإصابة 12 آخرين. انتشرت الأخبار سريعا، وتصاعد التفاعل تحت وسم «فاجعة إزكي». لكن اللافت لم يكن الحزن وحده؛ بل انتقال الحزن إلى مطالبات واضحة من أجل تعزيز إجراءات السلامة أثناء نقل الطلبة، ومحاسبة المقصرين، واشتراطات صارمة للسائقين.
وتزامن ذلك مع حضور مقالات في الصحافة المحلية تطالب بتحقيق معايير الأمان للحافلات المدرسية. والتقت المنصات بالصحافة، الأولى تلتقط الانفعال العام وتكثفه، والثانية تحاول أن تمنح السؤال صيغة قابلة للنقاش المؤسسي. وبينهما، يتشكل ضغط اجتماعي عنوانه: لا نريد أن يتكرر ما حدث.
تفاعل يقرأ المستقبل
اقتصاديا، بدا عام 2025 محمّلا بأخبار إيجابية في نظر المتفاعلين، خصوصا مع نجاح الحكومة في استعادة التصنيف الاستثماري لسلطنة عُمان لدى وكالات التصنيف الدولية، وتحسن المؤشرات المالية بشكل ملحوظ، وانخفاض الدين العام، واستمرار جهود تنويع الاقتصاد. وارتبط هذا المسار أيضًا بتحقيق إنجازات في قطاع السياحة وسياحة المؤتمرات.
انعكس ذلك في تفاعل القراء مع الأخبار الاقتصادية بإيجابية، وارتفعت التعليقات التي أشادت بدور الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
الثقافة والترفيه
في الجانب الثقافي، تصدر معرض مسقط الدولي للكتاب 2025 «الترند» لدى المهتمين بالثقافة والقراءة. المعنى هنا ليس في كثرة المنشورات وحدها، بل في أن الكتاب ما زال قادرا على أن يصنع لحظة عامة، وأن يصبح حدثا يتشارك الناس صوره وتعليقاته، كما يتشاركون أخبار السياسة والاقتصاد.
وفي السياق المحلي نفسه، جاءت فعاليات مهرجان «ليالي مسقط» الترفيهي، خلال الفترة من 1 إلى 31 يناير 2025، ضمن أبرز الفعاليات التي شغلت اهتمام المجتمع. هذه النوعية من الأحداث تترك أثرا مختلفا؛ حيث إن تفاعلها غالبا يومي، بصور ومقاطع وتفاصيل صغيرة، لكنها تُنتج شعورا عاما بأن المدينة تتحرك، وأن الناس يجدون مساحة مشتركة للفرح واللقاء.
وعندما حلّ اليوم الوطني في 20 نوفمبر، بدت المنصات ووسائل الإعلام التقليدية ممتلئة بعبارات التهنئة والفخر بالمنجزات الوطنية، وتوسع التفاعل عبر وسم اليوم الوطني العُماني من داخل سلطنة عُمان وخارجها. وكان واضحا هذا العام أن الاحتفالات والمقالات والملاحق التي صدرت في الصحافة والإعلام العُماني أخذت مسارا تاريخيا، حيث كان العمانيون يحتفلون بتاريخهم وبأسلافهم وما حققوه من إنجازات ضخمة ساهمت في بناء الحضارة العُمانية.
الطقس ليس خبرا عابرا
تحجز أخبار الطقس بشكل دائم مساحة كبيرة من اهتمام الصحافة العُمانية ووسائل التواصل الاجتماعي، بل إنها تنفرد بـ«مانشيتات» الصفحات الأولى وهي من بين أكبر الأخبار تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن الأحداث الطبيعية الاستثنائية التي أثارت نقاشًا واسعًا خلال 2025 «منخفض الحج». وتداول المغردون عشرات المقاطع والصور التي وثقت الأمطار والأودية التي أغرقت الشوارع وألحقت أضرارا بالممتلكات، إلى جانب مقاطع إنقاذ قامت بها فرق الإنقاذ والدفاع المدني. وفي الوقت نفسه، ارتفع مستوى النقاش حول جاهزية البنية الأساسية لموسم الأمطار، وفاعلية أنظمة الإنذار المبكر.
يملك هذا النوع من التفاعل خاصية مختلفة؛ فهو تفاعل عملي جدا.. فالناس لا يكتبون ليعبروا، تتحول الكتابة والمشاركة في هذا النوع من التفاعل إلى تحذير ومشاركة معلومات تفيد في الكثير من الأحيان بتجنب الأخطار وتقليل الخسائر. وبمرور السنوات، صار للهواة وخبراء الطقس العُمانيين دور ملموس عبر منصات التواصل، في نشر التنبيهات ومعلومات الطقس أولا بأول، بما أسهم في رفع الوعي العام وتفادي خسائر أكبر خلال هذه الظروف، خاصة بعد أن تم سن بعض القوانين التي تحدد آليات التفاعل وأدواته.
أرقام وتفاعلات وأثر
ضمن هذا المشهد الواسع، كان لقراء جريدة «عُمان» حضورهم أيضًا. تصدرت الأخبار المتعلقة بجلالة السلطان معدلات مشاهدة تجاوزت 100 ألف مشاهدة. وفي الاقتصاد، برزت الموضوعات المرتبطة بالاتفاقيات وتطوير المشاريع والتحولات الخدمية. وفي الثقافة والفن، جاءت المشاهدات الأعلى حول المسلسل الرمضاني «المديونير»، إلى جانب تفاعل مع ملفات ثقافية متصلة بالهُوية، أبرزها اعتراف وتسجيل اليونسكو لـ«النونية الكبرى».
وعلى منصات الجريدة، ظهرت خريطة متنوعة لما يتوقف عندها الجمهور: في منصة «إكس» كانت من أعلى المشاهدات مواد تتعلق بالأخبار والأحداث المحلية، ومنها الحوار الصحفي بعنوان «تنمية نفط عُمان تجني ثمار رحلة التحول المؤسسي»، وكذلك الحوار مع مراسل الحرب أسعد طه. وفي «يوتيوب» سجل موضوع «بعد تصدّع منازلهم.. الحكومة تستجيب لمطالبات أهالي مندع» مشاهدات عالية. وفي «إنستجرام» كان المحتوى الأعلى مشاهدة «ظاهرة التلألؤ البيولوجي في سواحل سلطنة عُمان»، تلاه تقرير مصور حول المهرجان السينمائي الخليجي، ثم منشور مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي. أما في «فيسبوك» فكانت المشاهدات الأعلى مرتبطة بإصدار البنك المركزي ورقة نقدية تذكارية من البوليمر فئة «ريال واحد».
تكشف هذه التفاصيل كيف يتوزع اهتمام الناس بين السياسة والهوية والخدمات والظواهر الطبيعية والاقتصاد والقصص الإنسانية. وتوضح أن الجمهور لا يتحرك في اتجاه واحد: قد يقرأ خبرا يتعلق بأحد أنشطة صاحب الجلالة السلطان المعظم ثم ينتقل إلى قصة عن منازل متصدعة، ثم إلى ظاهرة طبيعية على الساحل. المجال العام هنا ليس خطا مستقيما، بل شبكة اهتمامات تتقاطع وفق ما يلامس حياة الناس وفضولهم وأسئلتهم.
ما الذي يقوله هذا العام عن المجتمع؟
مع نهاية 2025، تظهر صورة مجتمع يتفاعل بأسلوب واعٍ ومتزن، وفق ما عكسته المشاهد التي مرّت خلال العام: تفاعل مع قضايا عالمية وعربية ومحلية، ثم تحويل هذا التفاعل إلى نقاش حول السلامة والخدمات والبنية التحتية والهوية. وفي القلب من ذلك كله، يظل السؤال مفتوحا: ما المسار الذي ينبغي نهجه مستقبلا لضمان أن تبقى القضايا العامة جزءا من تماسك المجتمع لا من انقسامه؟ وكيف تُدار الرسالة العامة بحيث يكون حضورها إيجابيا، يعكس تطلعات الناس، ويستثمر طاقة الحوار بدل أن يبددها؟
اللافت في 2025 أن «الصوت» تجاوز ظاهرة الانفعال وصار أداة قياس، وضغط، ومساءلة، وأحيانا احتفاء. وفي كل مرة يتشكل فيها رأي عام حول قضية، تظهر حقيقة بسيطة أن المجتمع الذي يناقش هو مجتمع يراقب نفسه أيضا، ويحاول أن يرى صورته في مرآة ما يحدث، لا بوصفها صورة نهائية، بل بوصفها عملا مستمرا على الوعي.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: التی شغلت الع مانی تفاعل ا
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.