جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@20:43:29 GMT

حين تعود البطولة إلى صاحبها

تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT

حين تعود البطولة إلى صاحبها

 

 

 

كلثوم الحسنية

قد يمر العمر طويلاً قبل أن ينتبه الإنسان إلى السؤال الأهم: هل أعيش حياتي، أم منحتها لبطل آخر؟

في القصص، يعرف البطل لا بكمال المشهد؛ بل بوضوح أثره فيه. أما من يعيش في الهامش، فلا يبدو أقل قيمة؛ بل أقل انتباهًا إلى أن الدور الذي تبناه لم يكن دوره هو.

أن تعيش حياتك كشخصية رئيسية يعني أن تتبدل علاقتك بذاتك أولا، ثم تتبدل كل العلاقات التي تتكون بعدها.

لا يعني أن تتقدم لتزاحم أحدا على دوره؛ بل أن تكف عن السماح لأحد أن يزاحمك على دورك في حياتك أنت.

المفهوم لا يتعلق بالأنانية، ولا بالبطولة المتخيلة؛ بل باليقين العميق بأنَّ حياتك لا تعاش بالنيابة، ولا يفترض أن يقودها أحد سواك، ولا أن يضاء فيها أحد أكثر من صاحبها الحقيقي.

وحين يتأخر الإنسان في استعادة دوره، لا يكون السبب دائما ضعفا أو ترددا؛ بل أحيانًا خوف مغلف باللطف، وخسارة متنكرة في هيئة رضا. يخاف أن يتهم بالأنانية إن اختار نفسه، أو بالقسوة إن وضع حدا، فيواصل العيش بدور مستعار، ظنا منه أن التضحية الدائمة بطولة، حتى يكتشف متأخرا أن البطولة الحقيقية تبدأ حين لا تخون ذاتك باسم الآخرين.

حين يبالغ الإنسان في منح الآخرين أدوار البطولة في حكايته، لا يخسر الآخرين؛ بل يخسر نفسه داخل المشهد. فيبدأ يومه محاولا ضبط إيقاعه على رغبات غيره، وينهيه مقتنعا بأن الأمور مضت "كما يجب"، بينما كلمة "يجب" لم تكتب له أصلا.

وهنا يحدث التغير الأخطر: أن تعتاد الدور الخطأ حتى يبدو مألوفا، وأن يصبح الغياب عن ذاتك حالة طبيعية لا تثير القلق. لا لأنك بخير؛ بل لأنك تعلمت كيف تسكت صوتك الداخلي، وكيف تبرر انطفاءك بحجج تبدو ناضجة، بينما هي في حقيقتها تنازلات صغيرة تراكمت حتى صارت حياة كاملة لا تشبهك.

حين تُعيد الناس إلى مواقعهم الحقيقية في قصتك، لا تقصيهم؛ بل تنصف المشهد حتى يبدو أصدق، وتنصف نفسك حتى تبدو أوضح. وتسمح لذاتك أن تكون النجم الطبيعي الذي يقود حكايته، لا لأن الخوف اختفى؛ بل لأنك توقفت عن منحه المقعد الذي تدار منه الحكاية.

الإنسان الذي يعتنق بطولة قصته لا يعيش بلا خوف؛ بل يعيش بلا ضياع داخل الدور الخطأ. لا يبحث عن مشهد خال من العثرات؛ بل عن مشهد خال من الضياع، لأن الضياع لا يأتي من الخطأ؛ بل من تكرار المشاهد التي لا تحملك أنت في جوهرها.

والسؤال الذي يستحق أن يطرح، لكل من يقرأ هذه السطور الآن:

هل أنت بطل قصتك فعلًا، أم ما زلت تعيش حياة كتبها غيرك؟

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • صلاح الدالي: لا أحب الغباء والإصرار على الخطأ يفسد أي علاقة
  • أزمة "أسد" تعود من جديد.. محمد رمضان يعلق"مش هتعرفوا تحرمونى من الجمهور"
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في "ورد على فل وياسمين"
  • «ورد على فل وياسمين» الحلقة الرابعة.. صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في ورد على فل وياسمين
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟