قال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطع بتشخيص الأمراض دون كشف حقيقي وتحديد الأدوية دون تدخُّل أو إشرافٍ من طبيبٍ مختصٍّ -مُحرَّم شرعًا؛ لما في ذلك من تعريض النفس للضرر والهلاك، ومخالفةٍ لمبدأ الاختصاص الذي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظه.

الهدف من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي


وأوضح مفتي الجمهورية، في فتوى له، أن الواقع المعاصر يشهد طفرةً تقنيةً غير مسبوقة اجتاحت مختلف مجالات الحياة، يتصدرها الذكاء الاصطناعي بما أحدثه من تحولٍ واسعٍ في طرائق التفكير والعمل والتعامل مع المعرفة، ويهدف هذا التطور إلى تمكين أجهزة الحاسب الآلي من أداء المهام التي يقوم بها العقل البشري، من خلال فهم طبيعة الذكاء الإنساني وإنشاء برامج قادرة على محاكاة سلوكه المتسم بالفطنة والذكاء.

وأفاد مفتي الجمهورية بأن الذكاء الاصطناعي يُعدُّ تقنية حديثة تُستخدم لتحقيق هدفين رئيسيين: أحدهما: تكنولوجي، يتمثل في توظيف الحاسب لإنجاز مهام مفيدة، ولو بطرائق مغايرة لما يعتمده العقل البشري، والآخر: علمي، يهدف إلى الاستعانة بمفاهيم الذكاء الاصطناعي ونماذجه للإجابة عن تساؤلات تتعلق بالإنسان وسائر الكائنات الحية. ينظر: "الذكاء الاصطناعي واقعه ومستقبله" لآلان بونيه، ترجمة: د. علي صبري فرغلي (ص: 11، ط. عالم المعرفة)، و"الذكاء الاصطناعي: مقدمة قصيرة جدًّا" لمارجريت إيه بودين، ترجمة: إبراهيم سند أحمد (ص: 11- 12، ط.).

بيان وجوب الرجوع إلى أهل التخصص والعلم والخبرة في كل فنٍّ وعلمٍ


وواصل: من المقرر في الشرع الشريف وجوبُ التزام الدقة والاختصاص في أداء الأعمال والممارسات التي تتعلق بمصالح الناس وأبدانهم، ولا سيما في المجالات الطبية، لما في ذلك من حفظٍ للنفوس وصيانةٍ لها من الضرر والهلاك، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وأبان: والمراد بأهل الذكر: أهلُ التخصص والعلم والخبرة في كل فنٍّ وعلمٍ، و"تعيينهم في الآية بالنصِّ يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم"، كما أفاده الإمام القرافي في "شرح تنقيح الفصول" (ص: 443، ط. شركة الطباعة الفنية).

حكم اعتماد المريض على الذكاء الاصطناعي في المسائل الطبية


واستكمل: قد حذَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التطبب بغير علمٍ أو اختصاص، وأخبر أن فاعل ذلك متحمِّلٌ لتبعات فعله وآثار تصرفه، ولا يشفع له حُسنُ القصد، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وصححه.

واستطرد: ومعنى التَّطبُّب: الإقدام على ممارسة الطب مع الجهل بهذه الممارسة، ولَفْظَة: «تَطَبَّبَ» تدل على تكلُّف الشيء والدخول فيه بعُسْرٍ وكُلْفَة، وأنَّه ليس من أهله، كما في "فيض القدير" للإمام المُنَاوِي (6/ 106، ط.).. قال الإمام الخَطَّابي في "معالم السنن" (4/ 39، ط. المطبعة العلمية): [والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإذا تولد من فعله التلفُ ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض].

وعرض قوب الملَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (7/ 68، ط. دار الفكر): [«فَهُوَ ضَامِنٌ»: قال بعض علمائنا من الشرح: لأنه تولد من فعله الهلاك، وهو متعد فيه، إذ لا يعرف ذلك].

وذكر: وانطلاقًا من هذا التوجيه الشرعي، وما تضمَّنه من وجوب التزام الاختصاص، وتحذيرٍ من الإقدام على ما يجاوز حدود العلم والخبرة، فإنَّ الأصل في استعمال التقنيات الحديثة ومنها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنها جائزةٌ ما لم يترتب عليها ضررٌ محققٌ أو مخالفةٌ شرعية، وذلك عملًا بالقاعدة الفقهية المقررة أن "الأصل في الأشياء الإباحة"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام الحافظ السُّيُوطي (ص: 60، ط.).

دعاء نهاية العام واستقبال السنة الجديدة 2026.. أفضل 210 أدعية شاملة للخيراتدعاء دخول السنة الجديدة .. احرص عليه لتعم البركة ويبدأ العام بالتوفيق

وألمح إلى أنه أفاد المختصون في المجال الطبي أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص أو وصف العلاج يجب أن يظل محدودًا؛ لأنها لا تتجاوز تقديم توصيات عامة، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن التشخيص الطبي المتخصص؛ إذ إن التشخيص الدقيق يتطلب فحصًا سريريًّا مباشرًا، وتحاليل مخبرية، واستجوابًا تفصيليًّا للمريض، وهي أمور لا يمكن لأي برنامج أو خوارزمية تعويضها.

كما أن هذه التطبيقات بوصفها الحالي لا تمتلك القدرة على استيعاب التاريخ المرضي الكامل للمريض -مثل إصابته بمرض السكري أو غيره من الأمراض المزمنة- مما قد يؤدي إلى تجاهل تفاعلات دوائية خطيرة، قد تفضي في بعض الحالات إلى مضاعفات جسيمة أو الوفاة.

فضلًا عن أن كثيرًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تفشل في رصد الأمراض النادرة أو غير المسجلة في قواعد بياناتها، ولا سيما تلك المنتشرة في مناطق جغرافية محددة (كالشرق الأوسط) لكنها غير موجودة في الدول المصنعة للتقنية.

ويُضاف إلى ذلك أنها تفتقر إلى الوضع القانوني الواضح للمساءلة والمحاسبة، مما يجعل تحديد المسؤولية في حال تضرر المريض أمرًا معقدًا. ينظر: ورقة بحثية بعنوان: "فوائد ومخاطر الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية" مراجعة سردية لمارغريت تشوستيكي، المكتبة الوطنية الأمريكية للطب المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (PubMed Central).

ولهذه الاعتبارات الواقعية ونحوها، فإن استعمال هذه الأدوات التقنية في تشخيص الأمراض أو تحديد الأدوية من غير إشراف طبي مختص لا يجوز شرعًا؛ لما فيه من تعريض النفس للضرر والهلاك، وهو ما نهت عنه الشريعة الإسلامية بنصوص قطعية.

فقد حَرَّمت الشريعةُ الإسلامية إتلافَ البدن أو ما يؤدي إلى إتلافه، وأمرت بالمحافظة على النفس والجسد من كل ما يُهلِكه أو يَسوؤه، وبيَّنت أنَّ كلَّ إنسانٍ وإن كان صاحب إرادةٍ حُرة -فيما يَتعلق بشخصه-، إلا أن هذه الإرادة مُقَيَّدةٌ بالحدود التي شرعها الله تبارك وتعالى.

فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. والتهلكة: مصدرٌ مِن هلك يهلك هلاكًا وهلكًا وتهلكةً، أي: لا تأخذوا فيما يهلككم، والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنَّه تهلكة في الدِّين أو الدنيا فهو داخل في هذا، كما في "فتح القدير" للعلامة الشَّوكاني (1/ 222، ط. دار ابن كثير).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

والنهي في الآية عامٌّ يشمل كلَّ ما يؤدِّي إلى إهلاك النفس أو الإضرار بها، سواء أكان القتلُ مباشرًا أم كان بسبب تعرُّض الإنسان لما يُفضي إلى تلفه، كما أفاده الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 156-157، ط. دار الكتب المصرية).

وهذا يشمل في عصرنا الحاضر الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض أو وصف العلاج بشكل كلي دون إشرافٍ طبي مختص، لما في ذلك من تعريضٍ للنفس للغرر والضرر، واحتمال الخطأ في التشخيص أو تناول دواءٍ غير مناسبٍ قد يُفضي إلى الهلاك أو الأذى، فيندرج تحت النهي الإلهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة وإهلاكها بغير حق.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الأئمة: أحمد، وابن ماجه، والطبراني في معجميه "الكبير" و"الأوسط"، وهو أصلٌ جامعٌ في منع كل صور الإضرار بالنفس أو الغير.

ولهذا الأصل المقرر كان من الضروريات التي أمر الشرع الشريف بالمحافظة عليها والعناية بها: حفظُ النفس الإنسانية بما يشمل حفظ الجسد علاجًا ووقايةً وترقيةً.

ولم تكتف الشريعة الغراء بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه، بل أوجبت عليه أيضًا اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.

قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في "المستصفى" (ص: 174، ط. دار الكتب العلمية): [مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة] اهـ.

وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (1/ 31، ط. دار ابن عفان): [فقد اتَّفقت الأمة -بل سائر الملل- على أنَّ الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمة كالضروري] اهـ.

كما قرر الشرع الحنيف وجوبَ درء المفاسد قبل السعي وراء جلب المصالح وتحصيلها، لما في ذلك من حمايةٍ للأنفس وصيانةٍ لها من الضرر، فمن القواعد المقررة في الشريعة أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 87).

ولا يخفى أنَّ المفاسدَ المحتملةَ من اعتماد المريض، ولا سيما العامي، على تلك التطبيقات في الكشف الطبي أو وصف العلاج، كبيرةٌ وملموسة، إذ قد تؤدي إلى خطأٍ في التشخيص أو إلى تناول دواءٍ غير مناسب، مما يهدد سلامة النفس ويعرض صحة البدن للخطر.

ومن ثَمَّ فإن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وإن كان يُسهم في جمع المعلومات الطبية وتحليل الأعراض مبدئيًّا، إلا أنه لا يقوم مقام الطبيب البشري المؤهل؛ لأن قدرته تعتمد على البيانات المُدخلة إليه، وقد يخطئ في تفسير الأعراض أو اقتراح العلاج المناسب للحالة الخاصة بالمريض، مما قد يؤدي إلى ضررٍ بدنيٍّ أو نفسيٍّ جسيم، ويكون المريض بهذا الفعل متسببًا في الضرر لنفسه عمدًا أو تفريطًا.

الخلاصة
 

أكد مفتي الجمهورية أنه بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطع بتشخيص الأمراض دون كشف حقيقي وتحديد الأدوية دون تدخُّل أو إشرافٍ من طبيبٍ مختصٍّ -مُحرَّم شرعًا؛ لما في ذلك من تعريض النفس للضرر والهلاك، ومخالفةٍ لمبدأ الاختصاص الذي جاءت الشريعة بحفظه.

طباعة شارك تشخيص الأمراض عن طريق الذكاء الاصطناعي حكم تشخيص الأمراض عن طريق الذكاء الاصطناعي مفتي الجمهورية الأمراض الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض تشخيص الأمراض دار الإفتاء

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: مفتي الجمهورية الأمراض الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض تشخيص الأمراض دار الإفتاء تطبیقات الذکاء الاصطناعی الذکاء الاصطناعی فی مفتی الجمهوریة تشخیص الأمراض لما فی ذلک من من تعریض کما فی

إقرأ أيضاً:

كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني

وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.

ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".

وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".

كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.

وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"


ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.

وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.

وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.

وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".

ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.

وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".

مقالات مشابهة

  • كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • جدو يحسم الجدل بشأن مفاوضات الأهلي مع يورتشيتش
  • مفتي الجمهورية: أضحية النبي عن أمته لا تسقط السنة عن القادرين