7 عقود من الحكم الوطني.. لماذا لم يشعر السودانيون بطعم الاستقلال؟
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
يمر على السودان خلال هذه الأيام الذكرى السبعون للاستقلال، وسط أوضاع استثنائية ما زالت تمر بها البلاد بسبب الحرب الدائرة حاليًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وبالتزامن مع هذه الذكرى تتجدد الأسئلة الكبرى حول حصيلة الدولة الوطنية، وما إذا كان الاستقلال قد تحقق بوصفه مشروعًا للحرية والعدالة والتنمية، أم ظل مجرد حدث تاريخي فقد معناه مع مرور السنوات.
التغيير: فتح الرحمن حمودة
بعد عقود من الحكم الوطني، لا يزال كثير من السودانيين، لا سيما الشباب، ينظرون إلى تجربة الدولة المستقلة بوصفها تجربة مثقلة بالكثير من الإخفاقات، رغم ما شهدته من لحظات يراها البعض مضيئة وعابرة. وعلى امتداد هذه السنوات مرّ السودان بسلسلة من التحولات السياسية والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، جميعها انعكست آثارها مباشرة على حياة المدنيين، وعلى شكل الدولة وعلاقتها بمواطنيها.
وبينما شكّل الاستقلال في عام 1956 لحظة أمل كبرى، سرعان ما تبدد هذا الأمل أمام عجز الحكومات المتعاقبة عن بناء دولة عادلة وقادرة على إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم. وفي هذا السياق، استطلعت «التغيير» آراء عدد من الشباب السودانيين حول تجربتهم مع الدولة المستقلة، وسؤال الإيجابيات والسلبيات، ومدى حصول مناطقهم على نصيبها من التنمية والعدالة، وانعكاس ذلك على رؤيتهم لمستقبل السودان.
تقول ملهمة عبد الرحمن إن السودان نال استقلاله من المستعمر، لكن المأساة أن الحكام الذين تعاقبوا بعده تحولوا إلى طغاة. وترى، بحسب حديثها لـ«التغيير»، أن تجربة الحكم الوطني لم تكن أفضل حالًا من الاستعمار، إذ تخللتها إخفاقات عميقة كان أبرزها هيمنة تنظيم الإخوان على السلطة، وما نتج عنها من قمع سياسي وتدهور اقتصادي واجتماعي.
وتضيف أن اللحظة الأهم التي كانت مضيئة في تاريخ البلاد الحديث تمثلت في ثورة ديسمبر المجيدة، التي وصفتها بأنها نور وسط الظلام، وتشير إلى أن منطقتها لم تنل أي شكل من أشكال التنمية أو العدالة، معتبرة أن تحقيق مستقبل السودان الذي يحلم به الشباب مرهون بمدى تحقيق التحول المدني الديمقراطي الحقيقي الذي يضع حدًا لدورات الاستبداد.
وترى مآب محمد أن تجربة الاستقلال في السودان كانت غير مكتملة، مشيرة في حديثها لـ«التغيير» إلى أن البلاد انتقلت من استعمار أجنبي إلى استعمار داخلي مارسه أبناء الوطن أنفسهم عبر مصادرة الحريات وانتزاع الحقوق. وتقول إن تعاقب الحكومات قبل الاستقلال وبعده أثبت أن الأزمة لا تكمن في وجود مستعمر خارجي، بل في طبيعة الدولة ونمط الحكم. وبالنسبة لها شكّلت ثورة ديسمبر بارقة أمل حقيقية، لكنها لم تُستثمر لبناء دولة جديدة، وهو ما يجعل الرؤية المستقبلية، بحسب قولها، مشروطة بإعادة التفكير في أسس الحكم وإدارة البلاد.
ويربط منيب عبد الله بين تعثر التنمية واختلال السياسات التعليمية، مشيرًا في حديثه لـ«التغيير» إلى أن التوسع في التعليم الأكاديمي على حساب التعليم التقني والفني أسهم في إضعاف التنمية. كما انتقد غياب مشاركة المواطنين في التخطيط واتخاذ القرار، وعدم وجود نظام تعليمي مترابط يلبي متطلبات التقدم العلمي. ورغم إشارته إلى بعض الإيجابيات، مثل تحسين العلاقات مع دول الجوار وفتح المجال للاستثمار، إلا أنه يؤكد أن منطقته لم تنل حقها من التنمية والعدالة، داعيًا إلى معالجات جادة لتفادي تعمق الغبن التنموي.
وتنظر سوسن جمعة إلى أن السودان لم يستفد من استقلاله كما فعلت دول أخرى في الإقليم نالت استقلالها في الفترة نفسها أو بعدها. وتوضح في حديثها لـ«التغيير» أن الحروب ظلت السمة الملازمة للدولة السودانية منذ الاستقلال، بدءًا من جنوب البلاد، مرورًا بجنوب كردفان منذ عام 1983، وصولًا إلى العاصمة. ونتيجة لذلك تدهورت الأوضاع الأمنية والخدمية، وغابت التنمية في مجالات التعليم والصحة، وانعدمت العدالة في توزيع الفرص الاقتصادية والوظائف العامة، خاصة السيادية منها.
وتقول إنه رغم غنى منطقتها بالمعادن والثروات الزراعية والحيوانية، إلا أنها لم تحظ بحقها في التنمية، ما دفعها، بحسب قولها، إلى الانخراط في العمل المدني والسياسي للمطالبة بحقوق المنطقة وضمان مستقبل عادل للأجيال القادمة.
أما فضيل عمر، الذي قال لـ«التغيير» إن تجربة الدولة المستقلة فشلت في تحقيق جوهر الاستقلال المتمثل في خدمة المواطن، فيضيف أن منطقته باتت خارج مفهوم الدولة إلا عبر القمع والجباية. ويرى أن الإيجابية الوحيدة هي وجود جهاز دولة مكتمل من حيث الشكل، لكنه معطل من حيث الوظيفة وخاضع لهيمنة الحزب والسلاح، ويؤكد أن مستقبل السودان يظل مرهونًا بإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة، لا على أساس القوة والانتماء السياسي.
وكشفت هذه الشهادات المتعددة أن استقلال السودان بعد سبعين عامًا لا يزال مشروعًا غير مكتمل، وأن الدولة ما زالت بحاجة إلى تأسيس جديد يعيد الاعتبار للمواطنة، ويحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة، حتى يتحول الاستقلال من ذكرى وطنية إلى واقع معاش يشعر به جميع السودانيين.
الوسومإعلان الاستقلال الشباب السوداني ذكرى إعلان الاستقلال
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: إعلان الاستقلال الشباب السوداني ذكرى إعلان الاستقلال لـ التغییر إلى أن
إقرأ أيضاً:
هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
لا شكّ في أنّ المنصّات الرقمية والخوارزميات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموسيقى وتحديدا الطرب، خاصّة وأنّها قد غيّرت معايير الانتشار في ظلّ هيمنة الثّقافة الاستهلاكيّة وظهور أنماط موسيقيّة أخرى أكثر انسجاما مع منطق المنصّات و"التّرند".
ولكن هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة أنّ الأغنية الطّربيّة قد فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور. فيوجد دائما التّجارب الاستثناء التي يمكن أن تكون مرجعا في صمود الطرب والمحافظة على مكانته وفي مقدّمتها تجربة الفنان التونسي لطفي بوشناق: أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالذاكرة الغنائية العربيّة. وهي تجربة جديرة بالتأمّل لنفهم كيف يمكن للفنّان المحافظة على مكانته وجماهيريته في عصر تعيد فيه الخوارزميات تشكيل الذائقة الموسيقية وتفرض معايير جديدة للانتشار؟
اللاّمرئي في تجربة لطفي بوشناق
لا يُختزل شغف لطفي بوشناق بالموسيقى في حضوره الآسر على المسرح، حيث يمسرح الكلمة ويمنحها بعدا دراميا يجعل الأغنية تبدو وكأنها قضيته الشخصية بل يتجلّى أيضا في ذلك الفضاء الخفيّ الذي تتشكّل فيه أعماله قبل أن تصل إلى الجمهور. في خلوته الإبداعية، حيث ترافقه آلاته الموسيقية ونوتاته ومسودات أغان جديدة وتسجيلات لأعمال لم ترَ النور بعد. هناك نرى صورة أخرى للفنان. وهناك أدركنا أنّنا لا نزور مكتب موسيقي فحسب بل أرشيفا حيّا لتجربة امتدت أكثر من أربعة عقود. في كل زاوية تتراكم الكؤوس والدروع والشهادات والجوائز، حتى يخال الزائر أنه في متحف صغير. غير أنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس هذا الرصيد من التكريمات، وإنما ذلك العدد الكبير من الأغاني المسجّلة والمصوّرة التي بقيت حبيسة الأدراج، رغم اكتمالها الفني.
استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.لا يعود ذلك إلى تراجع في الإنتاج أو فتور في الإبداع، بل إلى اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع والبث وإلى خيارات إعلامية انحازت منذ سنوات إلى أنماط موسيقية أكثر انسجاما مع منطق السوق والمنصات على حساب الأغنية الطربية. ومع ذلك، كان بوشناق يتحدث عن كل مشروع جديد بالحماسة نفسها التي يتحدث بها فنان في بداية الطريق، لا صاحب تجربة تجاوزت أربعين عاما.
وربما يكمن هنا أحد أسرار استمرارية هذه التجربة: فالعلاقة التي تربط بوشناق بالموسيقى ليست علاقة مهنة بفن، وإنما علاقة وجودية تجعل الغناء جزءا من إيقاع حياته اليومية لا مجرّد منتج يقدّمه إلى الجمهور. لذلك يبدو شغفه متجدّدا، غير خاضع لحسابات السوق أو لمنطق الانتشار السّريع وهو ما يفسّر، في المقابل، ذلك الوفاء النادر الذي يحظى به من جمهوره. فالفن الذي يمارس بالشغف له قدرة لا حدّ لها على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقّي حتى في زمن تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتعيد فيه المنصات الرقمية رسم خرائط النجاح والانتشار.
الكلمة قضيّة..!
لم يتعامل لطفي بوشناق مع الأغنية بوصفها "سلعة" تخضع لمنطق السوق، بل بوصفها رسالة فنية وإنسانية تقوم على التّكامل بين الكلمة واللحن والأداء. لذلك يصعب أن نعثر في رصيده على أعمال تقوم على عبارات مستهلكة أو كلمات أُنتجت فقط لإرضاء ذائقة عابرة أو لمجاراة ما تفرضه الخوارزميات. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار تداول أغانيه عبر الأجيال، في الوقت الذي تختفي فيه عشرات الأغنيات حققت ملايين المشاهدات وذلك بمجرد انتهاء موجة "الترند". فتستطيع الخوارزميّة نشر أغنية لكنّها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة. وتستطيع نسب المشاهدات ان تفرضها على المتلقي ولكنها لا تستطيع أن تضفي عليها قيمة تخلّدها.
ولذلك ظلّ بوشناق حريصا على التعاون مع شعراء هم بدورهم أصحاب مشاريع فنية ثقافيّة من بينهم آدم فتحي وصلاح الدين بوزيان وفيصل الشريف وغيرهم في دلالة على أنّ بحثه كان دائما عن الكلمو قبل البحث عن الأغنية. ولنتأمّل مثلا أغنية "أنا المواطن"، من كلمات آدم فتحي، التي يقول فيها:" فأنا مواطن ينام جائعًا حتى يطعم الوطن.. أنا المواطن المنسي في الدفاتر، المقتول في المقابر."لقد تحوّلت هذه الكلمات إلى شهادة فنية على مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، حتى إنّ بوشناق لم يتمالك نفسه أثناء أدائها في إحدى الحفلات وبكي وأبكى معه الجمهور. لتتحوّل لحظة الغناء إلى لحظة وجدانية جماعية امتزج فيها صوت الفنان بمشاعر الجمهور. فأصبحت الأغنية ذاكرة مشتركة تعبّر عن وجدان الناس.
وحتى في أغاني الحب، لا ينفصل الغزل عند بوشناق عن الانتماء. ففي أعمال مثل "إنت شمسي إنت" و"ريتك ما نعرف وين" تمتزج صورة المرأة بصورة الوطن ويصبح الحنين إلى الحبيبة امتدادا للحنين إلى الأرض. فلا يقدر المستمع لها الفصل بين الحب الفردي والانتماء الجمعي وكأنّ الوطن هو الشرط الأول لاكتمال تجربة الحب ذاتها.
والمثير للانتباه أنّ هذا الحرص على اختيار الكلمة المعبّرة الحاملة لمعنى لا يغيب حتى في الأغنية الشعبية كما في كلمات أغنيته:"كيف شبحت خيالك... لا وسع لا بالك... قلبي نقز مالضلوع مشالك."إنها لغة بسيطة لكنها مشحونة بصورة شعرية تمنحها قدرة على النفاذ إلى ذاكرة المستمع.
أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة.ويمتد هذا الاختيار الواعي للكلمة إلى القضايا القومية والإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حضرت في أعمال مثل "وأمّتاه" من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، و"نشيد القدس" و"سهول فلسطين" و"من تونس للقدس" و"خليك صامد يا فلسطيني" فالفنان هنا لا يكتفي بالتعبير عن مشاعره الشخصية، بل يجعل من الأغنية خطابا يتجاوز الذات ليعبّر عن همّ جماعي وهو ما يمنح العمل قابلية للاستمرار خارج زمن إنتاجه.يصنع التّرند شهرة مؤقتة، أما المعنى فيصنع ذاكرة.
اللّحن جزء من هويّة فنيّة
إذا كانت الكلمة هي الحامل الأوّل للمعنى في تجربة لطفي بوشناق، فإن اللّحن هو الوسيط الذي يفعّل ذلك المعنى. وقد أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة. وتنوّع الملحنين هو جزء من مشروع موسيقي يقوم على تطوير اللغة اللحنية دون التفريط في الهوية الطربية.
ولذلك استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.
يتبيّن من خلال تجربة لطفي بوشناق أنّ ما يصمد ليس ما نجحت الخوارزمية في الترويج له، بل ما نجح في أن يصبح جزءا من الوجدان الجمعي.فلهذا السبب لا يزال بوشناق، بعد أكثر من أربعة عقود، قادرا على ملء المسارح واستقطاب أجيال لم تعاصر بداياته. ففي عصر تتنافس فيه الأغاني على خطف ثوان من انتباه المتلقي يخلد من ينجح في مخاطبة الانسان وليس من يتقن منطق الخوارزمية.