يمر على السودان خلال هذه الأيام الذكرى السبعون للاستقلال، وسط أوضاع استثنائية ما زالت تمر بها البلاد بسبب الحرب الدائرة حاليًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وبالتزامن مع هذه الذكرى تتجدد الأسئلة الكبرى حول حصيلة الدولة الوطنية، وما إذا كان الاستقلال قد تحقق بوصفه مشروعًا للحرية والعدالة والتنمية، أم ظل مجرد حدث تاريخي فقد معناه مع مرور السنوات.

التغيير: فتح الرحمن حمودة

بعد عقود من الحكم الوطني، لا يزال كثير من السودانيين، لا سيما الشباب، ينظرون إلى تجربة الدولة المستقلة بوصفها تجربة مثقلة بالكثير من الإخفاقات، رغم ما شهدته من لحظات يراها البعض مضيئة وعابرة. وعلى امتداد هذه السنوات مرّ السودان بسلسلة من التحولات السياسية والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، جميعها انعكست آثارها مباشرة على حياة المدنيين، وعلى شكل الدولة وعلاقتها بمواطنيها.

وبينما شكّل الاستقلال في عام 1956 لحظة أمل كبرى، سرعان ما تبدد هذا الأمل أمام عجز الحكومات المتعاقبة عن بناء دولة عادلة وقادرة على إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم. وفي هذا السياق، استطلعت «التغيير» آراء عدد من الشباب السودانيين حول تجربتهم مع الدولة المستقلة، وسؤال الإيجابيات والسلبيات، ومدى حصول مناطقهم على نصيبها من التنمية والعدالة، وانعكاس ذلك على رؤيتهم لمستقبل السودان.

تقول ملهمة عبد الرحمن إن السودان نال استقلاله من المستعمر، لكن المأساة أن الحكام الذين تعاقبوا بعده تحولوا إلى طغاة. وترى، بحسب حديثها لـ«التغيير»، أن تجربة الحكم الوطني لم تكن أفضل حالًا من الاستعمار، إذ تخللتها إخفاقات عميقة كان أبرزها هيمنة تنظيم الإخوان على السلطة، وما نتج عنها من قمع سياسي وتدهور اقتصادي واجتماعي.

وتضيف أن اللحظة الأهم التي كانت مضيئة في تاريخ البلاد الحديث تمثلت في ثورة ديسمبر المجيدة، التي وصفتها بأنها نور وسط الظلام، وتشير إلى أن منطقتها لم تنل أي شكل من أشكال التنمية أو العدالة، معتبرة أن تحقيق مستقبل السودان الذي يحلم به الشباب مرهون بمدى تحقيق التحول المدني الديمقراطي الحقيقي الذي يضع حدًا لدورات الاستبداد.

وترى مآب محمد أن تجربة الاستقلال في السودان كانت غير مكتملة، مشيرة في حديثها لـ«التغيير» إلى أن البلاد انتقلت من استعمار أجنبي إلى استعمار داخلي مارسه أبناء الوطن أنفسهم عبر مصادرة الحريات وانتزاع الحقوق. وتقول إن تعاقب الحكومات قبل الاستقلال وبعده أثبت أن الأزمة لا تكمن في وجود مستعمر خارجي، بل في طبيعة الدولة ونمط الحكم. وبالنسبة لها شكّلت ثورة ديسمبر بارقة أمل حقيقية، لكنها لم تُستثمر لبناء دولة جديدة، وهو ما يجعل الرؤية المستقبلية، بحسب قولها، مشروطة بإعادة التفكير في أسس الحكم وإدارة البلاد.

ويربط منيب عبد الله بين تعثر التنمية واختلال السياسات التعليمية، مشيرًا في حديثه لـ«التغيير» إلى أن التوسع في التعليم الأكاديمي على حساب التعليم التقني والفني أسهم في إضعاف التنمية. كما انتقد غياب مشاركة المواطنين في التخطيط واتخاذ القرار، وعدم وجود نظام تعليمي مترابط يلبي متطلبات التقدم العلمي. ورغم إشارته إلى بعض الإيجابيات، مثل تحسين العلاقات مع دول الجوار وفتح المجال للاستثمار، إلا أنه يؤكد أن منطقته لم تنل حقها من التنمية والعدالة، داعيًا إلى معالجات جادة لتفادي تعمق الغبن التنموي.

وتنظر سوسن جمعة إلى أن السودان لم يستفد من استقلاله كما فعلت دول أخرى في الإقليم نالت استقلالها في الفترة نفسها أو بعدها. وتوضح في حديثها لـ«التغيير» أن الحروب ظلت السمة الملازمة للدولة السودانية منذ الاستقلال، بدءًا من جنوب البلاد، مرورًا بجنوب كردفان منذ عام 1983، وصولًا إلى العاصمة. ونتيجة لذلك تدهورت الأوضاع الأمنية والخدمية، وغابت التنمية في مجالات التعليم والصحة، وانعدمت العدالة في توزيع الفرص الاقتصادية والوظائف العامة، خاصة السيادية منها.

وتقول إنه رغم غنى منطقتها بالمعادن والثروات الزراعية والحيوانية، إلا أنها لم تحظ بحقها في التنمية، ما دفعها، بحسب قولها، إلى الانخراط في العمل المدني والسياسي للمطالبة بحقوق المنطقة وضمان مستقبل عادل للأجيال القادمة.

أما فضيل عمر، الذي قال لـ«التغيير» إن تجربة الدولة المستقلة فشلت في تحقيق جوهر الاستقلال المتمثل في خدمة المواطن، فيضيف أن منطقته باتت خارج مفهوم الدولة إلا عبر القمع والجباية. ويرى أن الإيجابية الوحيدة هي وجود جهاز دولة مكتمل من حيث الشكل، لكنه معطل من حيث الوظيفة وخاضع لهيمنة الحزب والسلاح، ويؤكد أن مستقبل السودان يظل مرهونًا بإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة، لا على أساس القوة والانتماء السياسي.

وكشفت هذه الشهادات المتعددة أن استقلال السودان بعد سبعين عامًا لا يزال مشروعًا غير مكتمل، وأن الدولة ما زالت بحاجة إلى تأسيس جديد يعيد الاعتبار للمواطنة، ويحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة، حتى يتحول الاستقلال من ذكرى وطنية إلى واقع معاش يشعر به جميع السودانيين.

الوسومإعلان الاستقلال الشباب السوداني ذكرى إعلان الاستقلال

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: إعلان الاستقلال الشباب السوداني ذكرى إعلان الاستقلال لـ التغییر إلى أن

إقرأ أيضاً:

خلال لقاء بوزير النقل.. نائب بالشيوخ يستعرض مطالب المواطنين ويؤكد دعم خطط التنمية

أكد النائب شعبان رأفت عبد اللطيف، عضو مجلس الشيوخ، أن الدولة المصرية حققت طفرة كبيرة في مجال النقل والمواصلات خلال السنوات الأخيرة، بفضل توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما توليه القيادة السياسية من اهتمام بالغ بتطوير البنية التحتية ورفع كفاءة شبكات الطرق والمحاور ووسائل النقل المختلفة.

جاء ذلك على هامش لقائه اليوم بالفريق كامل الوزير، وزير النقل والمواصلات، حيث أشاد بالجهود المبذولة لتطوير منظومة النقل وتحويلها إلى منظومة حديثة ومتطورة تواكب المعايير العالمية واستراتيجية الدولة للجمهورية الجديدة.

وأضاف عضو مجلس الشيوخ أن مصر أصبحت تمتلك بنية تحتية قوية وشبكة طرق ومحاور قومية ساهمت في تسهيل حركة المواطنين والبضائع، ودعمت جهود التنمية وجذب الاستثمارات، مؤكداً أن ما تحقق في قطاع النقل يمثل أحد أبرز الإنجازات التي شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية.

وأشار النائب شعبان رأفت، إلى أن المشروعات القومية العملاقة التي تم تنفيذها في مجالات الطرق والكباري والسكك الحديدية والموانئ والنقل الجماعي تعكس رؤية الدولة نحو بناء جمهورية جديدة تعتمد على التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة المواطنين.

وأكد أن استمرار العمل وفق هذه الرؤية الطموحة سيعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية والتجارة، مشيدا بالجهود التي يقودها الفريق كامل الوزير في تنفيذ خطط التطوير والتحديث بمختلف قطاعات النقل والصناعة.

اقرأ أيضاًوزير النقل يتابع انتظام تشغيل القطارات والمترو والموانئ خلال أول أيام عيد الأضحى

تعديل زمن التقاطر بالخط الأخضر لمترو الأنفاق خلال إجازة عيد الأضحى

مقالات مشابهة

  • “التنمية الأسرية” تستقبل حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم
  • محافظ المنوفية: الأداء الميداني معيار التقييم.. والتلاحم الوطني يدعم مسيرة التنمية
  • في الاحتفال بيوم البيئة العالمي.. جهود وطنية لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية المستدامة
  • برلماني: العلمين الجديدة أعادت رسم خريطة التنمية في مصر
  • رموش الست.. حلوى مصرية تراثية بطعم الأصالة
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • العيسوي يرعى احتفالات الجامعة الهاشمية بالعيد الثمانين لاستقلال المملكة
  • خلال لقاء بوزير النقل.. نائب بالشيوخ يستعرض مطالب المواطنين ويؤكد دعم خطط التنمية
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي