عربي21:
2026-06-03@02:40:22 GMT

بعثة صندوق النقد الدولي لمصر.. وماذا بعد؟!

تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT

شهدت الأيام القليلة الماضية زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة في الفترة من 1 إلى 11 كانون الأول/ ديسمبر 2025، في لحظة فارقة، إذ تزامنت مع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التمويل الممدد، بما يمهّد لصرف شرائح تمويل إضافية تُقدَّر بنحو 2.5مليار دولار.



وقد قُدم لهذه الزيارة رسميا باعتبارها تأكيدا على نجاح مسار الإصلاح واستعادة الاستقرار الاقتصادي، ورسالة طمأنة للأسواق الدولية. غير أن هذه الطمأنة، حين تُقرأ من زاوية المجتمع لا من زاوية المؤشرات، تثير سؤالا أكثر إلحاحا: من الذي يدفع كلفة هذا الاستقرار المذكور، ومن الذي يجني ثماره؟

إن بيانات صندوق النقد تشير إلى تسجيل الاقتصاد المصري معدل نمو حقيقيا قُدِّر بنحو 4.4 في المئة خلال العام المالي 2024-2025، كما تراجع معدل التضخم من ذروته التي تجاوزت 30 في المئة في عام 2023إلى نحو 12 في المئة بنهاية 2025. وتُستخدم هذه الأرقام باعتبارها الدليل الأساسي على نجاح برنامج الصندوق، غير أنها في الوقت نفسه تخفي فجوة عميقة بين تحسّن المؤشرات الكلية وتدهور الواقع المعيشي. فالأرقام نفسها تتعايش مع حقيقة أن الفقر لم يتراجع، بل أعاد إنتاج نفسه بصورة أكثر تركيبا، إذ تشير تقارير الفقر متعدد الأبعاد إلى أن نحو 21 في المئة من المصريين يعانون حرمانا متزامنا في مجالات أساسية، مثل التعليم، والصحة، والسكن، والخدمات. وهذا يعني أن أكثر من خُمس المجتمع يعيش أزمة معيشية مركبة في الوقت الذي يُحتفى فيه بأرقام النمو والاستقرار الصورية.

بل إن من المفارقات العجيبة أن هذا الفقر المركب يتوسع في ظل نمو اقتصادي إيجابي، وهو ما يكشف أن النمو الجاري ليس نموا شاملا، بل نموا انتقائيا يتركز في قطاعات لا تمس حياة الغالبية العظمى من الشعب المصري. فلا يوجد تناسب بين الزيادة في الدخول والزيادة في الأسعار المتراكمة والمستمرة، وهيكل الإنفاق الأسري بات أكثر اختناقا، حيث تستحوذ السلع الأساسية والسكن والطاقة على النصيب الأكبر من دخل الأسر. وهكذا، يصبح انخفاض التضخم بعد قفزات سعرية حادة أشبه بتخفيف مؤقت للضغط، لا استعادة حقيقية للقدرة الشرائية.

إن جوهر برنامج صندوق النقد، كما عكسته زيارة البعثة الأخيرة، يقوم على ضبط الاقتصاد الكلي عبر تحرير الأسعار، وتقليص الدعم، وتشديد الانضباط المالي، مقابل وعود مستقبلية بنمو تقوده قوى السوق. غير أن هذه السياسات، بالأرقام والوقائع، نقلت عبء الإصلاح مباشرة إلى المستهلك النهائي، في حين ظلت اختلالات الاقتصاد الهيكلية والبنية الإنتاجية دون معالجة جذرية. فالاستقرار المالي الشكلي تحقق صوريا، لكن على حساب استقرار الأسرة، وتحسّنت البيانات الدفترية للدولة بينما تآكل هامش الأمان المعيشي للفقراء والطبقة المتوسطة.

وهذا التناقض يزداد وضوحا عند النظر للمطالب التي شددت عليها بعثة الصندوق، وعلى رأسها تسريع برنامج الخصخصة وتقليص الدور الاقتصادي للدولة. فالصندوق ينظر إلى الخصخصة بوصفها أداة لرفع الكفاءة وتحفيز النمو، وهذا أمر جيد، غير أن تطبيقها في اقتصاد يعاني ضعف المنافسة في ظل العسكرة، لن يحقق المرجو منها إلا بهجرة عسكرة الاقتصاد، وهو أمر مشكوك في تحقيقه.

وفي هذا السياق، لا تعني الخصخصة توسيع قاعدة الإنتاج، بل تعني تقليصها، ولا تعني خلق فرص عمل، بل فقدانها. فالنتيجة العملية تكون إغلاق شركات محلية، وتراجع التشغيل، وازدياد الاعتماد على الواردات، وهو ما ينعكس مباشرة على الفقر، ليس بوصفه ظاهرة اجتماعية فقط، بل كنتيجة اقتصادية حتمية لاقتصاد منزوع التوازن. وهكذا، تتحول الخصخصة من أداة لتحرير السوق إلى آلية لإقصاء الضعفاء، ومن وعد بالنمو إلى مسار يعمّق التفاوت.

وقد حاولت الحكومة احتواء آثار برنامج الصندوق عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة"، التي توسعت قاعدة المستفيدين منها، غير أن تقييم هذه البرامج مقارنة بحجم التضخم وكلفة المعيشة يُظهر أنها لا تُخرج الأسر من دائرة الفقر، بل تُبقيها بالكاد داخل حدود البقاء، فالدعم النقدي هنا يؤدي وظيفة تهدئة اجتماعية، لا تمكين اقتصادي، في ظل غياب توسع حقيقي في فرص العمل المنتجة واستمرار هشاشة سوق العمل.

وهذه الصورة تكشف خللا أعمق من مجرد سوء إدارة اقتصادية، فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة لاحقة للنمو، بل شرط سابق له، والسوق لا تُترك لمنطق القوة المجردة، بل تُضبط بما يمنع الاحتكار ويصون حق الضعفاء في الكفاية والعيش الكريم.

إن زيارة بعثة صندوق النقد، بكل ما حملته من رسائل طمأنة خارجية، أعادت طرح السؤال الجوهري: هل يُقاس نجاح الإصلاح بقدرة الحكومة على خفض التضخم والحصول على التمويل، أم بقدرتها على تقليص الفقر المركب الذي يطال أكثر من خمس المجتمع؟ الأرقام المتاحة اليوم تقول بوضوح إن البرنامج نجح في تحسين الصورة الشكلية الصورية للاقتصاد، لكنه أخفق حتى الآن في تحسين حياة الفقراء. وإذا استمر هذا المسار، فإن الاستقرار سيبقى استقرارا على الورق، بينما يظل الفقر هو الحقيقة الأكثر رسوخا على الأرض.

x.com/drdawaba

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء النقد الدولي الإصلاح الاقتصادي المصري الفقر مصر اقتصاد فقر النقد الدولي إصلاح قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة تفاعلي صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة صندوق النقد فی المئة غیر أن

إقرأ أيضاً:

بدر عبدالعاطي: المصريون بالخارج قوة وطنية وسفراء لمصر في مختلف دول العالم

أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، أن أبناء الجاليات المصرية حول العالم يمثلون امتدادًا حقيقيًا للوطن وشريكًا أساسيًا في دعم مسيرة التنمية وتعزيز مكانة مصر على الساحة الدولية، مشددًا على أن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بالمصريين في الخارج وتحرص على تعزيز التواصل المستمر معهم والاستجابة لاحتياجاتهم.

جاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية بأعضاء الجالية المصرية في كوريا الجنوبية، اليوم الثلاثاء، على هامش زيارته إلى العاصمة الكورية سول، بحضور السفير حازم زكي، سفير جمهورية مصر العربية لدى كوريا الجنوبية.

وقال الوزير عبد العاطي: "المصريون في الخارج هم أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية، وسفراء لوطنهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، بما يعكسونه من صورة مشرفة عن مصر وشعبها وقدراتها في مختلف المجالات".

وأضاف أن وزارة الخارجية تضع في مقدمة أولوياتها تعزيز الروابط مع أبناء الوطن في الخارج، والعمل على تطوير الخدمات القنصلية المقدمة لهم، وتذليل أي تحديات قد تواجههم، بما يضمن الحفاظ على مصالحهم ورعاية حقوقهم في دول الإقامة.

وأشار وزير الخارجية إلى أن النجاحات التي يحققها المصريون بالخارج في مختلف القطاعات العلمية والاقتصادية والثقافية تمثل مصدر فخر للدولة المصرية، وتسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات بين مصر والدول التي يقيمون بها، مؤكداً أن الجاليات المصرية تعد جسراً مهماً للتواصل الحضاري والإنساني وتعميق أواصر التعاون الثنائي.

كما استمع الوزير إلى آراء ومقترحات أبناء الجالية المصرية في كوريا الجنوبية بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالخدمات القنصلية وأوضاع المصريين بالخارج، مؤكداً حرص الوزارة على استمرار قنوات التواصل المباشر مع الجاليات المصرية في مختلف أنحاء العالم، بما يعزز ارتباطهم بوطنهم الأم ويحقق مصالحهم.

واختتم عبد العاطي تصريحاته بالتأكيد على أن الدولة المصرية تنظر إلى أبنائها في الخارج باعتبارهم شركاء في بناء المستقبل، وأن الحفاظ على الروابط الوطنية والثقافية معهم يمثل أولوية دائمة، في ظل الدور المهم الذي يقومون به في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة مصر إقليمياً ودولياً.

وزير الخارجية الأمريكي: ترامب يعارض تغيير الوضع في الضفة الغربية وزير الخارجية يلقي محاضرة بجامعة "هانكوك" الكورية حول السياسة الخارجية المصرية وزير الخارجية يلتقي وزيرة خارجية ساو تومي وبرينسيب لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك بدر عبد العاطي: لا حل عسكري للأزمة الإيرانية الأمريكية

مقالات مشابهة

  • لتلافي الآثار الكارثية للظاهرة.. السعودية: تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة
  • بدر عبدالعاطي: المصريون بالخارج قوة وطنية وسفراء لمصر في مختلف دول العالم
  • متى سنرى هذا؟ «الأخيرة»
  • المواطن شريك في المصنع.. مصر تطلق أول صندوق استثمار صناعي لتمويل الإنتاج والنمو
  • الفقر في ألمانيا يسجل مستوى قياسياً جديداً ويطال أكثر من 13 مليون شخص
  • صندوق الحج يرفع الحد الأدنى لمبلغ الادخار
  • مهرجان مراكش للفيلم يفتح باب الترشح لورشة متخصصة في النقد السينمائي لفائدة الصحافيين
  • ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج يزورون "المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية" بالمدينة المنورة
  • خلال أيام.. الإسكان الاجتماعي يحذر من إلغاء تخصيص الوحدات في هذه الحالة
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني