بوابة الوفد:
2026-07-24@09:06:24 GMT

«سحب ولا إيداع» .. حين يتحول الحب إلى رصيدٍ مفقود

تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT

يقدّم فيلم «سحب ولا إيداع»، من تأليف وإخراج حسام عزام، وإنتاج المعهد العالي للسينما، تجربة سينمائية تتعامل مع الخسارة بوصفها حالة نفسية ممتدة، لا مجرد واقعة درامية مرتبطة بالمال أو الخداع. فالفيلم، منذ عنوانه، يضع المشاهد أمام معادلة وجودية قاسية: ماذا يحدث للإنسان حين يُسحب منه كل شيء، دون أن يكون هناك ما يمكن إيداعه بديلًا عن الفقد؟

 

تنطلق الحكاية من قصة رجل أعمال يعمل دكتورًا في أحد المجالات، يدخل في زواج غير متكافئ مع فتاة أصغر منه سنًا، زواج تحكمه الثقة المطلقة من طرف واحد، وتنتهي هذه الثقة إلى خيانة مزدوجة، حين تتفق الزوجة مع شخص آخر، مستغلة التوكيل البنكي الذي منحها إياه، لتسحب جميع أمواله وتتركه في مواجهة فراغ كامل، ماديًا ونفسيًا.

غير أن الفيلم لا يتعامل مع واقعة السرقة بوصفها ذروة الحدث، بل باعتبارها نقطة الانكسار الأولى، التي يبدأ بعدها التحول الحقيقي للشخصية. فالبطل لا يفقد أمواله فقط، بل يفقد اتزانه، وإحساسه بالسيطرة على العالم من حوله، ليتحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه المجذوب، أو الإنسان العالق داخل مشهد واحد من ذاكرته، غير قادر على تجاوزه أو إعادة تفسيره.

يتجلّى هذا التحول بوضوح في تكرار مشهد ذهاب البطل إلى البنك يوميًا، ودخوله في مشاجرة مع موظف جديد في كل مرة، حين يواجه بالحقيقة الصادمة: الرصيد صفر. هنا يصبح الصفر رمزًا مركزيًا في الفيلم، لا يعكس فراغ الحساب البنكي فقط، بل فراغ الروح، وانهيار الثقة، وفقدان المعنى.

يعتمد المخرج حسام عزام على التكرار الدرامي كأداة سردية ذكية، حيث تتحول مشاهد البنك إلى مساحة مسرحية للصراع النفسي، تتغير فيها الوجوه، بينما تظل المأساة ثابتة. يبدأ موظف البنك بالتعاطف الإنساني، ثم يتحول تدريجيًا إلى الانفعال والعصبية، في انعكاس واضح لثقل الموقف وتكراره، وهو ما يمنح الفيلم تصاعدًا داخليًا دون الحاجة إلى أحداث كبيرة أو مفاجآت مفتعلة.

على مستوى الرمزية، يقدّم الفيلم واحدة من أقوى إشاراته البصرية في تعبيره عن علاقة البطل بزوجته الخائنة، حيث يشبّه المخرج هذا الحب بتمثال صامت. يقف البطل أمام التمثال، ويجري مكالمة هاتفية معها، بينما نسمع أن الهاتف مغلق، ومع ذلك يستمر في الحديث، وكأن الاتصال لم ينقطع. في هذا المشهد، لا يحاور البطل زوجته بقدر ما يحاور وهمه، ويتشبث بصورة جامدة لا تملك ردًا ولا حياة.

هذا المشهد يؤسس لفكرة محورية في الفيلم، مفادها أن الحب حين يفقد توازنه، ويتحول إلى تعلق أعمى، يصبح قوة تدميرية، قادرة على تشويه الإنسان من الداخل، وتحويله إلى متشرد نفسي، تائه بين ما كان وما لن يعود. فالخيانة هنا لم تسرق المال فقط، بل سحبت الإحساس بالأمان، والقدرة على التصديق، والرغبة في الاستمرار.

بصريًا، يقدّم المخرج كادرات شديدة القوة والدقة، خاصة في مشاهد التركيز على تعبيرات وجه البطل، حيث تلعب الانفعالات الدقيقة دورًا أساسيًا في نقل التحولات النفسية، دون اعتماد مفرط على الحوار. الكاميرا تقترب حين يلزم القرب، وتبتعد حين يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلمات، في اختيار واعٍ يخدم الحالة الشعورية العامة.

ويبرز أداء البطل بوصفه حجر الزاوية في الفيلم، حيث يعتمد على رتم هادئ، متزن، يبتعد عن الانفعال الزائد، ويمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا يجعل المشاهد يتفاعل معها، لا بوصفها ضحية فقط، بل إنسانًا أخطأ في التقدير ودفع الثمن. كما جاء أداء موظف البنك مكملًا لهذه الحالة، متنقلًا بين التعاطف والضيق والعصبية، في تجسيد واقعي لحدود الصبر الإنساني.

تلعب الموسيقى دورًا داعمًا دون افتعال، حيث تُستخدم بحساسية عالية، لتكثيف الشعور بالفقد دون فرض إحساس بعينه على المشاهد. أما اختيارات الأماكن، فجاءت شديدة الدلالة، خاصة مشهد سير البطل على جسر حديدي، في صورة بصرية توحي بالعبور المستحيل، وكأن الشخصية تسير دائمًا فوق حافة، دون أن تصل إلى ضفة آمنة.

ويُعد مشهد نظرة البطل الطويلة إلى فترينة التمثال من أبرز مشاهد الفيلم، حيث يختزل هذا التوقف البصري حالة التعلق والإنكار في صورة واحدة، صامتة، لكنها مشحونة بالدلالات، تؤكد قدرة المخرج على التعبير بالصورة أكثر من الحوار.

في مجمله، ينجح فيلم «سحب ولا إيداع» في تقديم قراءة سينمائية ناضجة لمفهوم الخسارة، لا بوصفها نهاية، بل كتحول قاسٍ في مسار الإنسان. فيلم يطرح تساؤلات مؤلمة عن الثقة، والحب، والسلطة، والهشاشة النفسية، ويؤكد أن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس المال، بل ذاته حين يسلّمها لوهم لا رصيد له ، العمل من تمثيل مجدى الجولى ، أسامة القزاز ، مونتاج عمرو سليم ، مدير التصوير محمد هانى .

جدير بالذكر أن العمل شارك فى المسابقة المصرية بالدورة السابعه لمهرجان القاهرة للفيلم القصير .

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: المعهد العالي للسينما الفن الوفد

إقرأ أيضاً:

البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري

أكد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن بناء الإنسان المصري يبدأ من مرحلة الطفولة، مشددًا على أهمية تقديم المعرفة للأطفال بأسلوب مبسط يربطهم بتاريخ وطنهم ويعزز لديهم مشاعر الانتماء والمسؤولية.

تعريف الأطفال بمعاني الرموز الوطنية

وخلال حديثه عن مشاركته في ملتقى "لوغوس جونيور"، أوضح البابا تواضروس خلال مداخلة هاتفية ببرنامج مساء دي إم سي أنه حرص على تعريف الأطفال بمعاني الرموز الوطنية، ومن بينها العلم المصري، حيث قدم لهم شرحًا مبسطًا لدلالات ألوانه، موضحًا أن اللون الأبيض يرتبط بسكان السواحل الشمالية، بينما يعبر الأحمر عن البحر الأحمر وسيناء، ويمثل الأسود وادي النيل وتربته التي شكلت جانبًا مهمًا من تاريخ وحضارة مصر، فيما يرمز النسر في منتصف العلم إلى القوات المسلحة ودورها في حماية الوطن.

تشكيل وجدان الطفل

وأشار قداسته إلى أن غرس الوعي الوطني لا يعتمد فقط على المعلومات، بل يحتاج إلى شخصيات مؤثرة تشارك في تشكيل وجدان الطفل، وفي مقدمتها معلم المرحلة الابتدائية، مؤكدًا أن هذه المرحلة تعد حجر الأساس في تكوين شخصية الطفل وأسلوب تفكيره وقيمه.

البابا تواضروس: أطفال مصر بذور المستقبل.. وغرس الانتماء يبدأ من الصغرجرعة وطنية تنويرية.. البابا تواضروس يروي 5 حكايات عن مصر لأطفال لوجوس چونيوررسالة وطنية من البابا تواضروس للأطفال.. «حب مصر» يبدأ من القلوب الصغيرةالبابا تواضروس للأطفال: اعرفوا مصر أولًا.. وخمس حكايات تغرس حب الوطن في القلوب

واستعاد البابا تواضروس ذكريات عدد من معلميه الذين كان لهم دور بارز في حياته، موضحًا أن المعلم في السنوات الأولى لا يؤدي مهمة تعليمية فقط، بل يساهم بشكل مباشر في بناء الإنسان وصياغة شخصيته، وهو ما يجعل اختيار معلمي المرحلة الابتدائية مسؤولية كبيرة.

وفي سياق متصل، تحدث البابا عن التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة على الأطفال، محذرًا من أن الاستخدام غير المتوازن لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي قد يؤثر على طبيعة العلاقات الإنسانية والتواصل داخل الأسرة.

وأكد ضرورة تحقيق معادلة متوازنة بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على الجوانب الإنسانية والعاطفية لدى الأطفال، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان وليس بديلًا عن المشاعر والعلاقات التي تشكل أساس المجتمع.

طباعة شارك البابا تواضروس البابا تواضروس الثاني تشكيل وجدان الطفل القوات المسلحة

مقالات مشابهة

  • روسيا وإسرائيل تعارضان تمديد ولاية تورك كمفوض أممي لحقوق الإنسان
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • «نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
  • برج الثور| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 .. إنجاز عملك
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • مستشار أممي: الأهرامات وهوية مصر الحضارية رصيد لا يحتاج إلى تعريف
  • نجوم الغناء يحتفلون بنجاح ألبوم تامر عاشور «مراية الحب»
  • أحمد سعد ورامي صبري ورامي جمال يهنئون تامر عاشور على "مراية الحب"