تشهد إيران، منذ نحو ثلاثة أيام متواصلة، موجة احتجاجات واسعة تتركز بشكل أساسي في العاصمة طهران، على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، في تطور لافت أعاد إلى الواجهة سيناريوهات تاريخية ارتبطت بتحركات السوق والشارع في لحظات مفصلية من تاريخ البلاد.

وبحسب مصادر متابعة، انضم تجار “البازار الكبير” في طهران إلى الطلاب المحتجين، وهي خطوة نادرة الحدوث، لكنها ذات دلالة كبيرة في الذاكرة السياسية الإيرانية، إذ لعب تجار السوق ورجال الدين دورا محوريا في إسقاط نظام الشاه عام 1979.



وفي هذا السياق، قالت خبيرة الشأن الإيراني الدكتورة تمار إيلام غيندين، الباحثة الزميلة في معهد عزري لدراسة إيران والخليج الفارسي بجامعة حيفا، في حديث لصحيفة “إسرائيل اليوم” نقله الصحفي آساف غولان، إن “انضمام تجار البازار تطور بالغ الأهمية من الناحية الرمزية والتاريخية، غير أنه لا يمكن الجزم بالمسار الذي ستتخذه هذه الاحتجاجات”.

وأضافت أن “جزءا كبيرا من الاحتجاجات اليوم يجري عبر الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، وليس في الشارع كما كان الحال في الاحتجاجات السابقة، ما يجعل تقييم قوتها وتأثيرها أكثر تعقيدا”.

أسبوع الغضب.. ثم القمع
وحذرت غيندين من التسرع في الحكم على مصير الاحتجاجات، مشيرة إلى أن النظام الإيراني يتبع نمطا متكررا في التعامل مع مثل هذه الأزمات. وقالت: “عادة ما يسمح النظام بأسبوع من المظاهرات كتنفيس عن الغضب الشعبي، ثم ينتقل في الأسبوع التالي إلى قمع شديد. لذلك، لم ينته الأسبوع الأول بعد، ومن الصعب التنبؤ بما سيحدث لاحقا”.

وشرحت الباحثة نهج السلطات في طهران، موضحة أن “النظام يهتم قبل كل شيء بالبقاء، ولذلك يمارس الضغط على من يستطيع الضغط عليهم، ويتخلص من العناصر المتطرفة التي ترفض التفاهم معه، في محاولة للجمع بين الترغيب والترهيب”.


خطاب التهدئة وحدوده
وأشارت غيندين إلى أن هذا النهج يتكرر في الاحتجاجات الحالية، لافتة إلى دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الاستماع لمطالب المحتجين. وقالت إن النظام “يدعو قادة الاحتجاجات إلى الحوار والعمل المشترك لإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية، في محاولة لتهدئة الأوضاع المتوترة”.

وأضافت أن هذه السياسة تفسر “قلة المقاطع المصورة التي تظهر استعراضا مفرطا للقوة أو إطلاق نار مباشر على الحشود، رغم وجود بعض الحالات المحدودة”.

الحوار مع واشنطن.. بإذن المرشد
ولفتت الخبيرة إلى أن تصريحات بزشكيان المعتدلة نسبيا ليست جديدة، إذ سبق له أن دعا إلى الحوار مع الولايات المتحدة، وتحدث علنا عن صعوبة الوضع الاقتصادي في البلاد.

غير أنها شددت على أن “الرئيس الإيراني لا يتحدث في مثل هذه القضايا إلا بموافقة المرشد الأعلى علي خامنئي”، مؤكدة أن “الرئيس لا يملك سلطة حقيقية، بل يستخدم كأداة للتواصل مع الشارع، وفي أحيان كثيرة ككبش فداء لتحميله مسؤولية الفشل”.

وأوضحت أن ضعف موقع الرئيس ظهر جليا عندما دعا إلى الحوار مع واشنطن، فتلقى توبيخا فوريا من خامنئي واضطر للتراجع. لكنها كشفت في الوقت ذاته عن تطور لافت، تمثل في توجه رؤساء السلطات الثلاث – البرلمان، والرئاسة، والسلطة القضائية – إلى خامنئي لإقناعه بالعدول عن موقفه والموافقة على التفاوض مع الولايات المتحدة.

النظام ومرونة البقاء
وبحسب غيندين، فإن النظام الإيراني يظهر قدرا من المرونة عندما يواجه احتجاجات قوية تهدد استقراره، مع الاستمرار في ردع العناصر المتطرفة. وقالت: “عندما تندلع احتجاجات واسعة، يتراجع النظام تكتيكيا، كما حدث في احتجاجات 2022 بعد مقتل مهسا أميني، حين استمرت الاحتجاجات ستة أشهر، واضطر النظام بعدها إلى التخفيف من تطبيق قوانين الحجاب”.

لكنها في المقابل أشارت إلى تصاعد غير مسبوق في القمع خلال العام الماضي، تمثل في الارتفاع الحاد في أعداد الإعدامات، من نحو 160 حالة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 إلى 260 حالة في تشرين الثاني/ نوفمبر، إضافة إلى تزايد عمليات الإعدام العلنية، وإن كانت تنفذ على نطاق محدود.


هدف واحد.. البقاء
وعند سؤالها عن الهدف الحقيقي للنظام، أجابت غيندين بوضوح: “يريد النظام قبل كل شيء البقاء. القادة يدركون أن سقوط النظام يعني أن الجميع سيكونون في مأزق بسبب الفساد المستشري. رأس هذا الفساد هو خامنئي نفسه، ولذلك لا يمتلك النظام أي مشروع سياسي طويل الأمد يتجاوز الحفاظ على السلطة”.

وأضافت أن النظام يتعلم من تجارب الأنظمة الديكتاتورية الأخرى، ولهذا أنشأ الحرس الثوري لتقليص فرص أي انقلاب عسكري. غير أن حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل – وفق تعبيرها – كشفت عن وجود عملاء إسرائيليين داخل الحرس الثوري نفسه، ما يشير إلى أن الولاء داخل هذه المؤسسة ليس مطلقا.

وختمت بالقول إن “النظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والاحتجاجات، ولذلك يجب التعامل بواقعية مع احتمالات سقوطه، إذ لا يمكن الجزم بما ستؤول إليه التطورات في هذه المرحلة”.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية إيران المظاهرات بزشكيان إيران مظاهرات بزشكيان المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إلى أن

إقرأ أيضاً:

بعد 94 يوماً من التأجيل.. إيران تعلن مكان تشييع ودفن خامنئي

 أعلنت السلطات الإيرانية استكمال الترتيبات الخاصة بمراسم تشييع ودفن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، وذلك بعد مرور 94 يوماً على تأجيل الجنازة الرسمية التي كانت مقررة في مارس الماضي بسبب الظروف الأمنية والعسكرية التي شهدتها البلاد آنذاك.

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام إيرانية رسمية، فإن الجهات المختصة شكّلت لجنة خاصة للإشراف على مراسم التشييع والجنازة، مع توقعات بمشاركة شعبية واسعة من مختلف المحافظات الإيرانية. 

وأكد رئيس مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في طهران أن الاستعدادات اللوجستية والتنظيمية وصلت إلى مراحل متقدمة تمهيداً للإعلان النهائي عن موعد المراسم.

وكانت إيران قد أعلنت في الرابع من مارس 2026 تأجيل مراسم التشييع التي كان مقرراً إقامتها في العاصمة طهران، مشيرة إلى أن تحديد موعد جديد سيتم لاحقاً وفقاً للظروف الأمنية. وجاء القرار بعد ساعات من الإعلان عن تفاصيل أولية لمراسم العزاء والتشييع التي كانت ستستمر عدة أيام.

لبنان.. كاتس يزعم حصول إسرائيل على ضوء أخضر أمريكي لضرب بيروتوزير الخارجية يتوجه إلى طوكيو في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

وفيما يتعلق بمكان الدفن، أفادت وكالة فارس الإيرانية ووسائل إعلام عربية بأن جثمان خامنئي سيوارى الثرى في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، مسقط رأسه وأحد أهم المراكز الدينية في البلاد، حيث يقع مرقد الإمام الرضا الذي يحظى بمكانة خاصة لدى الشيعة. كما أن والد خامنئي مدفون في المدينة نفسها، وهو ما عزز التوجه لاختيارها مقراً للدفن.

وكانت وفاة خامنئي قد أدخلت إيران في مرحلة انتقالية سياسية ودستورية، حيث تولى مجلس قيادة مؤقت إدارة شؤون البلاد إلى حين استكمال الإجراءات الخاصة باختيار مرشد أعلى جديد، وفق الآليات المنصوص عليها في الدستور الإيراني. وأشارت تقارير إيرانية إلى أن عملية اختيار القيادة الجديدة ترتبط بشكل وثيق بانتهاء مراسم التشييع والدفن الرسمية.

ويرى مراقبون أن الجنازة المرتقبة ستكون من أكبر المراسم الرسمية التي تشهدها إيران منذ عقود، نظراً للدور الذي لعبه خامنئي في قيادة الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود، فضلاً عن رمزية مدينة مشهد الدينية والسياسية في الوجدان الإيراني. 

كما تتوقع السلطات مشاركة واسعة من المسؤولين والشخصيات الدينية والسياسية، إلى جانب حشود شعبية كبيرة من داخل إيران وخارجها.

طباعة شارك خامنئي ايران طهران الحرب امريكا

مقالات مشابهة

  • إيران تعلن ترتيبات جنازة خامنئي.. ما القصة؟
  • إيران تكشف عن خطة تشييع المرشد علي خامنئي ومكان دفنه
  • قتيلان خلال احتجاجات في كينيا رفضاً لمركز أمريكي لعلاج إيبولا
  • الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
  • نتنياهو: النظام الإيراني لن يعود لتهديد وجود إسرائيل
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • بعد 94 يوماً على اغتياله.. إيران تكشف تفاصيل جديدة حول تشييع علي خامنئي
  • نتنياهو: لن يعود النظام الإيراني لتهديد وجود إسرائيل
  • بعد 94 يوماً من التأجيل.. إيران تعلن مكان تشييع ودفن خامنئي
  • نتنياهو: أسس النظام الإيراني تصدعت ونهايته السقوط