كيف دمر الاحتلال مدينة غزة بناقلات جند ملغمة؟.. تقرير لرويترز تجيب
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
خلص تقرير لوكالة رويترز إلى أن دولة الاحتلال نشرت على نطاق واسع، في الأسابيع التي سبقت وقف إطلاق النار في غزة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، سلاحاً جديداً تمثل في تحميل ناقلات جنود مدرعة من طراز "إم113" بما يتراوح بين طن وثلاثة أطنان من المتفجرات بدلاً من الجنود.
وأظهرت لقطات من طائرات مسيرة وأقمار صناعية أنه مع تقدم قوات جيش الاحتلال الإسرائيلية نحو وسط مدينة غزة، دمرت هذه القنابل القوية، إلى جانب الغارات الجوية والجرافات المدرعة، مساحات شاسعة من المباني وسوتها بالأرض.
ونقلت الوكالة عن هشام محمد بدوي، قوله إن منزله المؤلف من خمسة طوابق في شارع الدولة بضاحية تل الهوا الراقية، والذي تضرر جراء غارة جوية في وقت سابق من الحرب، جرى تدميره بالكامل جراء انفجار ناقلة جند في 14 أيلول/سبتمبر، ما أدى إلى تشريده هو و41 من أفراد عائلته.
وأوضح بدوي، الذي كان على بعد بضع مئات الأمتار من المنزل، أنه سمع دوي انفجار خمس ناقلات جند مدرعة على الأقل على فترات زمنية مدتها خمس دقائق تقريبا. وأضاف أنه لم يتلق أي تحذير بالإخلاء قبل الهدم وأن أفراد أسرته نجوا بمعجزة في خضم الانفجارات وإطلاق النار الكثيف.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية هدم عدة مبان في نفس المربع السكني في الفترة نفسها تقريبًا. وقال بدوي إن أفراد العائلة يقيمون الآن مع أقارب آخرين لهم في أنحاء مختلفة من المدينة، بينما يعيش هو في خيمة بجوار منزله السابق.
وأضاف بدوي قائلًا إن الحي والشارع الذي يقطن به لحقه دمار كبير. وقال: "ما صدقناش إنو هذا الحي تبعنا.. هذا الشارع تبعنا.. هذا اللي كنا عايشين فيه لأكتر من 40 سنة".
أطنان المتفجرات سوت المنازل بالأرض
ولإعداد سرد مفصل لدور القنابل التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في تل الهوا وحي الصبرة المجاور في الأسابيع الستة التي سبقت وقف إطلاق النار، تحدثت رويترز إلى ثلاثة مصادر أمنية إسرائيلية، وبريغادير جنرال متقاعد في الجيش الإسرائيلي، وعسكري احتياط إسرائيلي، ومسؤولين في غزة، وثلاثة خبراء عسكريين.
قال سبعة من سكان مدينة غزة إن منازلهم أو منازل جيرانهم سُويت بالأرض أو تضررت بشدة جراء الانفجارات التي شبهها عدد منهم بالزلزال. وأكد تحليل للقطات رويترز أجراه خبيران عسكريان وجود حطام ناقلتي جند مدرعتين على الأقل بين الأنقاض في مواقع بمدينة غزة.
تلك ناقلات الجند القديمة، أو ما يمكن تسميته بـ”النفايات العسكرية”، أخرجتها إسرائيل من الخدمة منذ عشرات السنين بعد أن استبدلتها بآليات أكثر تطوراً وحماية. واليوم تعيد استخدامها في نسف الأحياء السكنية، إذ تقوم بحشوها بكميات كبيرة من المتفجرات، ثم تدفعها إلى داخل حيّ مأهول وتفجره… pic.twitter.com/30VKq5g2Js — Tamer | تامر (@tamerqdh) September 21, 2025
واستنادًا إلى مساحة المقصورة وحطام دروع المركبات، قدّر ثلاثة خبراء عسكريين أن إسرائيل حمّلت ناقلات الجند المدرعة بما يترواح بين طن وثلاثة أطنان من الذخائر. وقالوا إن بعض الذخائر كانت على الأرجح نترات الأمونيوم أو مستحلبات غير عسكرية، لكن هذا الاستنتاج لا يمكن تأكيده دون إجراء اختبارات كيميائية.
وقال الخبيران اللذان فحصا لقطات رويترز لمنطقة الانفجار وبقايا المركبة إن مثل هذا الانفجار الذي وقع باستخدام عدة أطنان من المتفجرات يمكن أن يعادل قوة أكبر القنابل الإسرائيلية المحمولة جوًّا، وهي القنبلة مارك 84 الأمريكية الصنع التي تزن 2000 رطل.
ويمكن أن يتسبب الانفجار في تناثر شظايا المركبة لمئات الأمتار وتدمير الجدران الخارجية وأعمدة المباني القريبة. وقال الخبيران إن موجة الانفجار قد تكون قوية بما يكفي لانهيار مبنى متعدد الطوابق.
أمر غير معتاد.. فقط لدى "إسرائيل"
تُستخدم ناقلات الجند المدرعة عادة في نقل القوات والمعدات في ساحة المعركة. وقال الخبراء العسكريون الثلاثة الذين استشارتهم رويترز إن استخدام هذه المركبات كقنابل أمر غير معتاد إلى حد بعيد وربما يؤدي إلى إلحاق أضرار جسيمة بمساكن المدنيين.
وفي رده على أسئلة مفصلة من رويترز خلال إعداد التقرير، زعم الجيش الإسرائيلي أنه ملتزم بقواعد الحرب. وفيما يتعلق بما تُرَدَّد عن تدمير البنى التحتية المدنية، قال الجيش الإسرائيلي إنه استخدم ما سماه معدات هندسية فقط "لأغراض عملياتية أساسية"، دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل.
وأضاف الجيش أن قراراته تستند إلى مقتضيات الضرورة العسكرية والتمييز والتناسب.
وفي مقابلة مع رويترز في غزة لهذا التقرير، قال المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم: "عمليات الهدم التي نفذتها إسرائيل باستخدام تلك الآليات المدرعة كانت تهدف إلى تهجير سكان المدينة على نطاق واسع".
هذا ما ترتكبه إسرائيل عبر استخدام العربات العسكرية المفخخة "الريبورت".
تفجير المنازل بمتفجرات تتجاوز حمولتها 8 أطنان، أي ما يعادل قوة 16 صاروخًا تطلقها مقاتلة F-16 لتخلّف دمارًا هائلًا ومحوًا كاملاً للأحياء المستهدفة. pic.twitter.com/L2zqPJ4fmD — أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) August 31, 2025
ووصف البريجادير جنرال المتقاعد في الاحتياط أمير أفيفي، مؤسس منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، وهو مركز أبحاث، هذا السلاح بأنه أحد "ابتكارات حرب غزة". وقال مصدر أمني إن استخدامه المتزايد جاء في ظل التعامل مع قيود فرضتها الولايات المتحدة على نقل قنابل ثقيلة من طراز مارك 84 المحمولة جواً وجرافات كاتربيلر.
رويترز أكدت أيضاً عدم استجابة جيش الاحتلال ومكتب نتنياهو ووزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض ووزارة الحرب الأمريكية لأسئلة الوكالة بشأن أسباب هذا التحول التكتيكي.
وقبل الحرب كانت تل الهوا والصبرة، وهي منطقة تاريخية تضم منازل متواضعة في جنوب وسط مدينة غزة، تعج بالمخابز ومراكز التسوق والمساجد والبنوك والجامعات، أما الآن، فقد تحولت أجزاء كبيرة منها إلى أنقاض.
وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته رويترز أن نحو 650 مبنى في الصبرة وتل الهوا والمناطق المحيطة بها قد دمرت في الأسابيع الستة بين الأول من أيلول/سبتمبر وأيلول و11 تشرين الأول/أكتوبر.
هدم بزعم ضرورة عسكرية!
وقال اثنان من فقهاء القانون الدولي ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان واثنان من الخبراء العسكريين الذين راجعوا النتائج التي توصلت إليها رويترز، إن استخدام مثل هذه المتفجرات الكبيرة في مناطق حضرية سكنية كثيفة قد أخل بمبادئ القانون الإنساني التي تحظر مهاجمة البنية التحتية المدنية واستخدام القوة غير المتناسبة.
إبادة أبراج المدينة.. الاحتلال الإسرائيلي يواصل نسف المباني السكنية في مناطق مختلفة من مدينة غزة #تفاعل ليصل إليك كل جديد pic.twitter.com/AcbIIIZNGn — TRT عربي (@TRTArabi) September 12, 2025
وقال أجيث سنغاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة لرويترز، إن التذرع "أساسًا بأن بعضها (المباني) قد يكون ملغومًا" أو استخدمته قناصة حماس في السابق لا يكفي لتبرير التدمير الشامل، في إشارة إلى ادعاء إسرائيل بأن حماس وضعت عبوات ناسفة بدائية في المنازل، وهو ما تنفيه حماس.
وقال سنغاي إن هدم البنية التحتية المدنية، إن لم يكن نتيجة لضرورة عسكرية، فإنه قد يرقى إلى مستوى التدمير الوحشي للممتلكات، وهو ما يعد جريمة حرب.
أما أفونسو سيكساس نونيس، الأستاذ المساعد في كلية القانون بجامعة سانت لويس، فقد حاول أن يبرر تلك الهجمات الوحشية، قائلاً: "المباني قد تفقد الحماية القانونية وتصبح أهدافاً في بعض الحالات إذا كان لدى إسرائيل أدلة على استخدام حماس لها لأغراض عسكرية"، ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلبات من رويترز لتقديم مثل هذه الأدلة.
81 بالمئة من مباني غزة تعرضت لأضرار أو دمار
ووفقًا لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، يعكس مستوى الدمار اتجاهًا أوسع نطاقًا؛ فقد تعرضت 81 بالمئة من مباني غزة لأضرار أو دمار خلال الحرب. وذكر المركز في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن المنطقة التي تضم مدينة غزة شهدت معظم الأضرار منذ شهر تموز/يوليو، إذ تضرر نحو 5600 مبنى جديد.
وفي آب/أغسطس الماضي، اعترف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للصحفيين بأن إسرائيل حمَّلت ناقلات جند مدرعة بأطنان من المتفجرات، بزعم أن حماس زرعت عبوات ناسفة في "كل مبنى تقريبًا" بالمناطق التي تم إخلاؤها.
وقال نتنياهو: "نحن نفجّرها، وهي تُفجّر جميع العبوات الناسفة. لهذا السبب ترون الدمار". وفي رده على أسئلة هذا التقرير، نفى قاسم، المتحدث باسم حماس، زرع عبوات ناسفة في المباني وقال إن حماس لا تملك القدرة على وضع عبوات ناسفة بالحجم الذي تدعيه إسرائيل.
القوات تدخل مدينة غزة
تقول رويترز في تقريرها، إن القوات الإسرائيلية دخلت مدينة غزة بهدف معلن هو القضاء على حماس وتحرير الرهائن الذين يحتجزهم المسلحون، وأمرت إسرائيل بإخلاء المدينة بالكامل في أيلول/سبتمبر.
ومع تقدم القوات مدعومة بالدبابات والغارات الجوية، ألحقت القوات أضرارًا جسيمة بالضواحي الشرقية قبل أن تقترب من المناطق المركزية للمدينة التي كان معظم النازحين يحتمون بها، حيث فر مئات الآلاف جنوبًا. وقدرت الأمم المتحدة أن ما بين 600 ألف و700 ألف شخص بقوا في المدينة.
أقر وزير الحرب الإسرائيلي بأن جنوده هدموا 25 برجًا، زعم الاحتلال أن تحتها أنفاقًا لحماس أو كانت تستخدم نقاطًا للمراقبة. ويقول مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن إسرائيل لم تقدم أي دليل على أن هذه المباني كانت أهدافًا عسكرية.
ومن بين الدمار الذي شوهد في الصبرة وتل الهوا والرمال الجنوبي بين الأول من أيلول/سبتمبر و11 تشرين الأول/أكتوبر، حددت رويترز برج الرؤيا الذي كان يضم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهو مكتب بارز لحقوق الإنسان كان يعمل مع منظمة كريستيان إيد الخيرية، وبرج الرؤيا 2 الذي كان يضم مزيجًا من مكاتب الشركات والشقق السكنية والذي أسقطته الغارات الجوية في السابع والثامن من أيلول/سبتمبر.
كما تم تدمير اثنين من مباني الجامعة الإسلامية في غزة ومسجد في الحرم الجامعي. وفي إحدى زوايا تل الهوا المكونة من ستة مربعات سكنية، هُدمت جميع المباني تقريباً، والتي يتجاوز عددها الإجمالي 60 مبنى.
وبخلاف واقعتي تفجير ناقلتي الجند اللتين تم تحليلهما بالتفصيل في هذا التقرير، والغارات الجوية على الأبراج التي تم تصويرها بالفيديو، لم تستطع رويترز تحديد الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل لهدم المباني أو العدد الإجمالي لناقلات الجند التي تم تفجيرها منذ آب/أغسطس وحتى وقف إطلاق النار.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن الجيش فجر المئات من ناقلات الجنود في تلك الفترة بما يصل إلى 20 يوميا.
وزن جزء واحد من ناقلة الجند الملغمة يصل إلى مئات الكيلوغرامات
من بين المباني التي تم تدميرها كان منزل عائلة بدوي الذي يعود تاريخه إلى أربعة عقود، إلى جانب أكثر من 20 مبنى مجاورًا في الفترة ذاتها، وقال بدوي إنهم لم يستطيعوا التعرف على منزل العائلة.
وقال خبيران عسكريان إن لقطات رويترز للمنطقة أظهرت بقايا ناقلة جند واحدة على الأقل تم تفجيرها، كما قال عسكري متقاعد، وكان من كبار ضباط الجيش البريطاني في مجال إبطال القنابل، إن الانفجار فصل أحد أجزاء ناقلة جند مدرعة واحدة عن أجهزة تشغيلها و"قذفها فعليًا إلى أعلى سطح" مبنى متعدد الطوابق، مشيرًا إلى أن وزن الجزء الواحد من ناقلة الجند المدرعة "إم113" يصل إلى مئات الكيلوغرامات.
وقال جاريث كوليت، وهو عسكري بريطاني متقاعد برتبة بريغادير جنرال وخبير بارز في مجال المتفجرات وإبطال القنابل، إن قطعة معدنية سميكة مكسورة وعجلة مشطورة إلى نصفين، وكلاهما مبعثران في العقار، يتوافقان مع تفجير من داخل ناقلة الجنود المدرعة، وقال إن الحجم الكبير للشظايا يدل على وجود متفجرات تجارية منخفضة الطاقة.
"عودة إم113"
قال المؤرخ العسكري ياجيل هينكين إن الآلاف من آليات "إم113" التي تم شراؤها من الولايات المتحدة بعد حرب يوم الغفران في السبعينيات، اعتُبرت غير كافية لحماية الجنود وتم إيقافها.
ولم ترد شركة "إف.إم.سي كورب"، وهي في الأصل الشركة المصنعة الرئيسية للمركبة "إم113"، على طلبات من رويترز للتعليق على استخدامها سلاحًا وما يرتبط بذلك من مخاوف محتملة تتعلق بحقوق الإنسان، كما لم ترد شركة "بي.إيه.إي سيستمز"، التي توفر حاليًا صيانة هذه المركبة عالميًا، على أسئلة رويترز حول استخدام إسرائيل الجديد لها مكتفية بقول إنها لا تنفذ حاليًا أي مبيعات عسكرية مباشرة إلى إسرائيل.
وأظهرت وثائق منشورة أن إسرائيل طرحت عطاءً دوليًا علنيًا في أيار/مايو لبيع عدد غير محدد من مركبات "إم113"، كما أظهر منشور بدون تاريخ على موقع وزارة الحرب الإسرائيلية إلغاء هذا العطاء لاحقًا، وقال أحد المصادر الأمنية لرويترز إن الإلغاء سمح لإسرائيل بتوسيع نطاق إعادة استخدام "إم113".
ويعود تاريخ أول تقارير إعلامية عن تفجير ناقلة جند مدرعة في غزة إلى منتصف عام 2024، وقال المصدر إن استخدام إم113 كأداة تفجير تسارع هذا العام عندما حدّت إسرائيل من استخدامها لنقل الجنود، وذلك بعد أن أوقفت الولايات المتحدة تسليم قنابل مارك 84 بسبب مخاوف من استخدامها في المناطق السكنية.
جرافة "كاتربيلر دي9"
قال أحد المصادر الأمنية إن الاستخدام المتزايد لناقلات الجنود المدرعة كقنابل تزامن أيضًا مع نقص في إسرائيل في الجرافة العملاقة "دي9" التابعة لشركة كاتربيلر الأمريكية والتي يستخدمها الجيش الإسرائيلي منذ فترة طويلة في عمليات الهدم.
وقال المصدر إن حماس استهدفت بكثافة الجرافات "دي9" في وقت سابق من الحرب، مما أسفر عن مقتل أو إصابة عسكريين وإلحاق أضرار بالمركبات. وبسبب انزعاجها من استخدامها في هدم المنازل، أوقفت الولايات المتحدة مبيعات "دي9" إلى إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مما زاد من حدة النقص في هذه الآليات لكن جرى استئناف نقلها بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي.
ولم ترد كاتربيلر على أسئلة رويترز حول الاستخدام العسكري لآلياتها في عمليات الهدم في غزة، ولم تعلق من قبل علنا على هذا الأمر، وقال مصدر أمني آخر إنه في ظل هذا النقص، بدأ الجيش في استخدام وسائل أخرى للهدم، منها ناقلات الجند المدرعة.
وقال داني أورباخ، وهو مؤرخ عسكري إسرائيلي، لرويترز إن عمليات الهدم أمر طبيعي خلال الحرب وصارت ضرورية في غزة بسبب الأنفاق ونصب الكمائن. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدًا بشكل كافٍ لهذا النوع من القتال المعقد، ما أدى إلى استنتاج أنه "لا سبيل آخر لخوض مثل هذه الحرب سوى تدمير جميع المباني فوق الأرض".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية حرب غزة حرب غزة حرب الابادة دمار غزة نسف غزة المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تشرین الأول أکتوبر الولایات المتحدة الجیش الإسرائیلی لحقوق الإنسان الأمم المتحدة الجند المدرعة من المتفجرات ناقلات الجند أیلول سبتمبر عملیات الهدم عبوات ناسفة إن استخدام جند مدرعة مدینة غزة على أسئلة ناقلة جند أطنان من تل الهوا التی تم فی غزة
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.