راشيل.. إنهم الصغار
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
سعيدة بنت أحمد البرعمية
عندما كتب نزار قباني قصيدته "راشيل" التي اختصرت التَّخطيط الغربي للنكبة وما حلَّ بالشعب الفلسطيني من اغتصاب لأرضه وخذلان أشقائه العرب له، استهلها بقوله: "أكتب للصغار" كان يدرك مدى هشاشة الأمة حينها وما اعتملته فيها الأمم المتحدة وما ألمَّ بها من أخطاء الكبار وتوقيعهم معاهدات السلام، والتي بدورها أباحت التنازلات وآلت بالأمة إلى الدمار تحت شعار السلام، لذا لم يوجه خطابه سوى للصغار، إيماناً منه بقوة الأجيال، وبالفعل توالت انتفاضات الصغار وما زالت تنتفض، الانتفاضة تلو الأخرى لاستعادة ما "اغتصبته راشيل" ولإصلاح ما أفسده الكبار.
لمن المنبر بعد المُلثم؟
عندما نسأل طفلا لم يتجاوز عمره ثمان سنوات، ماذا تريد أن تكون؟ ويجيب بكل بيقين: "أريد أن أكون أبو عبيدة"؛ فهذا يعكس مدى تأثير هذه الشخصية في نفوس الصغار؛ فلم يكن الناطق الرسمي للقسام مجرد إعلامي يقرأ صفحات معدة مصاحبة بمؤثرات صوتية ومرئية وأناقة الملبس وعلى وجهه طبقة عالية الجودة من الكونسلر والفاونديشن، كما اعتدنا أن نشاهد على قنوات الأخبار، كان يظهر بحلة الحرب التي لا توحي بأي سرور، وكان يبدو غامضا لا يستطيع أي منَّا تخيل ملامحه، ولطالما أمعنا النظر في عينيه وهيئته ونبرة صوته ومخارج الحروف لديه، وبالرغم من كل الغموض المحيط به إلا أنه ثمَّة شغف مضاعف لجعل جميع الحواس آذانا صاغية لسماعة، والتوقف عند شتى المفردات التي يبعثها من معاجم اللغة القديمة مجبرا قنوات الأخبار على بثها وتداولها بالرغم من سطوة لغة العصر وكثرة اللهجات، لقد كسب إعجاب الصغار وأخذوا يقلدونه في الهيئة والخطاب، مما جعل شخصيته تستحوذ على عقول النشء ويتأثرون به، لهذا لم يمت أبو عبيدة؛ بل تقاسمته نفوس الصغار، إنه أحد الصغار في قصيدة نزار الذي سيُولد بلا شك طوفانا عظيما من الصغار.
لا شك أن للصغار قدرة على اعتلاء منبر الملثم، فالأيام تثبت لنا مع الزمن قوة الصغار، فهم المعنيون باستلام الراية دون استسلام، فحين أقول لا يوجد في الوطن العربي بيت لا يخلو من أبي عبيدة فإني لا أبالغ.
في هذا المقال لن أكتب عن أبي عبيدة، هُنا أكتب على نهج نزار إيمانا أنَّ الأقصى على موعد مع الصغار.
لقد شهد تاريخ المقاومة بالفعل ما قام به الصغار، بدءًا بالهبات ما بعد النكبة، والتي استمرت لعدة سنوات بالرغم من أنها لم تكن انتفاضات منظمة بالكامل؛ إلا أنها مقاومة شعبية بأدواتها البسيطة وقوة عزيمتها ضد الاحتلال، شملت محاولات عودة اللاجئين وعمليات فدائية ضد الاحتلال، مروا بهبة يوم الأرض إثر احتجاجات واسعة لإيقاف مصادرة الأراضي الفلسطينية، ومن ثَم انتفاضة الحجارة التي اندلعت في قطاع غزة والضفة الغربية تلتها انتفاضتا الأقصى الأولى والثانية، بعد اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى، خلفت الآلاف من الشهداء والمصابين من الجيل الذي كتب إليه نزار، تلا ذلك مجموعة من الهبات والمسيرات كهبة القدس وهبة باب الأسباط ومسيرات العودة الكبرى وهبة سيف القدس، وكانت واحدة من أعنف الهبات في حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى، أظهرت وحدة الشعب الفلسطيني وقوة تمسكه بأرضه مهما بلغت الخسارة، وصولا إلى طوفان الأقصى الذي غير مجرى الأحداث وما صاحبه من حروب في المنطقة برمتها، مما يدل على أن الكتابة للصغار هي الأجدى، وأن الصغار لديهم من القدرة ما يجعلهم يستوعبون ما يكتبه الكبار، وهذا ما يجعلنا ككتاب نكتب، فالكتابة لم تكن يومًا إلا للصغار.
هُنا لن أنعي أبا عبيدة؛ إنما أُذكر الصغار أنه كان أحد الصغار الذين فهموا قصة "راشيل" وعملوا على مكافحتها بسلسلة من الانتفاضات قادها الصغار، الأخير منها طوفان مفصلي غير مجرى الأحداث، وقلب الطاولة بما عليها، وكتب تاريخا لم يُكتب من قبل، عليكم أيها الصغار "براشيل" إرهابية مجندة، قضت سنين الحرب في زنزانة منفردة، شيدها لها الألمان في براغ (عاصمة التشيك)، أبوها من أقذر اليهود، يُزوِّر النقود، وهي تُدير منزلًا للفُحش في براغ يقصده الجنود، هكذا هي حرفيًا كما وصفها نزار، يُخبر بخساستها ونسبها الآثم وهشاشة عقيدتها، يخبرهم أنها إلى زوال على أيديهم هم الصغار.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
أبو عبيدة: العدو الصهيوني الجبان يتوهم إضعافنا باغتيال قادتنا لكن دماءهم وقود سفينتنا لتشق الصعاب
الثورة نت/..
قال أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مساء اليوم الثلاثاء، إنه “إذا كان العدو الصهيوني الجبان يتوهم إضعافنا المقاومة باغتيال قادتنا، فإن دماءهم هي الوقود الذي يحرك سفينتنا لتشق الصعاب، ودليل صدق دعوتنا وريادتنا والتحامنا بشعبنا، وتقديمنا نحورنا دون نحورهم”.
وأضاف أبو عبيدة، في خطاب متلفز تابعته وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): “لقد ظهر لكل ذي بصيرة وفطرة سليمة أننا في مواجهة عدو خسيس لا يملك من الأخلاق إلا نقيضها، ولا يقرّ بحرمات الاتفاقات، أساء قراءة المشهد وأخطأ التقدير مجدداً، ففهم المرونة ضعفاً، والتريث تراجعاً، وما علم أننا لن ننسى ولن نغفر، وأن فاتورة الحساب ستبقى مفتوحة حتى يدفعها ثقيلة كاملة بإذن الله”.
وتابع: “إننا في مقام الشهادة والشهداء، وفي ظل شلال الدم النازف من أبناء شعبنا في غزة العزة، والذي لم يتوقف رغم الاتفاقات الكاذبة، والتفاهمات الخادعة، نستذكر كل الشهداء من أبناء شعبنا وأمتنا ومن قادتنا ومجاهدينا، ونطير التحية لأرواحهم الطاهرة، ولعوائلهم الصابرة”.
وأردف: “نستحضر هنا قادتنا الكبار الذين استشهدوا مؤخراً، ونخص منهم بالذكر، الشهيد القائد الكبير عز الدين الحداد “أبو صهيب” قائد هيئة أركان كتائب القسام، الذي بدأ مسيرته مع باكورة العمل الجهادي، ثم واكب مختلف مراحل مقاومة شعبنا، ثم تدرج في العمل الجهادي وأشرف على العديد من العمليات البطولية”.
واستطرد: “تقلد الشهيد الكبير العديد من المواقع القيادية، والتي كان من أبرزها قيادته للواء غزة وركن الأسلحة القتالية، كما كان له دور مركزي في التخطيط والإعداد والإشراف على عبور السابع من أكتوبر، ثم قاد العمليات الدفاعية في قاطع شمال غزة، التي تكبد العدو الصهيوني خلالها خسائر فادحة، وصولا إلى قيادته لهيئة أركان القسام، خلفا للقائدين الكبيرين محمد الضيف ومحمد السنوار في مرحلة بالغة الحساسية، قادها بكل حكمة واقتدار إلى أن منّ الله عليه بشرف الشهادة مع عائلته، ملتحقا بأبنائه الشهداء المجاهدين”.
ومضى أبو عبيدة: “كما نستحضر الشهيد القائد الكبير محمد عودة (أبو عمر)، ذاك الرجل المعطاء الصامت، الذي ترك في كل ميدان بصمة، وآثر العمل في الظل، وكان مقرباً من شهيد الأمة الكبير أبو خالد الضيف، كما كان من النواة الأولى للتصنيع العسكري لكتائب القسام وقائد لواء الشمال وركن الأسلحة والخدمات القتالية قبل أن ينتقل إلى قيادة ركن الاستخبارات العسكرية ليكون له دور أساسي في التخطيط والإشراف على عبور السابع من أكتوبر”.
وأوضح: “كما أشرف شهيدنا خلال طوفان الأقصى على العمليات الدفاعية في لواء الشمال والتي تلقى العدو خلالها ضربات قوية، ثم اختتم شهيدنا مسيرته بقيادة هيئة الأركان خلفا للقائد الكبير عز الدين الحداد، قبل أن يختم له بشهادة عظيمة مع عائلته في يوم عرفة المبارك، ملتحقا بنجله البكر”.
وخاطب الناطق العسكري باسم كتائب القسام، العدو الصهيوني الجبان قائلاً: “إن استشهاد زيدٍ وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم، لم يكن إيذانا بفناء قادة المسلمين أو اندثار دعوتهم، ولكن على العكس من ذلك، لقد كان ميلاد سيف الله المسلول، فأبشروا ما يسوؤكم يا أعداء الله، ما صنعتم شيئاً، ولقد بقي منا قادة يجمعون لكم، نهلوا من معين القرآن والسنة، وتربوا على أيدي قادتهم الشهداء الكبار، فتشربوا علمهم وحكمتهم. إن مسيرنا إلى الله تعالى لن يتوقف، وإن راية رفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تسقط”.
كما خاطب أبو عبيدة الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة قائلاً: “إن جرائم الاغتيال ومسلسل القتل اليومي لأهلنا وشعبنا ومقاومينا الذي طال الأطفال والشيوخ والنساء، وكل ما يشهده قطاع غزة من جرائم وانتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، وتنصل العدو الإسرائيلي من التزاماته لتضع الوسطاء والضامنين أمام لحظة الحقيقة، فأين أنتم وأين دوركم وأين ضماناتكم؟”.
وأضاف: “إننا حين نخاطب الوسطاء -بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية- فإننا نخاطب أهلنا وأبناء أمتنا، ألا تساووا بين الضحية والجلاد، وقفوا مع إخوانكم في غزة، موقف شرف يسجله التاريخ، ولتتوحد كل الجهود لإلجام الاحتلال، عدونا وعدوكم وعدو أمتنا وكل حر في هذا العالم، وإلزامه على تنفيذ التزاماته”.
وخاطب أيضاً أبناء الشعب الفلسطيني ومجاهدي الأمة قائلاً: “إلى أبناء شعبنا المرابط في كل أماكن تواجده وإلى مجاهدي أمتنا في كل بلادنا العربية والإسلامية نقول: أنتم اليوم أولياء الدم، وواجب الوقت هو الانخراط الفعلي في المعركة بين الحق والباطل، فلم يعد مقبولا الصمت أو الوقوف على الحياد، وإن أملنا بالله عز وجل ثم بكم لا ينقطع”.
وجدد أبو عبيدة الدعوة لكل أبناء الأمة ومكوناتها وقواها إلى أن تحيّد الخلافات وأن تصحح بوصلتها باتجاه عدو الأمة الأول.
وأردف: “الأمة التي وقفت على صعيد واحد واعتلت جبل عرفات قبل أيام تلبية لنداء ربها وإحياء لشعيرة من شعائر الإسلام، حري بها أن تعتلي ذروة سنامه نصرة لأبنائها المظلومين؛ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، فعدوكم بان ضعفه أمام مقاتلي غزة الذين أذلوه بسلاحهم البسيط، وأمام المجاهد البطل أمجد النتشة الذي جندلهم بسيارته في الضفة المحتلة”.
واستطرد: “لكم أسوة في الأحرار الذين هاجموا جنود العدو الصهيوني على حدود فلسطين، وفي كل قوى المقاومة التي جرعت العدو الصهيوني الويلات، وفي لبنان العز الذي سطر أبناؤه الأبطال الملاحم، فتحية لكل من وقف مع فلسطين وساندها، ولا نامت أعين الجبناء”.
وخاطب الناطق العسكري باسم كتائب القسام أهالي قطاع غزة قائلاً: “يا شعب غزة المعطاء، يا نساء غزة الصابرات، يا شيوخها وشبابها وأطفالها، يا عوائل الشهداء ويا رمز العطاء، لقد تابعنا كلماتكم واستمعنا لهتافكم وشاهدنا زحوفكم في وداع القادة الشهداء، وحرام علينا أن نخون هذا الدم وهذا العزم وهذه التضحيات، فكونوا على ثقة بربكم ثم بأنفسكم وبمقاومتكم، فنحن سنواصل على ما مات عليه قادتنا وعلى ما ضحيتم من أجله، وسنبقى الأوفياء لكم ولاحتضانكم أبنائكم المجاهدين”.
وأكد أن “هذه التضحيات وقد عظمت ستثمر بإذن الله فتحا مبينا، فما من ليل حالك إلا ويعقبه فجر ونصر وتمكين”.