مع انقضاء الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 2025 / 2026، تحل إجازة منتصف العام الدراسي بوصفها محطة تربوية دقيقة، تتجاوز كونها فترة فراغ مؤقتة لتصبح مساحة زمنية خصبة لإعادة ضبط العادات، وصقل المهارات، وتنمية الشخصية بما يضمن التوازن النفسي والمعرفي، ويحافظ على المكتسبات التعليمية والتربوية التي اكتسبها الطالب خلال الفصل الدراسي الأول، ويهيئه لاستقبال فصل دراسي جديد بروح نشطة وعقل يقظ.

ولا يخفى على أي من المربين أهمية الشراكة الإيجابية بين البيت والمدرسة، التي تحقق النجاح التحصيلي والتربوي للأبناء. فهذا التناغم وتكامل الأدوار، من حيث توجيه السلوك وتقديم التعليم والتقويم والتوجيه التربوي، يجعل الأبناء في حالة تأهب لاستقبال كل ما هو مفيد وطرد كل ما هو مسيء، بحكم وحدة المسار وتشابك الأدوار.

إن الإجازات الطويلة نسبيا، بما تمنحه من وقت فراغ، قد تتحول إلى خطر جاثم إذا أفرط الأبناء في استخدام الأجهزة الإلكترونية بلا حدود ضابطة.

فالاستخدام المفرط للشاشات لا يقتصر أثره على الترفيه اللحظي، بل يمتد ليهدد التركيز والانتباه، ويضعف التنظيم الذاتي، ويخفض مستوى الصبر والمثابرة، وهي مقومات أساسية للنجاح الأكاديمي وتكوين الشخصية الواعية والقادرة على التفاعل الاجتماعي البناء.

وتزداد خطورة الموقف مع مشاهدة المقاطع القصيرة (الريلز)، التي تتسم بسرعة الإيقاع والتنقل المفاجئ بين الموضوعات المختلفة، بل المتناقضة أحيانا، وعدم اكتمال الفكرة، مما يؤدي إلى تشتيت الذهن وضعف القدرة على التفكير العميق والتحليل.

ناهيك عن الألعاب الإلكترونية وما تسببه من خمول بدني، واضطرابات النوم، وآلام العمود الفقري، فضلا عن التأثيرات النفسية من زيادة الانفعال والانطواء وضعف مهارات التواصل الواقعي، ويؤكد الواقع التربوي هذا التأثير الناتج عن الاستخدام غير المحسوب للألعاب الرقمية.

كما لا يغيب عن بالنا تعرض الأبناء للمحتوى الإعلامي والإعلاني غير المناسب، والذي قد يتعارض مع القيم الدينية والمجتمعية الصحيحة والمبادئ السليمة، ويطرح أفكارا لا تتناسب مع المرحلة العمرية، مما يجعل الأبناء عرضة لتلقي رسائل مشوهة ومشوشة تؤدي إلى تطبيع سلوكيات خاطئة تولد ضعف الانتماء الأخلاقي والاجتماعي.

وتتفاقم الأخطار الأخرى بما نشهده من قلب الساعة البيولوجية الطبيعية للأبناء؛ حيث ينامون نهارا ويستيقظون ليلا، وزيادة السهر على حساب النوم الصحي، وهذا بدوره يؤثر سلبا على النشاط العقلي، ويؤدي إلى تضييع أوقات الصلاة، ويضعف التركيز والانتباه، ويرهق الجسم والعقل.

وهنا نصل إلى خطر كبير وهو تعرض الأبناء للتواصل مع مجهولي الهوية على الشبكات، وعبر وسائل التواصل المختلفة. ولم يعد يخفى على أحد خطورة الحوادث الناتجة عن التواصل غير المحسوب مع الغرباء، ومنها الدخول في مشكلات اجتماعية ونفسية، وصولا إلى عمليات الابتزاز والخسائر المالية، وجمع معلومات عن الأطفال وأسرهم قد تستخدم في أمور تخالف القانون. كما أن الفئة الأكبر عمرا من الأبناء قد تتعرض لمسارات فكرية خاطئة لا يتم طرحها بشكل تربوي صحيح، وكل ذلك يستدعي إشرافا دقيقا من قبل الأهل على سلوكيات الأبناء الرقمية.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في التقنية ذاتها، ولا نريد تصوير التقنية بهذه الصورة القاتمة، بل أردنا التأكيد على أن غياب التوجيه، وغياب البدائل الهادفة، وترك الوقت بلا تنظيم، هي المسببات الرئيسة لتفاقم هذه المشكلات، وزيادة عددها وحدتها وتأثيراتها في مختلف الجوانب.

التربية الرشيدة المتوازنة لا تقوم على المنع المطلق، كما لا تقوم على الإطلاق غير المحسوب، إنما تستوجب من المربين والآباء تنظيم الاستخدام، وضبط المحتوى، وبناء الوعي الذاتي لدى الأبناء والإشراف الدقيق. وهنا سأطرح بعض البدائل التربوية الفاعلة التي قد تكون معينا للآباء في معالجة هذا الموضوع:

-تشجيع الأبناء على ممارسة الرياضة المنتظمة لتعزيز الصحة البدنية وتنمية الانضباط والتركيز.

-تشجيع الأبناء على الانخراط في الأنشطة الزراعية المنزلية، وأن يكون لديهم ما يهتمون به، مما يرسخ التعلم التجريبي والصبر والمسؤولية.

-التشجيع على حفظ القرآن الكريم وتدبر معانيه، وقراءة القصص الهادفة لتعزيز الاتزان النفسي والسلوكي.

-فتح المجال للمشاركة في الأعمال الاجتماعية والتطوعية لتنمية الانتماء وروح العطاء والذكاء الاجتماعي.

-العمل على تنمية الهويات الفردية والميول العلمية والفنية كالقراءة والفنون والبحث، والمهارات التقنية الموجهة بما يعزز التفكير النقدي والإبداعي.

إن التوازن يجعلنا نفكر في كل الزوايا، ونتساءل: كيف نريد أن نقدم أبناءنا للمجتمع؟ والله تعالى أمرنا بشكل واضح وصريح: «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا»، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فالوقاية الحقيقية تقوم على الوعي والإرشاد، والتوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الثقة والمتابعة، وبين اللين والحزم.

إن الأبناء هم ثروة الوطن الحقيقية، والوقت الذي يُستثمر في بنائهم اليوم هو ما يصنع معالم الغد. فلنجعل من هذه الإجازات محطات بناء واعية، يعود بعدها الأبناء إلى مقاعد الدراسة أكثر نضجا، وأعلى دافعية، وأعمق وعيا بالقيم والمبادئ الإنسانية.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الوادي الجديد تفتح باب الترشح لمبادرة الأب القدوة 2026
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • كم يوما يتبقى على المولد النبوي الشريف 2026؟.. اعرف موعد الإجازة الرسمية
  • هل يجوز شرعا؟.. الإفتاء توضح حكم تمييز أحد الأبناء بمساعدة مالية دون إخوته
  • تعاون بين "الثقافة" و"القومي للطفولة والأمومة" لتنفيذ برامج صيفية للحماية وتنمية المعارف
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى للتعليم التقني لدول البحر المتوسط.. شراكات دولية لمهارات المستقبل
  • أمانة عمّان تطرح مشروع المواقف الذكية للاستثمار
  • برلمانية: العلمين الجديدة نموذج عالمي للمدن الذكية ومركز واعد للاستثمار والتنمية المستدامة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • المناهج في مدارس مكة والمدينة: استثمارٌ تعليميٌّ مكانيٌّ