مقاعد محجوزة للقيم الغائبة.. «أنا لا أرى لا أسمع»!!
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
لطالما كانت المواصلات العامة فى مصر مدرسة للأخلاق الحميدة والتلقائية، حيث كان الشاب يتسابق للقيام من مقعده بمجرد رؤية شخص يكبره بسنوات، وكانت الشهامة هى التذكرة التى يحملها الجميع، لكن فى هذه الأيام أصبحنا نرى فى عربات المترو والمواصلات العامة مشاهد تدمى القلوب، شباب يجلسون وينظرون فى هواتفهم بتجاهل متعمد، وكبار سن أو ذوى احتياجات خاصة يصارعون الوقوف والاهتزازات، وما هو أصعب من التجاهل، هو الرد الصادم الذى قد يواجه به الشاب من يحاول تذكيره بواجبه الأخلاقى، إنها أزمة إنسان قبل أن تكون أزمة مكان، وهى جرس إنذار لخلل أصاب منظومة قيمنا الاجتماعية، ويمس جوهر «الجدعنة» المصرية والقيم الأصيلة التي تربينا عليها، والتي يبدو أنها بدأت تتوارى خلف شاشات الهواتف وسماعات الأذن.
فى المترو مثلا، تظهر ظاهرة «النوم الاصطناعى» أو «التركيز العميق فى الهاتف» بمجرد دخول شخص مسن للعربة، الشباب هنا لا يكتفون بعدم المساعدة، بل يضعون حواجز نفسية «سماعات الأذن» ليفصلوا أنفسهم عن محيطهم الاجتماعى، هذا بجانب بعض الردود الفجة والمستفزة التى من الممكن أن تصدر منهم، فلم يعد الأمر يقتصر على الصمت، بل نجد شبابا يردون بأسلوب متعال أو عدوانى مثل، «أنا تعبان زيى زيه» أو «المترو للكل يشوف مكان تانى» هذا المنطق المادى البحت يلغى فكرة التراحم التى هى أساس أى مجتمع حضارى.
وسط تلك المشاهد السلبية، لا يمكننا أن نغفل عن وجود جيل من الشباب الواعى الذى يمثل الوجه المشرق لمصر، هؤلاء هم أبطال الظل الذين نراهم فى عربات المترو والمواصلات، الشاب الذى ينهض من مقعده بابتسامة قبل أن يطلب منه ذلك، والفتاة أو الشابة التى تترك مقعدها لسيدة مسنة رغم إرهاقها بعد يوم دراسى أو يوم عمل طويل، هؤلاء الشباب لا يفعلون ذلك بحثا عن شكر، بل انطلاقا من وازع إنسانى وتربية أصيلة، إن تصرفاتهم البسيطة تلك ليست مجرد تخل عن مقعد، بل هى رسالة صامتة تقول «نحن هنا، والقيم لم تمت» هؤلاء هم النموذج الذى يجب أن يسلط عليه الضوء، فهم القدوة الحقيقية التى تثبت أن «الجدعنة» هى جين وراثى فى دم الشباب المصرى، ينتظر فقط الفرصة ليظهر ويعيد للشارع وقاره.
وهنا يظهر دور الأسرة، فهو البذرة الأولى، فالأسرة هى المعمل الذى تخرج منه الأخلاق، عندما يرى الابن والده، وهو القدوة الحية، يقوم فى المواصلات العامة والمترو ليجلس من هو أكبر منه، ستنطبع هذه الصورة فى ذهنه للأبد، كما يجب تعليم الأطفال قصصا عن مكانة كبار السن وذوى الهمم، وأن جبر الخواطر هو أقصر طريق للبركة والنجاح.
أما دور المدرسة، محراب الأخلاق الحميدة والقيم، فيائتى عن طريق تنظيم أنشطة تتضمن مساعدة ذوى الاحتياجات، وجعل السلوك الأخلاقى جزءا من تقييم الطالب، لا يقل أهمية عن الدرجات العلمية، وتفعيل دور الإخصائى الاجتماعى فى الحديث عن آداب الطريق والمواصلات العامة وحقوق الآخرين.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال دور المجتمع والإعلام، بتنظيم حملات توعية للشباب، مثل «ارحموا عزيز قوم» و«الكبير كبير» والتوجيه عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى وتطبيقاتها المختلفة والمؤثرين لتقديم محتوى يحث على هذه القيم بدلا من المحتويات الفارغة والغير هادفة للشباب على الإطلاق، بل تسرق وتضيع أوقاتهم.
كما أنه على القائمين على وسائل المواصلات تشديد الرقابة على المقاعد المخصصة لكبار السن وذوى الاحتياجات فى المترو والمواصلات العامة، والتفعيل القانونى بفرض غرامات سلوكية للمخالفين.
وختاما.. فإنه بين تلك النماذج السلبية التي تحتاج لتقويم، والنماذج الإيجابية التي تستحق التكريم، تظل المسئولية ملقاة على عاتقنا جميعا، وأن جبر الخواطر فى المواصلات العامة ليس مجرد سلوك عابر، بل هو معيار لرقى الأمم، ولنكن جميعا مثل أولئك الشباب الإيجابى، ولنجعل من احترام الكبير وذوى الاحتياجات «ثقافة حياة» لا تنقطع، لكى نجد من يحترم ضعفنا حين تدور بنا الدوائر.
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: ذوي الاحتياجات ثقافة حياة تصحيح مسار محمد على محمد وسائل التواصل الاجتماعي المواصلات العامة
إقرأ أيضاً:
مصر عاصمة التعهيد الرقمي
«كونسنتركس» تتوسع بمليار دولار و11 ألف وظيفة جديدةهندى: وظائف المستقبل تحتاج مهارات أعلى .. ونعمل على إعداد الشباب لها
أعلنت شركة «كونسنتركس» العالمية المتخصصة فى خدمات التعهيد وإدارة مراكز الاتصال عن خطة توسع جديدة فى السوق المصرية، تستهدف رفع عدد موظفيها من 24 ألفاً حالياً إلى 35 ألف موظف بنهاية عام 2028، بزيادة صافية تبلغ 11 ألف وظيفة خلال عامين، وذلك فى إطار استثمارات تصل إلى مليار دولار أعلنت عنها الشركة فى مذكرة تفاهم وقعتها مع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» فى يناير 2025.
جاء الإعلان خلال اجتماع جمع المهندس رأفت هندى، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بعمرو صبحى رئيس كونسنتركس مصر، بحضور المهندس أحمد الظاهر الرئيس التنفيذى لـ»إيتيدا»، والمهندس محمود صفراطه نائب الرئيس التنفيذى لتنمية أسواق تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب علياء إسماعيل مدير قسم التطبيقات الجديدة بالشركة، وتناول الاجتماع مراجعة مستوى تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة، وبحث آفاق التعاون فى مجالات التدريب وتأهيل الكوادر الشابة وربط مخرجات التعليم التقنى باحتياجات السوق.
مسيرة 16 عاماً من 150 إلى 24 ألف موظف
بدأت «كونسنتركس» نشاطها فى مصر عام 2009 بـ150 موظفاً فحسب، فى مرحلة كان فيها قطاع التعهيد المصرى لا يزال فى طور التشكل، ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة توسعها بوتيرة منتظمة لتصل اليوم إلى 24 ألف موظف موزعين على 13 مركزاً فى عدد من المحافظات، بمعدل نمو سنوى يبلغ نحو 20%، ويجعل هذا الحجم من مصر ثالث أكبر مركز تشغيل للشركة على مستوى العالم من بين 72 دولة تعمل بها، بعد الهند والفلبين، والأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وكشف عمرو صبحى عن جدول زمنى محدد للمراحل القادمة من التوسع باستهداف 28 ألف موظف بنهاية العام الجارى 2025، ثم الوصول إلى 31 ألفاً خلال عام 2026، وصولاً إلى الهدف النهائى البالغ 35 ألف موظف بنهاية 2028، مشيراً إلى أن هذا المسار يعكس ثقة الشركة فى استدامة النمو بالسوق المصرية، مستنداً إلى معدلات الاحتفاظ بالموظفين وجودة الخدمات المقدمة من مصر لعملاء الشركة حول العالم.
التوسع الجغرافى يمتد إلى الدلتا والصعيد
لا تقتصر خطة التوسع على زيادة عدد الموظفين، بل تشمل افتتاح 5 مراكز جديدة خلال عامين فى محافظات لم تكن ضمن الخريطة الحالية للشركة، من بينها محافظات فى منطقة الدلتا وصعيد مصر، لترتفع شبكة مراكز الشركة من 13 إلى 18 مركزاً، ويمثل هذا التوجه تحولاً فى استراتيجية الشركة التى كانت تتمركز تاريخياً فى المدن الكبرى، نحو الاستفادة من احتياطيات العمالة الشبابية فى المحافظات التى تعانى تاريخياً من ارتفاع معدلات البطالة وشح الفرص الوظيفية فى القطاع الخاص.
وأشار وزير الاتصالات إلى أن هذا التوسع يأتى فى سياق اهتمام الوزارة بربط برامج التدريب المتخصص باحتياجات شركات القطاع، بما يسهم فى توفير فرص عمل للشباب فى مختلف المحافظات، لا فى العاصمة وحدها، فضلاً عن دوره فى رفع قيمة صادرات مصر الرقمية التى باتت أحد المحاور الرئيسية لخطط الحكومة لزيادة الإيرادات بالعملة الأجنبية.
الذكاء الاصطناعى وإعادة توزيع الأدوار
ناقش الاجتماع أيضاً توجهات الشركة فى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعى فى إدارة العمليات وخدمات العملاء، وتعتمد الشركة فى هذا الإطار على نموذج يجمع بين الأتمتة فى المهام التكرارية وتوظيف الكوادر البشرية فى المهام التى تتطلب تواصلاً لغوياً متخصصاً أو تعاملاً مع حالات تحتاج إلى حكم بشرى، وهو ما يفسر استمرار التوسع فى التوظيف البشرى بالتوازى مع تبنى التقنيات الحديثة.
ويطرح هذا النموذج تساؤلات جدية حول طبيعة الوظائف التى ستتاح فى مراحل التوسع القادمة، إذ يرجح أن تكون ذات طابع تقنى ومعرفى أعلى مقارنةً بالوظائف التقليدية فى مراكز الاتصال، وفى هذا الإطار، بحث الاجتماع فرص التعاون فى برامج «التدريب من أجل التوظيف» بالتنسيق مع الجامعات والمناطق التكنولوجية، مع تركيز خاص على اللغات الأجنبية ذات الطلب المرتفع فى سوق التعهيد العالمية، كالألمانية والفرنسية والإسبانية، إلى جانب المهارات التقنية المرتبطة بإدارة بيانات العملاء وتحليل الأداء.
خدمات بـ12 لغة لأسواق فى أربع قارات
تقدم «كونسنتركس مصر» خدماتها حالياً بـ12 لغة تشمل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية وغيرها، لعملاء فى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وكندا، وتغطى خدماتها قطاعات متعددة منها التجارة الإلكترونية والاتصالات والسياحة والتكنولوجيا المالية والرعاية الصحية والإعلام والنقل والبنوك.
ويُعد التنوع اللغوى أحد العوامل التى تستشهد بها الشركة لتبرير اختيارها مصر مركزاً إقليمياً رئيسياً، إذ يصعب إيجاد تجمع بشرى بهذا الحجم يتقن هذا الكم من اللغات الأوروبية فى أسواق منافسة أخرى بالمنطقة.
وقال هندى إن السوق المصرية يشهد توسعاً متزايداً من جانب شركات التعهيد العالمية، فى ضوء ما توفره الدولة من بنية تحتية رقمية وبيئة أعمال محسنة، إلى جانب توافر كفاءات شابة مؤهلة لتقديم الخدمات لعملاء الشركات فى مختلف الأسواق.
يأتى توسع «كونسنتركس» فى وقت تتصاعد فيه المنافسة بين دول عدة على استقطاب مراكز التعهيد العالمية، فى مقدمتها الهند والفلبين والمغرب وجنوب أفريقيا، وكلها أسواق تتمتع بخبرة تراكمية وبنية تحتية راسخة فى هذا القطاع، وتراهن مصر فى هذا السياق على عوامل تشمل الكثافة السكانية الشبابية، والتنوع اللغوى، وتحسين بيئة الأعمال، والاستثمار فى البنية التحتية الرقمية.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، إذ يظل تطوير مناهج التدريب المهنى ورفع كفاءة الخريجين الجدد بما يلبى معايير الشركات العالمية أحد أبرز المحاور التى تعمل عليها «إيتيدا» بالتنسيق مع القطاع الخاص.
ويُنظر إلى مذكرات التفاهم المبرمة مع كبرى الشركات العاملة فى القطاع باعتبارها آليةً لتضييق الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الفعلية.
كونسنتركس من أكبر أصحاب العمل فى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى مصر، ومن المتوقع أن يعزز توسعها المرتقب حضور مصر فى مؤشرات التعهيد العالمية خلال السنوات القادمة، فى ظل تنامى الطلب على خدمات التعهيد عالمياً مع اتساع انتشار التحول الرقمى فى مختلف القطاعات.