هل يعيد اعتراف إسرائيل بـأرض الصومال رسم خرائط النفوذ في المنطقة؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
يرى خبراء أن خطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة مستقلة ذات سيادة تمثل محاولة جريئة لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفجّر الاعتراف أزمة جيوسياسية جديدة أثارت إدانة واسعة، ليس فقط من دولة الصومال المعنية مباشرة، بل أيضا من معظم الأطراف الإقليمية والمؤسسات والمنظمات الأممية والدولية.
ودقت خطوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية ناقوس خطر ولفتت انتباه القوى الإقليمية والدولية إلى مدى خطورتها وسوء تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
واستعرض برنامج "سيناريوهات" هذه التطورات وتداعياتها المحتملة على المنطقة بأسرها، وسلط الضوء على التساؤلات المحورية التي تشغل المراقبين، وأبرزها:
هل ستنجح إسرائيل في تحقيق ما تصبو إليه من إيجاد موطئ قدم يوصلها إلى أهدافها في منطقة ذات حساسية جيوسياسية عالية؟ أم أن هذه الخطوة المستفزة قد تدفع قوى إقليمية وازنة فتوحدها لمجابهة تبعات هذا الاعتراف وإفشال مآربه؟ أم أن رفض العالم لها وعدم مؤازرتها وتأييدها من أي دولة أخرى سيفرغها عمليا من مضمونها فلا تعدو أن تكون خطوة شكلية؟
أهداف وأبعاد
يرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى أن إسرائيل تسعى إلى إعادة بناء الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وأوضح مصطفى أن ما يحدث الآن هو محاولة إسرائيلية لترجمة تجاوز الخطوط الحمراء من الناحية العسكرية في آخر عامين إلى تجاوز الخطوط الحمراء من الناحيتين الإستراتيجية والسياسية في المنطقة، مشيرا إلى أن هذا يفسر التوقيت الذي اختارته إسرائيل لهذه الخطوة.
وأضاف أن هذه الخطوة تعيد إحياء "مشروع بن غوريون" الذي سُمي في الخمسينيات "مشروع الأطراف"، وهو محاولة بناء مراكز قوة وهيمنة إسرائيلية تحيط بقلب المنطقة العربية.
إعلانولفت مصطفى إلى أن إسرائيل تحاول الآن إعادة بناء وتجديد هذه المنظومة من خلال بناء مراكز قوة وهيمنة إسرائيلية على الأطراف تحيط بقلب المنطقة العربية، مع تحديثات معينة تراعي أن إسرائيل الآن أكثر قوة وأكثر هيمنة من السابق.
بدوره، يرى المحلل السياسي عبد الله راغي أن مآرب إسرائيل من هذه الخطوة مركّبة، موضحا أن هناك بعدا إستراتيجيا ضد إيران، حيث إن الحملات الإسرائيلية والأميركية على أنصار الله (الحوثيون) في اليمن لم تحقق أهدافها، لذلك تريد إسرائيل أن يكون لها موطئ قدم في منطقة البحر الأحمر لخوض صراعاتها المستقبلية مع إيران ومع حلفائها من الأراضي الصومالية.
كما لفت راغي إلى وجود بعد آخر يتمثل في إستراتيجية جديدة ضد تركيا، مشيرا إلى أن أنقرة دخلت إلى أفريقيا من بوابة الصومال، وأن التمركز الأكبر للنفوذ التركي في أفريقيا موجود بالصومال وليبيا.
وأوضح أن تطور العلاقة بين الصومال وتركيا وصل إلى درجة أن الاستثمارات التركية في الصومال بلغت مرحلة التنقيب عن النفط والغاز وتركيب منصات لإطلاق الأقمار الصناعية، إضافة إلى تدريب القوات العسكرية والتعاون الاستخباراتي ونشر الطائرات المسيرة التركية في الأراضي الصومالية.
حملة تسويقية
في المقابل، حذر الباحث في مؤسسة كارنيجي الدكتور هشام الغنام من أن الدول المتضررة بهذه الخطوة ليست فقط تركيا وإيران، بل هناك أيضا السعودية والدول الخليجية الأخرى، إضافة إلى مصر.
لكن الدكتور الغنام نبه إلى أن ما قام به نتنياهو هو جزء من حملة تسويقية متقنة بتركيزه على ما يسهل بيعه على الغربيين، مثل مواجهة "الإرهاب" أو الحديث عن الديمقراطية، أو أن هذه الخطوة تتماشى مع توسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل دولا ذات أغلبية مسلمة خارج الشرق الأوسط.
لكنه أكد أن هذا الاعتراف ليس أمرا جديدا وليس مرتبطا حصرا بما حدث في غزة، بل هو جزء من مسار متدرج تعمل عليه إسرائيل منذ سنوات.
الموقف الأميركي
من جهتها، لم توفر واشنطن غطاء دوليا داعما للخطوة الإسرائيلية، حيث أشارت الخارجية الأميركية إلى أن سياسة واشنطن التقليدية تدعم الصومال الواحد ولا تغيير فيها حتى الآن، لكنها أشارت إلى وجود ضغوط في الكونغرس للاعتراف بأرض الصومال، مما يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة في المستقبل.
وأدانت مصر والأردن وجيبوتي وقطر والسعودية وتركيا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وجاء في بيان مشترك صادر عن 20 دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا إدانة واضحة لهذه الخطوة الأحادية التي تتجاوز القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي للاتحاد الأفريقي.
ورأى مصطفى أن إسرائيل تحاول الآن تحويل اتفاقات أبراهام إلى اتفاقات لتفكيك الدول والمنطقة العربية.
وأوضح أن كل إقليم يحاول الحصول على الاعتراف الأميركي والاعتراف الدولي يبدأ من خلال المطالبة باعتراف إسرائيل بهذا الإقليم، وهذا ما فعلته إسرائيل في الستينيات مع الأكراد في العراق وحاولت أن تفعله أيضا مع الأكراد في سوريا، والآن تفعله مع هذه المناطق الانفصالية داخل المناطق العربية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أن إسرائیل هذه الخطوة إلى أن
إقرأ أيضاً:
لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
تعيش العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير موسع أشار إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليعكس صراعاً معقداً بين الاعتبارات الانتخابية الأمريكية والحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية بذلت جهوداً واضحة لنفي فكرة أن نتنياهو هو من يوجه السياسات الأمريكية تجاه الملف الإيراني أو العمليات العسكرية في لبنان، مؤكدة على لسان وزير الدفاع أن “لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”، في إشارة إلى محاولة احتواء الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.
لكن خلف هذا النفي الرسمي، تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عن تصعيد غير مسبوق بين الجانبين، بدأ يتبلور نتيجة ضغوط متعددة، تشمل تزايد التوتر في لبنان، والقلق الأمريكي من انهيار مسار التفاوض مع إيران، إضافة إلى اعتبارات داخلية مرتبطة بصورة ترامب أمام قاعدته السياسية، خاصة المسيحية منها.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة أخذت بعداً شخصياً حين نقل عن ترامب غضبه الشديد من نتنياهو، وقيامه بتوجيه عبارة حادة مفادها: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في تعبير يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الشخصين.
ويفسر هذا التصعيد بأنه لا يرتبط بلحظة آنية فقط، بل بتراكمات استراتيجية تتصل بطريقة إدارة العمليات الإسرائيلية في لبنان وتأثيرها على السياسة الأمريكية.
على المستوى التكتيكي، يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”أزمة مسيحية في لبنان”، حيث أشارت تقارير متداولة إلى حوادث اعتداء طالت رموزاً دينية مسيحية خلال العمليات العسكرية، بينها صور لجنود إسرائيليين في ممارسات وصفت بأنها مسيئة للرموز الدينية. وقد ساهم انتشار هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجة انتقادات داخل أوساط اليمين الأمريكي، خصوصاً بين الشخصيات الإعلامية المؤثرة التي تخاطب القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل تقليدياً.
وتذهب التحليلات إلى أن هذا البعد الديني بات يشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على ترامب، الذي سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يجعله أكثر حساسية تجاه أي صور أو تقارير قد تضعف هذا الخطاب أمام ناخبيه.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الأزمة – وفق التقرير – في تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. إذ ترى الإدارة الأمريكية أن التصعيد في لبنان قد يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق أو تهدئة مع طهران، في حين تتهم بعض الدوائر الأمريكية إسرائيل بأنها تدفع باتجاه توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.
وتشير تسريبات إعلامية إلى أن ترامب أبدى قلقاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن أسلوب إدارة العمليات العسكرية في بيروت، ما دفعه بحسب التقرير ، إلى استخدام أوصاف حادة بحق نتنياهو، بينها وصفه بـ”المجنون”، في سياق انتقاد سياسة التصعيد.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية إعادة ضبط الإيقاع السياسي، مؤكدة أن القرارات العسكرية والسياسية في المنطقة تبقى تحت قيادة واشنطن، وليس أي طرف آخر. كما يحرص ترامب في تصريحاته العلنية على التأكيد أن نتنياهو “يتصرف بشكل جيد”، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
ويأتي هذا التوتر في وقت حساس بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستعد لسلسلة مناسبات وطنية كبرى، ما يجعل أي اضطراب خارجي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد السياسي الداخلي.
وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، حتى وإن لم يعلن رسمياً كأزمة دبلوماسية، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم تعد قائمة فقط على التحالف التقليدي، بل باتت تخضع لتقاطعات السياسة الداخلية الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.