حكاية نجيب محفوظ مع أم كلثوم.. كيف سكنت كوكب الشرق وجدان أديب نوبل؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
لم تكن أم كلثوم، في وجدان نجيب محفوظ، مجرد صوتٍ عظيم أو مطربة استثنائية في تاريخ الغناء العربي، بل كانت ظاهرة ثقافية كاملة، وعلامة على عصر، وركنًا من أركان التكوين الوجداني والفني لروائي القرن العشرين، هكذا تكشف صفحات كتاب «نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل» للكاتب يوسف القعيد، الذي يقدم شهادة إنسانية وأدبية نادرة عن علاقة محفوظ بكوكب الشرق، علاقة تجاوزت الإعجاب إلى التماهي، والحضور في الحياة اليومية، والكتابة الروائية، وحتى في اختياراته الشخصية والعائلية.
منذ بداياته، كان نجيب محفوظ شديد الارتباط بالغناء، لكنه لم يكن غناءً عابرًا أو استهلاكيًا، فقد استقر لديه، مبكرًا، يقينٌ حاسم: أن أم كلثوم، ومعها محمد عبد الوهاب، كانا آخر العمالقة الحقيقيين في هذا الفن، خصوصًا عندما كانا يغنيان من نصوص التراث القديم أو يستندان إليه، ومن بعدهما – كما كان يرى – لم يبقَ سوى «الخراب الغنائي»، لذلك لم يكن يسأل عن الغناء الجديد، حتى في سنواته الأخيرة، بينما ظل حريصًا، حتى محاولة اغتياله عام 1994، على الاستماع أسبوعيًا إلى الغناء مع أصدقائه.
يروي يوسف القعيد، مشهدًا كاشفًا من حياة محفوظ: جولات ليلية بسيارة المخرج الكبير توفيق صالح، بعد الجلوس في مكان عام، تمتد من شوارع القاهرة والجيزة المزدحمة إلى طريق مصر–إسكندرية الصحراوي، لا لغرض السفر، بل للاستغراق في الاستماع إلى تسجيلات قديمة لأم كلثوم، خاصة أدوارها الأولى مثل «ياما انت واحشني» و«روحي فيك»، كانت الجولة قد تطول ساعة أو أكثر، يتحول فيها الطريق إلى فضاءٍ خالص للطرب، وتصبح السيارة الصغيرة مسرحًا متنقلًا للذاكرة والوجدان.
لم يكن إعجاب محفوظ بأم كلثوم نظريًا أو من بعيد. فقد كان من رواد حفلاتها الشهرية، التي كانت تُقام في مسارح شارع عماد الدين، ويعرف تفاصيلها الدقيقة: أسعار التذاكر، والفارق بينها وبين تذاكر عبد الوهاب، وحتى السوق السوداء.
يروي أن تكلفة السهرة الكاملة – من المقاهي إلى المسرح، ثم العشاء في الحسين، فالشاي والشيشة في الفيشاوي – كانت تصل إلى خمسين قرشًا، وهو مبلغ كبير آنذاك، لكنه كان يُدفع راضيًا في سبيل ليلة كلثومية خالصة.
ويحكي محفوظ عن «السميعة» الكبار، مثل المعلم حكشة، الذين كانت لهم مكانة خاصة لدى أم كلثوم، تصل إلى حد إعادة المقطع الغنائي بطلبٍ مباشر منهم، تلك التفاصيل الصغيرة تكشف طبيعة العلاقة بين المطربة وجمهورها، علاقة تشاركية، حيّة، تجعل من الحفل حدثًا إنسانيًا لا يتكرر.
بلغ إعجاب محفوظ بأم كلثوم حدًّا رمزيًا لافتًا، حين سمّى ابنته الكبرى «أم كلثوم»، والصغرى «فاطمة»، وهو الاسم الحقيقي لوالدة أم كلثوم، وأيضًا اسم والدة نجيب محفوظ نفسه.
ورغم أن الابنتين استخدمتا لاحقًا اسمين آخرين للتعامل الاجتماعي، فإن الاسمين الأصليين بقيا في الأوراق الرسمية، كدليلٍ ثابت على عمق هذا الارتباط.
وعلى المستوى الشخصي، لم يلتقِ محفوظ بأم كلثوم إلا مرة واحدة، في احتفال أقامته جريدة «الأهرام» بعيد ميلاده، بدعوة من محمد حسنين هيكل، لم تغنِ في الحفل، لكنها ألقت كلمة قصيرة، تركت في نفسه انطباعًا لا يُنسى عن قوة شخصيتها، وحضورها الطاغي، وكاريزمتها، وسرعة بديهتها، وكونها «بنت بلد» من الطراز الأول.
لكن الوجه الأهم لهذه العلاقة يتجلى في حضور أم كلثوم داخل عالم نجيب محفوظ الروائي. فهي تظهر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في معظم أعماله الكبرى: من «خان الخليلي» و«بداية ونهاية»، إلى الثلاثية («بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»)، وصولًا إلى «ميرامار». في «خان الخليلي» مثلًا، يذهب البطل إلى سينما تعرض فيلم «دنانير» من بطولة أم كلثوم، ويعجب بأغنيتها «طاب النسيم العليل»، في اختيارٍ دالّ لا يخلو من إسقاطٍ ذاتي من الكاتب نفسه.
وفي الثلاثية، تتجسد أم كلثوم بوصفها مطربة «جديدة» في بداياتها، تدور حولها النقاشات بين السيد أحمد عبد الجواد ورفاقه، بين من يرى فيها خليفة منيرة المهدية، ومن يرفض صوتها بوصفه «صوت مقرئة بعمامة»، ومع تطور الزمن، وتطور الروايات، يرتقي صوت أم كلثوم إلى موقعه الطبيعي: صوت العصر، الذي تلتف حوله كل الطبقات، كما نرى بوضوح في «ميرامار».
لم تكن أم كلثوم، إذن، مجرد خلفية صوتية في عالم محفوظ، بل عنصرًا بنائيًا في تشكيل الزمن الروائي، ومؤشرًا على التحولات الاجتماعية والذوقية في مصر القرن العشرين، لذلك، لم يكن غريبًا أن يبدأ روايته القصيرة «صباح الورد» بمطلع أغنية لها: «يا عشرة الماضي الجميل»، أو أن يكتب، بخط يده، نصف قائمة أغانيه المفضلة من أعمالها.
هكذا يتضح أن نجيب محفوظ، روائي القرن العشرين، كان كلثوميَّ الهوى بامتياز، علاقة لا تختصر في الإعجاب، بل تمتد من الحياة إلى الفن، ومن الذكرى الشخصية إلى النص الأدبي، لتؤكد أن أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة عظيمة، بل صوتًا سكن وجدان مصر، ووجدان أعظم من كتب عنها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أم كلثوم نجيب محفوظ ظاهرة ثقافية نجیب محفوظ أم کلثوم لم یکن
إقرأ أيضاً:
غوتيريش: الصراعات في الشرق الأوسط تخرج عن السيطرة
نيويورك – حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الصراعات في الشرق الأوسط تخرج عن السيطرة، وأنها تتجه نحو مرحلة لا يمكن تصورها.
جاء ذلك في كلمة ألقاها غوتيريش امس الخميس، خلال جلسة نقاش مفتوحة عقدها مجلس الأمن الدولي تحت عنوان “تعزيز آليات الحل السلمي للنزاعات”.
وأوضح غوتيريش أن النزاعات اليوم تزداد من حيث العدد والتعقيد والمدة والنطاق، وأن هناك “تجاهلاً مقلقاً” للقانون الدولي، مع “تفشي ثقافة الإفلات من العقاب”.
وأشار إلى أن الشرق الأوسط يمثل أوضح مثال على “التداعيات المدمرة” لهذا الوضع، مؤكداً أن “الأوضاع تخرج عن السيطرة، وتتجه نحو مرحلة لا يمكن تصورها، بينما تنجرف المنطقة إلى دائرة نزاع تتوسع باستمرار.”
وشدد غوتيريش على ضرورة الاستعادة الكاملة لحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب، مؤكداً أن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد للحل.
ومنذ نحو أسبوعين تشن واشنطن هجمات يومية على إيران، وترد طهران بهجمات تستهدف ما تقول إنه منشآت ومعدات عسكرية أمريكية في دول عربية، لا سيما الكويت والبحرين والأردن.
وتسبب التصعيد في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتهديد حركة الطيران وإمدادات الطاقة، وسط إغلاقات متقطعة للمجالات الجوية وتحذيرات من استهداف منشآت ومصالح أمريكية خارج الشرق الأوسط.
وتطرق الأمين العام إلى الأوضاع في قطاع غزة، قائلاً: “في غزة، ورغم ما يوصف بوقف إطلاق النار، لا يزال المدنيون يدفعون ثمناً باهظاً كل يوم. ويُقتل الناس في منازلهم ومجتمعاتهم المحلية وأثناء ممارستهم أنشطتهم اليومية.”
وأضاف أن إسرائيل عززت سيطرتها على قطاع غزة، في حين أصبحت ظروف المعيشة أكثر قسوة بسبب انتشار الأمراض، كما أن عمليات إيصال المساعدات الإنسانية ما تزال تواجه عراقيل إلى حد كبير.
وتواصل إسرائيل انتهاكاتها لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة عبر عمليات القصف وإطلاق النار والتوغل ومنع دخول المساعدات، فيما تتجاوز حصيلة حرب الإبادة 73 ألف قتيل و173 ألف مصاب، إلى جانب دمار طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية، وفق بيانات فلسطينية.
وحذر غوتيريش من أن سياسة الضم الإسرائيلية القائمة على العنف تتواصل تدريجياً في الضفة الغربية المحتلة.
وقال: “نشهد توسع المستوطنات، والعمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق، وعمليات نزوح جماعي.”
وتشهد الضفة الغربية تصاعدا في الاقتحامات والاعتقالات والأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إذ أسفرت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين عن مقتل 1182 فلسطينيا، فيما اعتُقل نحو 24 ألف فلسطيني، وفق معطيات فلسطينية رسمية نشرت الاثنين الماضي.
وأشار أيضاً إلى أن النزاعات في أوكرانيا ومنطقة الساحل والسودان، وغيرها من المناطق، تتسبب في معاناة إنسانية واسعة، وتدمر سبل عيش السكان، وتؤدي إلى موجات نزوح ذات تداعيات إنسانية خطيرة.
وأكد غوتيريش أن الدبلوماسية تمتلك القدرة على وقف هذه النزاعات، داعياً إلى تعزيز جهود الأمم المتحدة في مجال الوساطة والمساعي الحميدة.
كما حث مجلس الأمن على التحرك المبكر والحاسم، والاطلاع على الحقائق الميدانية، بما يسهم في خفض التوترات ومنع خروج النزاعات عن السيطرة.
الأناضول