لم تكن أم كلثوم، في وجدان نجيب محفوظ، مجرد صوتٍ عظيم أو مطربة استثنائية في تاريخ الغناء العربي، بل كانت ظاهرة ثقافية كاملة، وعلامة على عصر، وركنًا من أركان التكوين الوجداني والفني لروائي القرن العشرين، هكذا تكشف صفحات كتاب «نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل» للكاتب يوسف القعيد، الذي يقدم شهادة إنسانية وأدبية نادرة عن علاقة محفوظ بكوكب الشرق، علاقة تجاوزت الإعجاب إلى التماهي، والحضور في الحياة اليومية، والكتابة الروائية، وحتى في اختياراته الشخصية والعائلية.

بالصور.. متحف نجيب محفوظ يستضيف "لقاء العظماء" في ذكرى ميلادهإعلان أسماء الفائزين بجائزة نجيب محفوظ للرواية لعام 2025دار الكتب تناقش الموسيقى في سينما نجيب محفوظدروب مصر.. مبادرة جديدة لإعادة قراءة الجمالية في ذكرى ميلاد نجيب محفوظ


منذ بداياته، كان نجيب محفوظ شديد الارتباط بالغناء، لكنه لم يكن غناءً عابرًا أو استهلاكيًا، فقد استقر لديه، مبكرًا، يقينٌ حاسم: أن أم كلثوم، ومعها محمد عبد الوهاب، كانا آخر العمالقة الحقيقيين في هذا الفن، خصوصًا عندما كانا يغنيان من نصوص التراث القديم أو يستندان إليه، ومن بعدهما – كما كان يرى – لم يبقَ سوى «الخراب الغنائي»، لذلك لم يكن يسأل عن الغناء الجديد، حتى في سنواته الأخيرة، بينما ظل حريصًا، حتى محاولة اغتياله عام 1994، على الاستماع أسبوعيًا إلى الغناء مع أصدقائه.
 

يروي يوسف القعيد، مشهدًا كاشفًا من حياة محفوظ: جولات ليلية بسيارة المخرج الكبير توفيق صالح، بعد الجلوس في مكان عام، تمتد من شوارع القاهرة والجيزة المزدحمة إلى طريق مصر–إسكندرية الصحراوي، لا لغرض السفر، بل للاستغراق في الاستماع إلى تسجيلات قديمة لأم كلثوم، خاصة أدوارها الأولى مثل «ياما انت واحشني» و«روحي فيك»، كانت الجولة قد تطول ساعة أو أكثر، يتحول فيها الطريق إلى فضاءٍ خالص للطرب، وتصبح السيارة الصغيرة مسرحًا متنقلًا للذاكرة والوجدان.

لم يكن إعجاب محفوظ بأم كلثوم نظريًا أو من بعيد. فقد كان من رواد حفلاتها الشهرية، التي كانت تُقام في مسارح شارع عماد الدين، ويعرف تفاصيلها الدقيقة: أسعار التذاكر، والفارق بينها وبين تذاكر عبد الوهاب، وحتى السوق السوداء. 

يروي أن تكلفة السهرة الكاملة – من المقاهي إلى المسرح، ثم العشاء في الحسين، فالشاي والشيشة في الفيشاوي – كانت تصل إلى خمسين قرشًا، وهو مبلغ كبير آنذاك، لكنه كان يُدفع راضيًا في سبيل ليلة كلثومية خالصة.
 

ويحكي محفوظ عن «السميعة» الكبار، مثل المعلم حكشة، الذين كانت لهم مكانة خاصة لدى أم كلثوم، تصل إلى حد إعادة المقطع الغنائي بطلبٍ مباشر منهم، تلك التفاصيل الصغيرة تكشف طبيعة العلاقة بين المطربة وجمهورها، علاقة تشاركية، حيّة، تجعل من الحفل حدثًا إنسانيًا لا يتكرر.


بلغ إعجاب محفوظ بأم كلثوم حدًّا رمزيًا لافتًا، حين سمّى ابنته الكبرى «أم كلثوم»، والصغرى «فاطمة»، وهو الاسم الحقيقي لوالدة أم كلثوم، وأيضًا اسم والدة نجيب محفوظ نفسه.

 ورغم أن الابنتين استخدمتا لاحقًا اسمين آخرين للتعامل الاجتماعي، فإن الاسمين الأصليين بقيا في الأوراق الرسمية، كدليلٍ ثابت على عمق هذا الارتباط.


وعلى المستوى الشخصي، لم يلتقِ محفوظ بأم كلثوم إلا مرة واحدة، في احتفال أقامته جريدة «الأهرام» بعيد ميلاده، بدعوة من محمد حسنين هيكل، لم تغنِ في الحفل، لكنها ألقت كلمة قصيرة، تركت في نفسه انطباعًا لا يُنسى عن قوة شخصيتها، وحضورها الطاغي، وكاريزمتها، وسرعة بديهتها، وكونها «بنت بلد» من الطراز الأول.


لكن الوجه الأهم لهذه العلاقة يتجلى في حضور أم كلثوم داخل عالم نجيب محفوظ الروائي. فهي تظهر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في معظم أعماله الكبرى: من «خان الخليلي» و«بداية ونهاية»، إلى الثلاثية («بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»)، وصولًا إلى «ميرامار». في «خان الخليلي» مثلًا، يذهب البطل إلى سينما تعرض فيلم «دنانير» من بطولة أم كلثوم، ويعجب بأغنيتها «طاب النسيم العليل»، في اختيارٍ دالّ لا يخلو من إسقاطٍ ذاتي من الكاتب نفسه.


وفي الثلاثية، تتجسد أم كلثوم بوصفها مطربة «جديدة» في بداياتها، تدور حولها النقاشات بين السيد أحمد عبد الجواد ورفاقه، بين من يرى فيها خليفة منيرة المهدية، ومن يرفض صوتها بوصفه «صوت مقرئة بعمامة»، ومع تطور الزمن، وتطور الروايات، يرتقي صوت أم كلثوم إلى موقعه الطبيعي: صوت العصر، الذي تلتف حوله كل الطبقات، كما نرى بوضوح في «ميرامار».


لم تكن أم كلثوم، إذن، مجرد خلفية صوتية في عالم محفوظ، بل عنصرًا بنائيًا في تشكيل الزمن الروائي، ومؤشرًا على التحولات الاجتماعية والذوقية في مصر القرن العشرين، لذلك، لم يكن غريبًا أن يبدأ روايته القصيرة «صباح الورد» بمطلع أغنية لها: «يا عشرة الماضي الجميل»، أو أن يكتب، بخط يده، نصف قائمة أغانيه المفضلة من أعمالها.


هكذا يتضح أن نجيب محفوظ، روائي القرن العشرين، كان كلثوميَّ الهوى بامتياز، علاقة لا تختصر في الإعجاب، بل تمتد من الحياة إلى الفن، ومن الذكرى الشخصية إلى النص الأدبي، لتؤكد أن أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة عظيمة، بل صوتًا سكن وجدان مصر، ووجدان أعظم من كتب عنها.

طباعة شارك أم كلثوم نجيب محفوظ ظاهرة ثقافية تاريخ الغناء العربي للكاتب يوسف القعيد

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: أم كلثوم نجيب محفوظ ظاهرة ثقافية نجیب محفوظ أم کلثوم لم یکن

إقرأ أيضاً:

سبب ضبط أحمد الحداد زوج الفنانة هاجر أحمد وما علاقة صبري نخنوخ؟

تورط رجل الأعمال أحمد الحداد، زوج الفنانة هاجر أحمد، فى واقعة صبري نخنوخ المتهم فيها هو و5 من رجاله ونجله شقيقه، بالتعدي على محام بالضرب خلال مشاجرة نشبت داخل معرض سيارات بشأن صفقة عقارية بالساحل الشمالي.

القبض على رجل الأعمال أحمد الحداد زوج الفنانة هاجر أحمد.. تفاصيل بعد القبض عليه.. الاتهامات تلاحق صبري نخنوخ (تفاصيل) سارة خليفة تتصدر الترند قبل الحكم عليها بتهمة هتك عرض شاب.. تفاصيل سبب القبض على صبري نخنوخ و5 من رجاله وشقيقه بعد القبض عليهما.. عرض صبري نخنوخ وشقيقه على النيابة اتهامات بالبلطجة والسرقة.. تفاصيل القبض على صبري نخنوخ ورجاله وشقيقه حجز محاكمة الفنان محمود حجازي فى اتهامه بالتعدي على فتاة أجنبية قرار قضائي جديد بشأن دعاوى مؤخر صداق ومتعة طليقة الفنان بيومي فؤاد بعد طلب زينة حبسه.. المحكمة تتخذ قرارها ضد الفنان أحمد عز حبس الفنان أحمد عز.. زينة تطارد والد نجليها فى المحاكم سبب القبض على رجل الأعمال أحمد الحداد زوج الفنانة هاجر أحمد

وتمكنت الأجهزة الأمنية، من ضبط رجل الأعمال أحمد الحداد، زوج الفنانة هاجر أحمد، ضمن عدد من الأشخاص الذين تم القبض عليهم في القضية المرتبطة برجل الأعمال صبري نخنوخ، وذلك على خلفية خلاف مالي نشب بين أطراف الواقعة 

وكشفت التحريات الأولية أن أحمد الحداد كان برفقة صبري نخنوخ وآخرين خلال توجههم إلى مالكي أحد معارض السيارات، الشقيقين محمد وهشام الإمام، لمناقشة خلاف يتعلق بمبالغ مالية محل نزاع بين الطرفين. 

وأشارت التحريات إلى أن اللقاء شهد مشادة تطورت إلى مشاجرة، ما استدعى تدخل الجهات الأمنية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى خلاف مالي حول فيلا كائنة بالساحل الشمالي، تقدر قيمتها بنحو 50 مليون جنيه.

 ووفقاً للتحريات، كان صبري نخنوخ قد أبرم في وقت سابق صفقة لشراء الفيلا من محمد الإمام وشقيقه هشام الإمام، قبل أن تنشأ خلافات بين الطرفين بشأن بعض الجوانب المالية المتعلقة بالاتفاق.

وأفادت التحريات بأن قيمة المبالغ محل النزاع بلغت نحو 20 مليون جنيه، فيما تباشر جهات التحقيق المختصة فحص ملابسات الواقعة والاستماع إلى أقوال جميع الأطراف للوقوف على حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات القانونية، تمهيداً لاتخاذ القرارات اللازمة وفقاً لما تسفر عنه التحقيقات.

مقالات مشابهة

  • سبب ضبط أحمد الحداد زوج الفنانة هاجر أحمد وما علاقة صبري نخنوخ؟
  • انت عيل صغير.. بداية مثيرة في مشوار مجدي الحسيني مع أم كلثوم وعبد الحليم
  • صبري عبد المنعم: سهام جلال كانت تبحث عن عمل
  • إنجي وجدان تخطف الأنظار بعد فقدانها للوزن بشكل ملحوظ
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • أوقعته في شباكها ليسقط ضحية بين شركائها.. حكاية عشيقة رجل مهم
  • فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
  • كريم عبدالعزيز: أحلم بتقديم «اللص والكلاب».. ونجيب محفوظ سبق عصره
  • «المخزون يكفي 6 أشهر».. نقابة الصيادلة: لا نقص في أدوية الكلى داخل الصيدليات