موطنها الوحيد نهر في أستراليا.. باحثون في سباق مع الزمن لإنقاذ هذه السمكة التاريخية
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- على امتداد 14 كيلومترًا لنهر بين شلالين، في غابات أستراليا المطيرة، تعيش سمكة صغيرة منذ ملايين السنين، مختبئةً بين الصخور نهارًا، وتخرج لتتغذى ليلاً.
هذا هو المكان الوحيد في العالم الذي ستجد فيه سمكة القد الاستوائية الوحيدة على كوكب الأرض.
تمثِّل السمكة بقايا من عصور غابرة، فيُعتقد أنّها انفصلت عن أقربائها في الجنوب قبل 25 إلى 30 مليون سنة تقريبًا.
طوال تلك المدة، سبحت سمكة القدّ الصغيرة من دون أن يكتشفها أو يصفها العلم الحديث حتّى العام 1993، عندما عثر عليها الباحثان مارك كينارد وبراد بوسي بالصدفة في نهر "بلومفيلد"، على امتداد الأجزاء الشمالية من غابة "دينتري" المطيرة المتنوعة بيولوجيًا، التي تُصنفها منظمة اليونسكو كأقدم غابة مطيرة في العالم.
وقال كينارد، الذي يشغل منصب نائب مدير معهد الأنهار الأسترالي في جامعة غريفيث حاليًا، ولا يزال يعمل مع الباحث بوسي في الجامعة ذاتها بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا: "إنّها سمكة صغيرة وجميلة".
آنذاك، أطلق كينارد وبوسي على السمكة اسم "سمكة القد النهرية في بلومفيلد"، فيما اسمها العلمي هو "Guyu wujalwujalensis"، نسبةً إلى مجتمع "ووغال ووغال"، أصحاب الأرض الأصليين.
لكن هذا النوع القديم من السمك، الذي لا يتجاوز طوله عشرة سنتيمترات، مُهدّد اليوم بسبب الحيوانات المفترسة الدخيلة والعواصف العنيفة الناجمة عن الاحتباس الحراري، الذي يتسبّب به البشر.
قبل عامين، اجتاح إعصار "غاسبر"، أحد أكثر الأعاصير الاستوائية تدميرًا في أستراليا، موطن سمكة القد بين شلالين في نهر "بلومفيلد"، مُقتلعًا الأشجار، ومُسببًا فيضان النهر، وجارفًا المزيد من الحيوانات المفترسة الدخيلة إلى بيئتها.
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عاد كينارد وبوسي إلى النهر لتقييم الأضرار وإحصاء أعداد سمك القد، على أمل إدراجه رسميًا ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض بموجب قوانين التنوع البيولوجي الأسترالية، ما سيوفر حماية أكبر.
وأكّد بوسي: "إذا فقدنا هذا النوع، فسنفقد أمرًا يمثِّل فترة طويلة ومعقدة من التطور. سيكون الأمر كارثة".
بداية الاكتشافكان كينارد وبوسي في رحلة بحثية لدراسة المناطق الاستوائية الرطبة في كوينزلاند عندما عثرا على السمكة في التسعينيات.
لم يدرك أي منهما ما كانا ينظران إليه بداية، لكن عند العودة برحلة أخرى بعد بضع سنوات، وجد كلاهما معلومات كافية تؤكّد أنّ هذه السمكة نوع جديد.
تُعد منطقة النهر الحاضنة لهذه الأسماك صعبة الوصول لمعظم الزوار، لكنها ليست نائية بما يكفي لضمان سلامتها.
ويُعدّ سمك "تولي غرونتر"، الذي يصل طوله إلى 35 سنتيمترًا، أكبر تهديد لهذه الأسماك من ناحية المفترسات. ويعتقد العلماء أنّ الصيادين الهواة أدخلوه إلى النهر لتزويدهم بصيدٍ وفير.
الآن، يتنافس سمك "تولي غرونتر" مع سمك القد على الغذاء، وقد يلتهم بيضه وصغاره.
وأوضح كينارد: "شهدت أعداده زيادة هائلة خلال السنوات الخمس إلى العشر الماضية، وهذا الأمر يُثير قلقنا بشدّة".
عثر الباحثان أيضًا على نوع من سمك السلور يُدعى " eel-tailed catfish"، وهو سمك أصيل ينتمي لأنهار تقع جنوبًا، وأسماك "غوبي" الآتية من أمريكا الوسطى، ما يُشير إلى إطلاق أسماك أليفة بدأت تتكاثر في نهاية المطاف.
لكنهما كانا مهتمان بشكلٍ خاص بتقييم آثار إعصار "غاسبر" خلال رحلتهما الأخيرة.
وقال كينارد: "لا تزال آثار الإعصار واضحة في المنطقة".
الطريق نحو الحمايةلقد تغير الكثير على مرّ العقود الثلاثة الماضية منذ أن اكتشف كينارد وبوسي هذه السمكة لأول مرة.
آنذاك، عمل الباحثان وحدهما، ولم يكن لديهما حتّى هاتف محمول للتواصل بشأن موقعهما.
أمّا الآن، تقوم طائرات بدون طيار برسم خرائط للجداول والنباتات من الأعلى، بينما تشير عينات الحمض النووي البيئي إلى الكائنات المتواجدة في الماء، من دون الحاجة إلى صيدها.
وقد ساهم تمويل البرنامج الوطني لعلوم البيئة في توسيع الفريق ليشمل علماء من جامعة جيمس كوك، إضافةً لأفراد من مجموعة "Terrain NRM" لإدارة الموارد الطبيعية.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: أسماك حيوانات مهددة بالانقراض
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026