قوى التغيير الجذري تدشن ميثاقاً للحفاظ على وحدة السودان
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
قوى التغيير الجذري حذرت من أنّ الدعوات الصريحة أو المبطّنة لتقسيم السودان لا تمثّل حلًا للأزمة، بل تنذر بمخاطر جسيمة.
الخرطوم: التغيير
أعلن تحالف قوى التغيير الجذري، تدشين ميثاق الحفاظ على وحدة السودان “بوصفه إطارًا وطنيًا جامعًا، يعبّر عن الإرادة الشعبية الرافضة لتقسيم البلاد، والمؤمنة بأن وحدة السودان أرضًا وشعبًا هي الضمانة الأولى لإيقاف الحرب، واستعادة السلام، وبناء دولة العدالة والمواطنة”.
ونبه التحالف في تصريح صحفي، إلى التحديات الوجودية الجسيمة التي يمرّ بها الوطن، وما تتعرّض له الدولة السودانية من خطر التفكك والانهيار بفعل الحرب، وتكاثر المشاريع التي تتغذّى على العنف والانقسام.
وأكد أنّ الدعوات الصريحة أو المبطّنة لتقسيم السودان لا تمثّل حلًا للأزمة، بل تنذر بمخاطر جسيمة، في مقدّمتها إطالة أمد الحروب وتحويلها إلى صراعات حدودية دائمة، وانهيار ما تبقى من النسيج الاجتماعي، وتكريس الإقصاء والتمييز، وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية ونهب الموارد، فضلًا عن مضاعفة الكلفة الإنسانية من نزوحٍ وتشريدٍ وفقدانٍ للأمن والخدمات الأساسية.
وقال إن تقسيم السودان لا يعني نهاية الأزمة، بل إعادة إنتاجها في كيانات أضعف وأكثر هشاشة.
مبادئ الميثاقوأوضح التحالف أن الميثاق يؤكد على مبادئ “وحدة السودان وسيادته مبدأ راسخ لا يقبل المساومة أو التجزئة، التنوع الثقافي والإثني والديني مصدر قوة ووحدة، لا أداة صراع أو إقصاء، العدالة والمواطنة المتساوية أساس بناء الدولة، دون تمييز أو تهميش، الحل السلمي الشامل للأزمات جذريًا، ورفض العنف وخطابات الكراهية، وحماية النسيج الاجتماعي ومواجهة كل المشاريع التي تستهدف تفكيك المجتمع أو فرض الوصاية عليه”.
مدخل لإعادة بناء الدولةواعتبر التحالف أن هذا الميثاق، يمثّل سياسيًا، مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تُنهي الحروب، وتستعيد القرار الوطني، وتفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي حقيقي يشارك فيه جميع السودانيين دون إقصاء.
وقال إنه يشكّل، اقتصاديًا، ضمانة للحفاظ على وحدة الموارد والثروات الوطنية، وشرطًا أساسيًا لإعادة الإعمار، وتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة، بدل تشظّي الاقتصاد وتحويله إلى اقتصاديات نزاع.
وأضاف: أما اجتماعيًا، فإن الميثاق يسعى إلى ترميم ما دمّرته الحرب من علاقات وثقة، وتعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل، وحماية الذاكرة المشتركة للشعب السوداني.
وتابع: وإنسانيًا، فإن وحدة السودان تظلّ السبيل الأجدى لوقف النزوح الجماعي، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وصون كرامة الإنسان السوداني في كل أقاليم البلاد.
دعوة للاصطفافودعا الميثاق جميع القوى الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب والنساء، والإدارات الأهلية، والقوى الحيّة في المجتمع، إلى الاصطفاف حول هذا المشروع الوطني، والعمل المشترك لتحويل مبادئه إلى برامج عملية وسياسات واضحة تحفظ وحدة البلاد، وتضع حدًا للحرب، وتؤسّس لمستقبل آمن وعادل لكل السودانيين.
وأكد التحالف إيمانه بأن السودان الواحد الموحّد خيار شعب وإرادة تاريخ، وليس شعار مرحلة، وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية عاجلة لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
الوسومالاقتصاد الحرب السودان القوى الوطنية تحالف قوى التغيير الجذري منظمات المجتمع المدني ميثاق الحفاظ على وحدة السودان
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الاقتصاد الحرب السودان القوى الوطنية تحالف قوى التغيير الجذري منظمات المجتمع المدني قوى التغییر الجذری وحدة السودان على وحدة
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]