ولكن أين هياكل داعش ليتم استهدافها؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
أنهت عملية "عين الصقر" التي نفذتها القوات الأمريكية ضد داعش، التوتر الذي ساد مسار العلاقة بين واشنطن ودمشق، على الأقل على مستوى التقديرات والتخمينات، بعد حادثة مقتل الأمريكيين الثلاثة في تدمر، وقد حسمت إدارة ترامب موقفها القاضي باعتبار استمرار الدعم الأمريكي لإدارة الرئيس أحمد الشرع، قرارا استراتيجيا لا رجعة فيه، وذلك في سياق مقاربة أمريكية أوسع، تهدف إلى ملء الفراغ في سوريا، والإشراف على الترتيبات الإقليمية الجديدة على إثر المتغيرات التي شهدتها المنطقة.
وحسنا فعلت إدارة ترامب بالهجوم الذي قامت به، في عملية يمكن وصفها بـ"الباغوز الثانية" على اعتبار أن معركة الباغوز الأولى قد أنهت إمارة داعش بشكلها الذي تأسست عليه بعد سيطرتها على الموصل والرقة في عامي 2013 و2014، حيث جرى تدمير هياكل داعش العسكرية والأمنية، وسحق منظومات الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بحوزة التنظيم، وسجن آلاف العناصر في سجون شرق سوريا، الهول والصناعة، بعد مقتل الآلاف من عناصره وفرار الأعداد الأكبر، واضطرارهم للبحث عن ملاذات آمنة، وغالبا بشكل إفرادي، بعضهم ترك داعش نهائيا، والبعض الآخر أعاد تنظيم صفوفه، ولكن وفق أساليب وأنماط عمل جديدة تتكيّف مع المعطيات الجديدة.
من تلك الأساليب، حسبما رصدت التقارير المحلية والدولية والدوائر الاستخباراتية، أن التنظيم اتبع سلوب الخلايا المتناهية الصغر، عنصرين أو ثلاثة، بالإضافة إلى إسلوب الذئاب المنفردة، والتخلي عن المركزية في اتخاذ القرار والتخطيط، وترك حرية التقدير لكل فرد أو خلية صغيرة، وهذا ناتج بدرجة كبيرة عن الوضع الأمني المعقّد الذي باتت تواجهه داعش في مسارح عملها السابقة، كما يتناسب مع السياسة الجديدة بعدم الإعلان عن أسماء الأمراء والولاة بعد أن تعرّض التنظيم لضربات كبيرة في المستويات القيادية، كما يتناسب مع ضعف التمويل بعد خسارة التنظيم لمصادر تمويله السابقة.
ويفيد تحليل العمليات التي قامت بها داعش في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، أن التنظيم بدأ نمط عمل مختلفا من حيث التكتيك والاستراتيجية المتبعة، إذ إن التنظيم بات يركز بدرجة كبيرة على المدن والمراكز الحضرية، ولم يعد عمله مقتصرا على المساحات الفارغة خارج سلطة الدولة السورية الجديدة، بل ضمن إطار ذي أهداف مختلفة، فلم يعد التنظيم يهتم بالخسائر الكمية والنوعية، مثلما كان يفعل سابقا، بل باتت لعمله أهداف سياسية تتطلب لتحقيقها عمليات نوعية.
فقد بات الهدف الأساسي إبراز أن حكومة الشرع غير قادرة ولا مؤهلة لتحقيق سيطرة أمنية داخلية، ما يدفع إلى الشك بشرعيتها، ومن ثم إخراجها من المعادلات الأمنية التي يجري رسمها في المنطقة. وفي هذا الإطار، يركز تنظيم داعش على القيام بعمليات في مناطق الأقليات أو في العاصمة دمشق (تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة ومحاولة تفجير مقام السيدة زينب)، وجاءت عملية استهداف الأمريكيين في تدمر، ضمن هذا السياق. ومن الواضح أن داعش سيستمر في العمل وفق هذا النمط في المرحلة القادمة لتطابقه مع الأهداف التي وضعها، والتي تقضي بعزل حكومة الشرع دوليا ودفع الداعمين لها إلى اليأس من إمكانية إخراج سوريا من حالة الفوضى.
ليس سرا أن عمليات التطويع، غير المنظمة، التي قامت بها حكومة الشرع، قد أدت إلى إدخال عناصر كثيرة تتبنى الفكر المتطرف، وقد بدا ذلك واضحا في العمليات التي تم تنفيذها في الساحل والسويداء، والارتكابات البشعة التي قامت بها العناصر وعمليات التنكيل بالمدنيين على أساس انتمائهم الطائفي، وكان ذلك مؤشرا خطرا على احتمال أن داعش أعاد تموضعه، ليس على صعيد الجغرافيا السورية، بل على مستوى بنى الجيش والأمن السوريين، وإذا كان ذلك صحيحا فما حاجتها بالأصل لهياكل مشتتة وموزعة في البادية بدون طرق إمداد ولا سلاسل قيادة ومنظومات اتصال مكشوفة؟
بناء على هذا التغيير في أسلوب العمل، كيّفت الأطراف المعادية لداعش عملياتها لتتناسب مع هذا الأسلوب، حيث تم اعتماد الإنزالات الجوية لضرب هدف أو اصطياد عنصر أو قائد في منطقة معينة، وفي إطار عمليات استخباراتية معقدّة ومنسّقة بين عدة أطراف، كما جرى اعتماد ضربات جوية منفردة وعلى فترات متباعدة، ما يعني أن الحرب على داعش كانت تجري بدون بنك أهداف واضح لعدم وجود هياكل فعلية للتنظيم.
قد يحتاج المراقب لعين صقر لرؤية الأهداف السبعين التي قالت القيادة الأمريكية إنها ضربتها في البادية السورية، فهل استطاعت تلك القيادة وخلال أيام معدودة كشف كل تلك الأهداف؟ الأرجح، إذا صحّت الرواية الأمريكية حول ضرب سبعين هدفا لداعش، أن القيادة كان لديها معلومات عن تلك المواقع ومخازن الأسلحة والمعسكرات، ما يطرح السؤال عن أسباب عدم استهدافها لها قبل وقوع حادثة تدمر، لا سيما أن القوات الأمريكية لم تعلن انتهاء حربها على داعش ولا انسحابها من المنطقة.
في النتيجة، لا يبدو مهما ما إذا كانت واشنطن قد ضربت أهدافا حقيقية لداعش، الذي تؤكد المعطيات أنه أعاد تموضعه في الجغرافيا السورية دون الحاجة لوجود هياكل معلومة، الأهم أن عملية "عين الصقر" جرى تصميمها في سياق تأكيد قدرة أمريكا على إدارة التوازنات في المنطقة وإمكانياتها في هندسة الوضع الإقليمي في المرحلة القادمة، أما الحرب الحقيقية على داعش فتحتاج نمطا مختلفا من العمل لا يستطيع القيام به سوى الحكومة السورية عبر إجراءات داخلية تضمن عدم اختراق داعش لبناها العسكرية والأمنية.
x.com/ghazidahman1
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء داعش الشرع سوريا سوريا امريكا داعش الشرع قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة رياضة تفاعلي صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.