القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك
تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT
على الرغم من نجاحهم العملي والأكاديمي، وظهورهم بمظهر هادئ ومتزن، يخفي بعض الأشخاص خلف هذا الهدوء حالة مستمرة من الاضطراب والقلق.
فعلى عكس اضطراب القلق العام، الذي ينعكس غالبا على السلوك اليومي والقدرات الوظيفية، يعمل ما يعرف بالقلق عالي الأداء (High-functioning anxiety) في صمت، وغالبا دون تأثير واضح على الإنتاجية.
بل إن المصابين به يتمكنون في كثير من الأحيان من الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنجاز، تخفي وراءها صراعا داخليا لا يهدأ.
ولا يدرج القلق عالي الأداء كتشخيص مستقل في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، إذ غالبا ما يصنف ضمن اضطراب القلق العام.
ومع ذلك، أصبح المصطلح شائعا للإشارة إلى أشخاص يعانون أعراض قلق داخلية، مع استمرارهم في أداء مهامهم المهنية والاجتماعية بكفاءة عالية، مدفوعين بشعور دائم بأن إنجازاتهم لا ترقى إلى المستوى المطلوب.
أعراض القلق عالي الأداءتشبه أعراض القلق عالي الأداء في مجملها أعراض اضطراب القلق العام، مع الفارق في كونها أكثر خفاء، ولا تؤثر بشكل واضح على الحياة اليومية، ومن بينها:
الإفراط في النقد الذاتي. القلق المتواصل بشأن الظهور بمظهر غير لائق. الشعور الدائم بالتهديد والسعي للسيطرة على التفاصيل. السعي الدائم للكمال ووضع معايير غير واقعية للنجاح. عدم تقبل الأخطاء أو الهفوات البسيطة. المماطلة والتجنب كآلية دفاعية. الشعور الدائم بالإجهاد والإفراط في تحليل كل موقف أو محادثة مما يعيق عيش اللحظة الحالية. متلازمة المحتال: أو الشعور الداخلي بعدم استحقاق النجاح. وعلى الجانب الجسدي قد يتجلى القلق في علامات مثل التعرق الزائد ونوبات الصداع المتكررة، والدوار، وتوتر العضلات المستمر، واضطرابات النوم، وآلام الرقبة والفكين، ومشكلات الجهاز الهضمي خاصة القولون العصبي.كما قد يلجأ البعض لممارسة سلوكيات تمنحهم راحة مؤقتة من القلق، مثل الانغماس في الألعاب الإلكترونية أو الإفراط في ممارسة التمارين الرياضية، وهي سلوكيات قد تبدو غير ضارة لكن الإفراط فيها قد يتحول إلى آليات إدمانية.
رغم الصورة الخارجية التي توحي بالنجاح والاتزان، يترك القلق عالي الأداء آثارا عميقة في حياة من يعانون منه، تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والجسدية، ومن أبرز هذه الآثار:
إعلانالإفراط في الأداء والعمل المفرط، من خلال قضاء ساعات طويلة في العمل أو التطوع لتحمل مهام إضافية، ما يفرض ضغوطا متراكمة تزيد من مستويات الإنهاك النفسي والجسدي.
تأثر العلاقات الاجتماعية نتيجة التركيز المفرط على الإنجاز المهني أو الأكاديمي، على حساب الروابط الاجتماعية والعائلية.
صعوبة تقبل الانتقاد، إذ يميل المصابون إلى تضخيم الملاحظات السلبية وتحويلها إلى نقد ذاتي قاس.
إهمال الرعاية الذاتية، بما يشمل اضطراب النوم، وعدم الانتظام في تناول الغذاء، وتجاهل الاحتياجات الجسدية الأساسية.
ويمكن أن يصيب القلق عالي الأداء مختلف الفئات بغض النظر عن العمر أو الجنس، غير أن بعض المجموعات تبدو أكثر عرضة للإصابة به. فالنساء، على سبيل المثال، أكثر عرضة لاضطراب القلق العام مقارنة بالرجال، وهو ما يعزى إلى تداخل عدة عوامل، من بينها الضغوط الاجتماعية المركبة، وأنماط التنشئة، وتوقعات المجتمع والمحيطين.
كما ترتفع معدلات القلق عالي الأداء في حالات أخرى، مثل التعرض لضغوط نفسية ومهنية مرتفعة، أو وجود استعداد وراثي للقلق، إضافة إلى النشأة في بيئات غير آمنة نفسيا، أو مع مقدمي رعاية يعانون بدورهم من اضطرابات القلق.
نصائح للتعامل مع القلق عالي الأداءهناك عدد من النصائح والإستراتيجيات التي قد تساعدك على التخفيف من حدة أعراض القلق ومن بينها:
تحقيق توازن صحي بين العمل والراحة والترفيهاحرص على الحصول على قدر كاف من النوم، والالتزام بتغذية صحية، وممارسة النشاط البدني بانتظام. كما يفضل الموازنة بين فترات العمل وفترات الراحة والترفيه لتجنب الإرهاق النفسي والجسدي.
بناء شبكة دعم اجتماعييساعد وجود أشخاص داعمين يمكنك مشاركة مشاعرك معهم في تخفيف القلق والتوتر، سواء من العائلة أو الأصدقاء، خاصة ممن يمنحونك مساحة آمنة للحديث دون خوف من النقد أو التقليل.
ممارسة التأمل واليقظة الذهنيةتساعد هذه التمارين على التركيز في اللحظة الحالية، والحد من التفكير المفرط، وتقليل مستويات التوتر المصاحبة للقلق.
وضع حدود واضحةتعلم قول "لا" لما لا يناسبك، سواء في الالتزامات المهنية أو الاجتماعية، بما يحمي طاقتك النفسية ويمنع تحميل نفسك فوق طاقتها.
تقبل النقد بشكل صحيحاول التعامل مع النقد بموضوعية، وفصله عن تقييمك لذاتك، دون تضخيمه أو تحويله إلى حكم قاس على النفس.
تعلم تقنيات الاسترخاءمثل التنفس الواعي، وتمارين التمدد الخفيفة، التي تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر الجسدي المصاحب للقلق.
تجنب المقارنة بالآخرينبدلا من مقارنة نفسك بالآخرين والشعور بقلة الإنجاز، ركز على تجربتك الخاصة وأهدافك الشخصية، واحتف بما حققته مهما بدا بسيطا.
تحقيق التوازن الشخصيخصص وقتا لنفسك، وضع حدودا واضحة في العمل، ويمكنك تجربة هوايات جديدة تساهم في تحسين حالتك المزاجية وتخفيف التوتر.
طلب المساعدة المتخصصةلا تتردد في اللجوء إلى معالج نفسي محترف عند الحاجة، فالعلاج السلوكي والمعرفي يقدم أدوات فعالة للتعامل مع القلق بمختلف أنواعه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الإفراط فی
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.