الشهيدان أبو عبيدة المشتبهان المتشابهان الكحلوت واللداوي
تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT
#الشهيدان أبو عبيدة المشتبهان المتشابهان #الكحلوت و #اللداوي
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
يوم أن أعلنتُ عن استشهاد أخي الأصغر عبد الله، المكنى بأبي عبيدة، قائد كتيبة الشهيد عماد عقل في لواء الشمال بقطاع غزة، يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين أول/أكتوبر 2025، إثر تعرضه قبل عشرة أيامٍ من استشهاده رفقة الشهيد تاج الدين الوحيدي لغارةٍ جويةٍ إسرائيلية، استهدفت مكان إقامتهما غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد الوحيدي فوراً، وإصابة أخي إصابةً بالغةً، بترت فيها يداه من أعلى الكتفين، ومزقت شظية أحشاءه الداخلية أدت تداعياتها إلى تسممه واستشهاده.
ظن كثيرٌ من المتابعين أن أخي الشهيد عبد الله هو الملثم أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، وأعادوا نشر تغريدتي التي أعلنت فيها خبر استشهاده، وذيلوها بعبارات تشي بأنه الملثم، علماً أن جيش العدو الإسرائيلي كان قد أعلن قبل أكثر من ثلاثة أشهر أنه “قتل” الملثم أبا عبيدة، وكشف عن اسمه الحقيقي، وتفاخر الناطق باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي بــــ “مقتله”، وأخذت وسائل الإعلام المحلية والدولية تتناقل خبر استشهاده، وتنشر صوره القديمة، وتعيد بثت مقاطع من كلماته العامة وخطب الجمعة إذ كان خطيباً، وغيرها من المناسبات والفعاليات العامة التي كان يشارك فيها بوجهه المكشوف وصورته المعروفة.
مقالات ذات صلة تزييف التاريخ 2026/01/03إلا أن كتائب الشهيد عز الدين القسام، المصدر الرئيس والأساس الموثوق لدى الشعب والمقاومة، لم تؤكد الأخبار الإسرائيلية ولم تنفها، ولم تعلق شيئاً يعزز رواية العدو أو يشكك فيها، وتركته يتخبط حائراً لا يعرف مصداق ادعائه، ولا يملك القدرة على معرفة الحقيقة، وإن كان جيشه يؤكد أنه استهدف المكان الذي يتواجد فيه أبو عبيدة “الملثم”، بعد أن حصل على المعلومة الذهبية التي تؤكد وجوده، فقرر على عجل، باستخدام أحدث الأسلحة وأدقها وأكثرها فتكاً وتدميراً استهدافه، وظن أن أحداً بموجب الأسلحة المستخدمة في الغارة، ممن يصادف وجوده في المكان حال قصفه لن ينجو من “الموت” المحقق.
بقي الاشتباه قائماً بين الشهيدين “أبي عبيدة” حتى اليوم الذي ظهر فيه الملثم الجديد، أبو عبيدة الثاني، وارث الكنية وصاحب المهمة، وحامل الراية والأمين على الرسالة، والصادح بصوت المقاومة الصادق الرواية، ببلاغة سلفه وبيانه، وبدقة كلماته ووضوح عباراته، وبكوفيته الحمراء وسبابته المرفوعة، وبصوتٍ غزيٍ يكاد يشبهه، معلناً استشهاد سلفه مع كوكبةٍ أخرى من قادة المقاومة ورجالها الشجعان، ومؤكداً أن الراية التي حملها لن تسقط، وأن الصوت الذي عهدناه فيه لن يسكت، والحقيقة التي عودنا عليها لن تغيب، فهذا عهد الشهيد وهذه وصيته، وهذا وعده وهذه هي عقيدته.
إعلان استشهاد “الملثم” أبي عبيدة، أعاد من جديد السؤال عن سبب الاشتباه ووجه التشابه بين الشهيدين، وكأن الاشتباه لم تحسمه الشهادة، ولم يقطع بها إعلان الناطق الرسمي الجديد، فهما فضلاً عن كنيتهما الواحدة “أبو عبيدة”، وأنهما صنوان وأترابٌ وأبناء جيلٍ واحدٍ، فكلاهما من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وينتسبان إلى لواء الشمال الذي خدما فيه لسنواتٍ طويلة، وهما قدراً جيران، وأبناء منطقةٍ واحدةٍ، وشاءت الأقدار أن يكون الملثم عديلَ أخي الشهيد رائد، الذي استشهدت زوجته معه فسبقت أختها زوجة الملثم أبي عبيدة، ما جعل العلاقة بين الشهداء الثلاثة، تتجاوز علاقة المقاومة والسلاح إلى العلاقة العائلية، التي عززت مقاومتهم، وعمقت علاقتهم، ورسخت انتماءهم، وجعلت الشهادة حلمهم ورضا الله عز وجل غايتهم.
اليوم نميط اللثام بحق ونزيل الاشتباه، ونحسم الأمر ونقطع الشك باليقين، ونعلن أن الشهادة شرف ورفعة، وهي عزة ومكانة، ودرجة ومرتبة، لا يرقى إليها ولا ينالها إلا من انتقاه الله عز وجل واختاره من بيننا وميزه عنا، وقد رفع الله عز وجل بالشهداء قدرنا، وجعل لنا اسماً يذكر في الدنيا، وشرفاً نروم به بين الناس، وذخراً نلقاه به يوم القيامة، ففرحت به عائلته واستبشرت، ورفعت رأسها وتفاخرت، وقد سبقها إلى الجنة وكان فرطاً لها، وعلى أبوابها يستقبلها ويمد يده إليها، ومن قبل يشفع لها ويرجو الله عز وجل أن يغفر لها ويرضى عناه.
رحم الله الشهيدين الأغرين، القائدين المقدامين، المجاهدين الصادقين، اللواءين الأكرمين، القساميين الأجلين، المشتبهين المتشابهين، أبي إبراهيم حذيفة الكحلوت “الناطق الرسمي الملثم”، وأبي عبيدة عبد الله اللداوي قائد كتيبة عماد عقل، وغفر لهما ورفع قدرهما، وجمعهما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته الأخيار، وشهداء أمتنا الأطهار، وإخوانهم الذين سبقوا على الطريق، وكتب لنا من بعدهم نصراً عزيزاً، وعزاً مكيناً، ومجداً تليداً، وتحريراً قريباً، وعودةً مظفرةً، وعوضنا عنهم قادةً جدداً، وأبطالاً أُسداً، صادقين مخلصين، واثقين مؤمنين، ينجز بهم وعده، ويكتب بهم قدره، ويعلي بهم حقه، ويحقق على أيديهم نصره.
بيروت في 3/1/2026
moustafa.leddawi@gmail.com
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الكحلوت الله عز وجل أبو عبیدة أبی عبیدة
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026