معركة حضرموت التي طردت الإمارات وهزمت الانتقالي وبشّرت بمرجعية جنوبية جديدة
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
الثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، يوم مفصلي في تاريخ الأزمة والحرب في اليمن، لأنه يؤرخ لخروج الإمارات من التحالف ولنهاية وجودها السياسي والعسكري والأمني، بعد إنذار حاسم حُدد بـ24 ساعة، صدر عن رئيس المجلس الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي في الثلاثين من الشهر الماضي، دعمته وتكفلت السعودية بترجمته على أرض الواقع، بأول هجوم جوي على أكبر شحنة عسكرية إماراتية وصلت ميناء المكلا عبر سفينتين، في إطار الدعم الإماراتي العنيد لمعركة المجلس الانتقالي في شرق اليمن.
استجابت الإمارات للإنذار ونفَّذت عملية انسحاب سريعة لنحو مائتي ضابط وجندي كانوا يعملون في اليمن ضمن مسار منفصل عن المهمة الرئيسة للتحالف، وهو مسار مكافحة الإرهاب الذي ارتبط بتخادم مدروس مع الأمريكيين، وتمت إدارته من خلال غرفة عمليات مشتركة في مطار الريان في محافظة حضرموت، وتبلورت أهدافه في خوض معركة لا هوادة فيها ضد الإخوان وحزب الإصلاح، والتيار السلفي السروري والتيار الوطني الملتزم بأهداف استعادة الدولة اليمنية وحماية مكاسب التغيير الديمقراطي السلمي.
أنتجت معركة استعادة المعسكرات، واقعا جديدا، إذ غابت الإمارات عن المسرح اليمني، وبرزت السعودية كمتحكم وحيد بملف الحرب والسلام، متحررة من التأثير الثقيل والمؤذي للمشروع الانفصالي المدعوم من الإمارات
أدارت الإمارات ضمن مسار مكافحة الإرهاب أيضا عملية عسكرية وسياسية مغامرة لفرض الانفصال وصناعة دولة جديدة باسم "الجنوب العربي"؛ بلغت ذروتها بتنفيذ أوسع هجوم عسكري على محافظتي حضرموت والمهرة شرق اليمن في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وهو تاريخ له دلالته الرمزية، إذ يصادف ذكرى استقلال الإمارات. نجح الهجوم العسكري في جعل الانفصال واقعا ماثلا، وأمرا واقعا، تجلت خطورته ليس فقط في إنهاء الوجود المادي للجمهورية اليمنية، بل في أنه كاد أن يُلحق هزيمة عسكرية وسياسية وأخلاقية مدوية بالدور السعودي، ويدفع به إلى خارج المشهد اليمني مثقلا بأعباء تدخل عسكري كان سينتهي إلى نتيجة صفرية، إذا ما أذعنت الرياض لنتائج العملية العسكرية في شرق اليمن.
المواجهة الحاسمة:
القصف الجوي لشحنة الأسلحة في ميناء المكلا أصدرت إشارة قوية لطبيعة التحرك السعودي الحاسم، في إطار ما أسمي بـ"عملية استعادة المعسكرات" التي شاركت فيها وحدات من قوات درع الوطن ومن الجيش، إلى جانب الإسناد الجوي للطيران الحربي الملكي ومروحيات الأباتشي للمعركة. وتزامنت العملية مع تدابير أخرى من بينها نشر قطع من البحرية الملكية السعودية في بحر العرب، بهدف إحكام الحصار على أي إمدادات قد ترسل لتعزيز قوات الانتقالي.
لم تستمر عملية استعادة المعسكرات أكثر من يومين، فقط، حيث انهارت قوات الانتقالي، وانسحبت باتجاه عدن، بالحد الأدنى من المستلزمات العسكرية، فيما شكل ضربة قاصمة لقدرات الانتقالي العسكرية، انعكست على الفور في موقفه السياسي، الذي تراجع من إصدار الإعلان الدستوري الذي يعني سريان مفعول الانفصال، إلى القبول بدعوة السعودية لمؤتمر مشاورات جنوبي في الرياض، بالحد الأدنى من الاشتراطات، ليسفر المشهد عن تهاوٍ لمكانة ودور الانتقالي الذي ولد من رحم الطموح الإقليمي لممارسة النفوذ في ساحة منهكة بالصراع، وصُبغت عقيدته السياسية والعسكرية بنزعة الحقد الأيديولوجي ضد كل ما له علاقة بالدين والديمقراطية والتغيير وفقا للإرادة الشعبية.
لقد أنتجت معركة استعادة المعسكرات، واقعا جديدا، إذ غابت الإمارات عن المسرح اليمني، وبرزت السعودية كمتحكم وحيد بملف الحرب والسلام، متحررة من التأثير الثقيل والمؤذي للمشروع الانفصالي المدعوم من الإمارات.
الأفق السياسي لمرحلة ما بعد دحر قوات الانتقالي من شرق اليمن، يَعِدُ بتحولاتٍ جوهريةٍ، إذ من المتوقع أن ينتج عن مؤتمر المشاورات الجنوبي الذي دعا له الرئيس اليمني والحكومة السعودية، مرجعية جديدة للقضية الجنوبية، لن يغلب عليها مكون واحد، ولكن قد تأتي في شكل طيف واسع من المكونات والشخصيات الثقيلة الوزن والتي تتمتع بسمعة جيدة وبقدر عال من الثقة لدى الشعب اليمني في الجنوب.
لم تكن الإمارات شريكا مثاليا للسعودية في حرب اليمن، بل طرفا منافسا ومتربصا، وعدوا في مواجهة مكتومة مع الرياض
ومن المرجح أن يُعاد تشكيل رأس الدولة عبر صيغة تقضي بانتخاب شخصيات لعضوية مجلس القيادة الرئاسي الحالي، أو إلغاء المجلس والاكتفاء برئيس ونائب أو نائبين، وبما يضمن استقرار في مسار القضية الجنوبية وإبقائها تحت مظلة الدولة اليمنية، ويُفسح المجال أمام السلطة الشرعية والتحالف، للتعامل مع تحدي الانقلاب الحوثي، عبر المسار المناسب الذي تسمح به وتدعمه السياقات الدولية والإقليمية، ما يعني التوجه نحو الحل السياسي أو الحسم العسكري.
لماذا افترق الحليفان؟
لم تكن الإمارات شريكا مثاليا للسعودية في حرب اليمن، بل طرفا منافسا ومتربصا، وعدوا في مواجهة مكتومة مع الرياض، شهدت العديد من الخيبات التي تكبدتها أبو ظبي، بدأت من أرخبيل سقطرى في ربيع العام 2018 عندما أجبرتها الحكومة الشرعية ومن ورائها المملكة على سحب قواتها من الأرخبيل بعد احتلال دام ثلاثة أيام لمطار الأرخبيل ومنشآت أخرى، ردا على زيارة رئيس الوزراء الدكتور أحمد عبيد بن دغر محافظة أرخبيل سقطرى على رأس عدد كبير من الوزراء، وصعدت الحكومة ضد التواجد العسكري الإماراتي المفاجئ وغير المبرر، متهمة الإمارات باحتلال الأرخبيل، ضمن شكوى رسمية رفعتها إلى مجلس الأمن؛ اضطرت معها الإمارات للاعتذار.
الخيبة الأخرى جاءت في شكل انسحاب عسكري واسع للإمارات من اليمن في خريف العام 2019، تزامن مع إعلان لدورها القتالي، بعد مواجهة سياسية مع السلطة الشرعية اليمنية، شهدت تقديم الحكومة شكوى هي الثانية من نوعها ضد الإمارات لدى الأمم المتحدة، على خلفية قصف الطيران الإماراتي لقوات الجيش اليمني عند بوابة عدن في 10 آب/ أغسطس 2019، وتورطها قبل ذلك في دعم التمرد العسكري للانتقالي ضد الرئيس والحكومة وطردهما من عدن.
لقد حولت الإمارات انسحابها العسكري إلى جزء من خطة تكتيكية أرادت من خلالها تفادي التداعيات الخطيرة للسلاح الاستراتيجي الجديد للحوثيين المتمثل في الصواريخ بعيدة المدى طائرات دون طيار، التي ضرب بها الحوثيون العمق السعودي، وهو تحول ساهم في إرباك قائدة التحالف، ولربما استفادت الإمارات من هذا الإرباك في مواصلة تحقيق تنفيذ مخططها التخريبي، ومساعيها لفرض الانفصال وتقوية أدواته السياسية والعسكرية.
x.com/yaseentamimi68
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه اليمن الإمارات السعودية المجلس الانتقالي الشرعية السعودية اليمن الإمارات شرعية المجلس الانتقالي مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة شرق الیمن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..