د. أحمد بن موسى البلوشي

في كُل مرحلة زمنية من مراحل الحياة، تتبدل وسائل التأثير على النَّاس، لكن الخداع يبقى حاضرًا بأشكال متنوعة، وفي كل حقبة زمنية نعتقد أننا نعيش عصرًا استثنائيًا يختلف عن بقية العصور السابقة، وأن ما نواجهه اليوم لم تعرفه الأجيال التي عاشت قبلنا، غير أن العودة إلى الكثير من التجارب الماضية تكشف عكس ذلك.

الكثير مما نشاهده اليوم هو تكرار لأنماط قديمة، تغيرت أدواتها، وأساليبها، وتسارع انتشارها، لكن جوهرها بقي كما هو عليه، ومع اتساع دور الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في صناعة المحتوى وتوجيه الاهتمام، أصبح التحدي الحقيقي ليس في الوصول إلى المعلومة والمعرفة فقط؛ بل في القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما يُصاغ بعناية للتأثير في الوعي.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي وأدواته المختلفة بقوة إلى مجالات الحياة، لم يعد الخداع محصورًا في خطاب مباشر أو مادة إعلامية تقليدية يمكن كشفها بسهولة، بل أصبح أكثر تعقيدًا وأشد تأثيرًا وانتشارًا؛ فالخوارزميات اليوم تختار ما نراه، وتُحدِّد ما ينتشر، وتُعيد ترتيب الأولويات دون أن نشعر، بينما تُنتج التقنيات الحديثة صورًا ومقاطع فيديو تبدو حقيقية إلى حد يصعب معه التمييز بين الواقع والمفبرك، ونتيجة لذلك نرى أحيانًا رسائل معينة تنتشر وبقوة، وأخرى تختفي، ليس لأنها الأصدق، بل لأنها الأكثر توافقًا مع منطق المنصات وأهدافها، ما يخلق مشهدًا إعلاميًا مشوشًا بين الصدق والكذب.

وتؤكد التجارب أن الأجيال التي لا تُدرَّب على السؤال والتحليل تكون أكثر تصديقًا للأشياء، وأكثر قابلية للانقياد، مهما بدا حجم المعلومات المتاحة لها واسعًا. فوفرة المعرفة والبيانات لا تعني بالضرورة وعيًا حقيقيًا، ما لم تُصاحبها قدرة على الفهم والنقد، وهنا تتجلى الرسالة العميقة التي مفادها "أن التجربة الإنسانية كثيرًا ما تعيد نفسها، بينما تتغير الأدوات والوسائل فقط"، ومن لا يتسلح بالوعي سيقع في الفخ ذاته، حتى وإن بدا مختلفًا في شكله وأساليبه.

ويؤدي الإعلام في هذه القضية دورًا حساسًا ومزدوجًا في آنٍ واحد؛ فهو قادر على أن يكون خط الدفاع الأول عن وعي أفراد المجتمع حين يلتزم بالمهنية، ويتحرى الدقة، ويقدّم المعلومة في سياقها الصحيح، دون تهويل أو تلاعب. لكنه في المقابل قد يتحول إلى أداة تضليل خطيرة عندما يخضع لمنطق الإثارة السريعة، أو السباق على نسب المشاهدة، أو لخدمة مصالح ضيقة تتقدم على حق الجمهور في المعرفة، ومع هيمنة المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المتلقي مجرد متابع، بل أصبح جزءًا من عملية صناعة المحتوى ونشره، يُشارك الأخبار ويعيد تداولها أحيانًا دون تحقق كافٍ، وفي ظل هذا الواقع، تزداد الحاجة إلى إعلام واعٍ ومسؤول، لا يكتفي بنقل الحدث، بل يساعد الجمهور على الفهم والتحليل، ويمنحه الأدوات التي تمكّنه من التمييز بين المعلومة الموثوقة والمحتوى الموجّه أو المضلل.

أما التعليم، فيمثل خط الدفاع الحقيقي والأكثر استدامة في مواجهة هذا الخداع المتجدد. فلم يعد دوره محصورًا في تلقين المعرفة أو حفظ المعلومات، بل أصبح مطالبًا ببناء عقل واعٍ قادر على السؤال والتحليل والمقارنة قبل التصديق. فالمتعلم اليوم يحتاج إلى فهم كيفية تشكّل المحتوى الذي يراه، وكيف تعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في توجيه المعلومات وترتيبها، وتأثير ذلك في تشكيل آرائه ومواقفه. ومن هنا، لم يعد إدماج مفاهيم الثقافة الرقمية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومهارات التفكير النقدي في المناهج التعليمية خيارًا إضافيًا، بل ضرورة أساسية لحماية الوعي، وإعداد أجيال قادرة على التعامل مع التكنولوجيا بوعي ومسؤولية، لا الانسياق خلفها دون إدراك.

ختامًا.. لا يمكن مواجهة الخداع الذي نراه اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي بالخوف أو بالتجاهل أو برفض التغيير؛ بل يجب علينا بناء شراكة واعية بين الإعلام والتعليم تقوم على الشفافية، وتنمية الوعي النقدي، والفهم المسؤول، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية في استخدام التكنولوجيا. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بقدرة الآلة على المحاكاة أو الذكاء، بل بقدرة الإنسان على السؤال قبل التصديق، والفهم قبل التبني، لأن التاريخ قد يعيد نفسه بأدوات جديدة، لكن الوعي وحده القادر على كسر هذه الحلقة.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول

 

 

 

كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.

وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.

وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.

وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.

وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.

وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.

وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.

ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.

كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام


مقالات مشابهة

  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
  • الذكاء الاصطناعي يقود "نوكيا" إلى أرباح تفوق التوقعات
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تطلق بالشراكة مع مايكروسوفت مرحلة جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالها
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي