فنزويلا تحت مقصلة الإمبراطورية.. ترامب يدشّن حقبة العدوان العاري وانهيار النظام الدولي
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
يمانيون | تحليل
لم يكن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا مجرد تدخل خارجي جديد يضاف إلى سجلها الطويل من الانقلابات والاعتداءات، بل كان إعلانًا فاضحًا عن سقوط آخر الأقنعة التي طالما اختبأت خلفها الإمبراطورية الأمريكية.
تحت قيادة دونالد ترامب، انتقلت واشنطن من سياسة الهيمنة المقنّعة إلى العدوان العاري، ومن إدارة الفوضى بالوكالة إلى صناعتها المباشرة بالقوة العسكرية الصرفة، في مشهد يؤكد أن العالم يُدفع عمدًا نحو مرحلة بلا ضوابط ولا مرجعيات.
ترامب… الوجه الصريح للإجرام الأمريكي
يمثل دونالد ترامب النسخة الأكثر وقاحة وصدقًا في التعبير عن العقل السياسي الأمريكي.
فهو لم يأتِ بجديد، بقدر ما كشف المستور، وعبّر بوضوح عمّا كانت الإدارات السابقة تمارسه بدهاء لغوي وتحت عناوين براقة كـ«نشر الديمقراطية» و«حماية حقوق الإنسان».
مع ترامب، لم تعد واشنطن ترى ضرورة لتبرير جرائمها أو تغليفها قانونيًا، بل بات التفاخر بالعدوان جزءًا من الخطاب الرسمي.
إن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، والإعلان عنه في مؤتمر صحفي، واستعراض صوره كغنيمة حرب، يعكس حالة من الانفلات الأخلاقي والسياسي غير المسبوق، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تعد تعترف بأي خطوط حمراء، لا سيادية ولا إنسانية.
الجريمة في سياقها… فنزويلا ليست الهدف بل المثال
فنزويلا ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الدول التي قررت واشنطن كسر إرادتها لأنها تجرأت على الخروج من بيت الطاعة الأمريكي.
الجريمة هنا لا تتعلق بشخص مادورو، بل بنموذج سياسي واقتصادي حاول – رغم كل ما شابه من إشكالات – أن يحتفظ بحد أدنى من القرار الوطني المستقل، وأن يرفض الخضوع التام لنهب الثروات وإملاءات المؤسسات المالية الغربية.
من هذا المنظور، تتحول فنزويلا إلى رسالة دموية لكل دول العالم: إما الخضوع، أو الفوضى، أو السقوط بالقوة.
وهو منطق يعيد إنتاج الاستعمار بأدوات القرن الحادي والعشرين، حيث لا جيوش احتلال طويلة الأمد، بل ضربات خاطفة، وانقلابات نظيفة، وتغيير أنظمة بأقل كلفة سياسية داخلية على واشنطن.
سقوط القانون الدولي… حين تصبح الجريمة سياسة
ما جرى في فنزويلا يمثل نسفًا كاملًا لمفهوم القانون الدولي. فاختطاف رئيس منتخب بالقوة، دون تفويض أممي، ودون إعلان حرب، ودون أي غطاء قانوني، يعني عمليًا أن النظام الدولي قد انتهى، وأن المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد سوى هياكل فارغة.
مجلس الأمن، الأمم المتحدة، محكمة الجنايات الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، كلها وقفت عاجزة أو صامتة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذه المؤسسات وُجدت أصلًا لحماية الدول الضعيفة، أم لضبط إيقاع العدوان بما يخدم مصالح الأقوياء فقط؟
«العملية النظيفة»… كذبة التفوق العسكري
حرصت الإدارة الأمريكية على تسويق العملية بوصفها إنجازًا عسكريًا مذهلًا، خاليًا من الخسائر، لتكريس صورة التفوق المطلق للجيش الأمريكي.
غير أن هذه الرواية، عند تفكيكها، تكشف عن بعد أكثر خطورة: الاعتماد الواسع على الخيانة الداخلية، والاختراق الأمني العميق لمؤسسات الدولة الفنزويلية.
إن تحليق المروحيات الأمريكية على ارتفاع منخفض فوق العاصمة، دون أي رد دفاعي، لا يدل على عبقرية عسكرية بقدر ما يدل على انهيار منظومة القرار الدفاعي من الداخل، سواء بفعل اختراق استخباري واسع أو تواطؤ سياسي منظم.
وهذا بحد ذاته جريمة إضافية، إذ يثبت أن واشنطن لا تنتصر بقوتها فقط، بل بشراء الذمم، وتفكيك الدول من الداخل قبل ضربها.
دور الاستخبارات… ما كشفته التسريبات
في هذا السياق، أشارت تقارير صحفية أمريكية، من بينها صحيفة نيويورك تايمز، إلى وجود شخصية نافذة داخل الحكومة الفنزويلية عملت لصالح الاستخبارات الأمريكية، وكانت مكلفة بمراقبة تحركات الرئيس مادورو في الأيام التي سبقت اختطافه.
كما تحدثت منصة أكسيوس الإخبارية عن دور مباشر لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في إدارة شبكة عملاء داخل فنزويلا منذ أغسطس الماضي، وهو ما سهل تنفيذ العملية.
ومع ذلك، تبقى هذه المعطيات غير كافية للإجابة عن جميع الأسئلة، خاصة في ظل اعتقاد متزايد بأن جناحًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة إما عمل لصالح الأمريكيين أو التزم الصمت الكامل وتوقف عن أي رد فعل.
الاستعراض بعد الجريمة… سياسة الترهيب
لم يكتفِ ترامب بتنفيذ الجريمة، بل سارع إلى توظيفها دعائيًا، في مشهد استعراضي يهدف إلى ترهيب كل من يفكر بالخروج عن الإرادة الأمريكية.
فالصور التي عُرضت لمادورو ليست موجهة للشعب الفنزويلي فقط، بل لقادة أمريكا اللاتينية، وللدول الرافضة للهيمنة في آسيا وأفريقيا، وحتى لحلفاء واشنطن أنفسهم.
إنها رسالة مفادها أن السيادة الوطنية أصبحت وهمًا، وأن أمريكا تحتفظ بحق التدخل والإطاحة والاختطاف متى شاءت، دون مساءلة أو محاسبة.
ترامب والصهيونية العالمية… تحالف الفوضى
لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن المشروع الأوسع الذي تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع الصهيونية العالمية، والقائم على تفكيك الدول، وإشاعة الفوضى، ومنع أي تكتل دولي مستقل.
هذا المشروع لا يستهدف فنزويلا وحدها، بل يمتد من غزة المحاصرة، إلى سوريا المنهكة، إلى أمريكا اللاتينية، في إطار رؤية واحدة ترى في الفوضى المدارة وسيلة للسيطرة.
خاتمة
إن الجريمة الأمريكية في فنزويلا ليست خطأً في الحسابات، ولا نزوة ترامبية عابرة، بل تعبير صريح عن جوهر السياسة الأمريكية في لحظة انكشاف تاريخي.
عالم اليوم يُدفع نحو قانون الغاب، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة، ولا قيمة لسيادة أو قانون أو أخلاق.
لكن التاريخ يؤكد أن الإمبراطوريات، مهما بلغت قوتها، لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ بالسقوط حين تعتقد أن العالم كله بلا ذاكرة، وبلا مقاومة، وبلا قدرة على الرد. وفنزويلا، كما غيرها من ضحايا الهيمنة الأمريكية، ليست نهاية القصة، بل إحدى محطاتها الأكثر فجاجة ووضوحًا.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: فی فنزویلا
إقرأ أيضاً:
مكالمات مشتعلة بين ترامب ونتنياهو ،،!!
ترامب ونتنياهو.. تحالف تحت ضغط المكالمات المتوترة وإعادة رسم حدود النفوذ تكشف ،، المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي والأمريكي عن مرحلة أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية إدارة الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، فإن مكالمة هاتفية حديثة بين الجانبين اتسمت بحدة غير مسبوقة، وخرجت عن الإطار التقليدي للحوار بين الحليفين، لتعبّر عن خلاف سياسي عميق حول حدود التصعيد العسكري، خصوصًا في ما يتعلق بلبنان وإيران.
المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية تشير إلى أن ترامب عبّر عن رفض واضح لتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت، محذرًا من أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد ينعكس سلبًا على إسرائيل نفسها، ويزيد من عزلتها الدولية، ويضع واشنطن في موقف سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد.
وتذهب بعض الروايات الإعلامية إلى أن أجواء المكالمة شهدت تبادلًا حادًا في اللغة السياسية، يعكس توترًا غير معتاد في مستوى التنسيق بين الطرفين، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على انتقال الخلاف من مستوى إدارة ملفات إلى مستوى إعادة تعريف أولويات كل طرف.
في المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن أوساط سياسية في تل أبيب أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية عبّروا عن استياء واضح من الموقف الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار والقيود المفروضة على توسيع العمليات ضد إيران وحزب الله، معتبرين أن هذه المواقف تُضعف قدرة إسرائيل على فرض معادلات الردع في الميدان.
هذا التباين في الرؤى لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجبهات العسكرية في غزة ولبنان، مع الملف الإيراني الذي يظل محورًا مركزيًا في حسابات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى ضبط التصعيد ومنع انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة، بينما تميل حكومة نتنياهو إلى خيار الحسم العسكري التدريجي.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أعمق تتجاوز الخلافات الظرفية، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رغم رسوخها الاستراتيجي، لم تعد محصنة من التباينات الحادة في التقدير السياسي، خصوصًا عندما تتقاطع الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل.
كما أن الحديث المتزايد عن “العزلة الدولية” لإسرائيل لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل بات جزءًا من الحسابات السياسية داخل واشنطن نفسها، التي تخشى من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف موقعها في المنطقة وإعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة التوتر الأخير باعتباره مؤشراً على مرحلة انتقالية في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لم يعد الدعم الأمريكي يُمنح دون شروط سياسية واضحة، ولم تعد إسرائيل تتحرك في فضاء مفتوح من الغطاء السياسي غير المحدود.
إن ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية، إلى جانب التسريبات الأخرى، لا يعكس مجرد خلاف عابر، بل يشير إلى اختبار حقيقي لمعادلة استراتيجية ظلت لعقود من الزمن أحد ثوابت الشرق الأوسط، لكنها اليوم تواجه إعادة صياغة تحت ضغط الحرب، والرأي العام الدولي، وتغير أولويات القوى الكبرى.
وفي المحصلة، يبدو أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إدارة الخلاف داخل التحالف، بدلًا من غياب الخلاف داخله.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ...،!!