المصطبة: ذاكرة المكان ومدرسة القيم في التراث الشعبي القنائي
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
تُعدّ المصطبة واحدة من أبرز معالم الحياة الاجتماعية في قرية العركي شمال محافظة قنا، فهي ليست مجرد مجلس أمام المنازل، بل كيان ثقافي واجتماعي متكامل، شكّل عبر أجيال طويلة مدرسة مفتوحة للتربية، ومنبرًا للحكمة، وساحةً للصلح، ووعاءً للتراث الشعبي الحي.
والمصطبة هي المكان الذي تجتمع عليه القلوب قبل الأجساد، وتُروى فيه حكايات النجاح والإخفاق، والفرح والحزن، في وضح النهار أو هدوء الليل، لتصبح شاهدًا حيًا على ذاكرة القرية وضميرها الجمعي.
يؤكد الدكتور عزت إسماعيل السمعوني، من علماء وزارة الأوقاف، أن المصطبة لا يجوز اختزالها أو الانتقاص من قيمتها، قائلًا:
«أعترض على مصطلح فقه المصاطب، فلو اجتمع علماء يتناقشون في مسألة فقهية، هل نحكم على آرائهم بأنها فقه مصاطب؟ المصطبة مدرسة مفتوحة للتعلّم والتعليم، يتكلم فيها الكبير ويصغي الصغير، وفيها تُصقل العقول قبل الألسنة».
ويضيف أن المصطبة كانت ولا تزال ساحة لفنون القول، حيث تمتزج حكمة الشيخ، وطرفة الظريف، وربابة الشاعر، وحكايات قصّاصي الأثر، الذين اشتهرت بهم قرية العركي، وتنتقل من خلالها الخبرات والقيم شفهيًا في إطار من الاحترام والوقار.
المصطبة وآدابها الاجتماعيةيرى العم علي جهلان، أحد القامات المجتمعية بقرية العركي، أن المصطبة تمتلك منظومة أخلاقية متكاملة لا تتوافر في أماكن أخرى، ويقول:
«أشاهد على المصطبة ما لا أراه في غيرها، فلها آداب راسخة، فلا يجلس الشاب قبل الكبير، ولا يضع رجلًا فوق رجل، ولا يتكلم إلا بإذن».
ويؤكد أن من أهم قيم المصطبة إكرام الضيف وتوقيره، وحسن الاستماع إليه، مشيرًا إلى أن جلسات السمر الليلية تمثل ذروة قوة المصطبة، حيث تُروى أخبار النهار، وتُقال النوادر، وتُحسم الخلافات البسيطة عرفيًا، ويُعاد الحق إلى صاحبه، ويُرضى الجميع بعد إنصاف الضعيف من القوي.
المصطبة مدرسة للحياة والزراعةويصف الحاج عبد العزيز أبو فاوي، من كبار رجال القرية، المصطبة بأنها جامعة شعبية بلا أسوار، موضحًا أن مجالس المصاطب كانت مصدرًا رئيسيًا للمعرفة الزراعية، حيث يتم التعرف على مواعيد الزراعة والغرس، وطرق رعاية المحاصيل والنخيل والبساتين، وتوقيتات الري والحصاد، وحساب التكاليف والعائد، وتبادل الخبرات من الألف إلى الياء.
ويؤكد أن كل ذلك يتم في إطار إرشاد مجاني نابع من خبرة السنين، لا من كتب أو شاشات.
المصطبة والهوية الصعيديةويشير الحاج فوزي الهر إلى أن المصطبة مرآة للهوية الصعيدية الأصيلة، حيث تتجلى فيها ملامح الجلباب الصعيدي، والعمائم، والعصا، والعباءات الصوفية في فصل الشتاء، إلى جانب المنقد الذي يمنح الدفء في ليالي الشتاء القاسية. ويؤكد أن هذه الصورة ليست مظهرًا فقط، بل تعبير صادق عن قيم الرجولة والوقار والانتماء.
المصطبة في رمضان والمواسمويختتم العم جابر أبو حسين حديثه مؤكدًا أن أهمية المصطبة تتضاعف في شهر رمضان، حيث تتحول إلى مائدة عامرة، يجتمع حولها الأهالي على أصناف متعددة من الطعام والحلوى، وتمتد الجلسات أحيانًا حتى السحور، خاصة في فصل الصيف، فتغدو المصطبة مساحة للكلام الطيب، والأنس، والتراحم.
المصطبة بين الماضي والحاضروعندما يحضر الكبير، تتجمل المصطبة ويزداد وهجها، إذ يأسر الحضور بحديثه عن جمال الزمن الماضي وبساطة العيش وصدق العلاقات، ثم يقارن ذلك بالحاضر بما فيه من تطور وتكنولوجيا، فيحكم بعقل راشد يميل إلى الإنصاف، جامعًا بين أصالة الماضي ومزايا الحاضر.
ختامًا، فإن المصطبة في قرية العركي محافظة قنا ليست حجرًا أو مقعدًا، بل قيم متجسدة: الأخلاق، والرجولة، والنخوة، والجدعنة، والشهامة، والكرم. ولا تخلو المصاطب من الصالحين الذين يمدّون الأجيال بأعمالهم الصالحة ودعائهم، لتبقى المصطبة منارة تراثية تحفظ هوية القرية، وتربط حاضرها بجذورها العميقة.
المصدر
المصدر: الأسبوع
إقرأ أيضاً: