منمنمات فكرية.. المثقفو السلطة في مرآة التاريخ.. !
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
استهلال في مرآة المنمنمات الثلاث.
كيف نقرأ لحظة الخطر الوطني؟ هل نقرأها كتاريخ نُسجَلُ بموضوعية، أم كمسرحية نعيش أدوارها، أم كتشخيصٍ لمرضٍ يجب علاجه قبل استفحاله؟ ثلاث ” منمنمات فكرية ” رسمها ثلاثة مفكرين عرب من عصور مختلفة، تلتقي عند سؤال واحد محوري، أين يقف المثقف حين ينهار السقف ؟ هذه المنمنمات ليست لوحات منفصلة، بل هي فصول متصلة في سردية واحدة عن المسؤولية المهدرة والشرعية الضائعة.
المنمنمة الأولى: ابن خلدون – المؤرخ المحايد أم المُبرر الخفي ؟
” الطغاة يجلبون الغزاة “… مقولةٌ تحليلية باردة، تُختزل أحياناً إلى حكمةٍ قدرية. ولكن موقف ابن خلدون – كما يقدمه لنا سعد الله ونوس في مسرحيته ” منمنمات تاريخية “، وكما تكشف قراءة متأنية لمقدمته – يحمل تناقضاً مؤسساً لدور المثقف.
قوة التشخيص الخلدوني وضعف الموقف: لقد قدّم ابن خلدون أقوى أدوات التشخيص التاريخي لعطب الدول وسقوطها، محدداً دور الاستبداد ( ” الطغاة ” ) في تمهيد الطريق للانهيار ( ” الغزاة ” ). ومع ذلك، فإن الحياد الظاهري لعالم الاجتماع يتحول، في لحظة الأزمة ( كما قدمته مسرحية الأديب السوري الراحل سعد اللَّه ونوس ” منمنمات تاريخية ” نشرها في 1993م )()، إلى تواطؤ عملي. إنه يشخص الداء بدقة الطبيب، ثم يرفض وصف الدواء، بل وينتهي به الأمر إلى تقديم الاستشارة للغازي نفسه.
وهنا تكمن ” المعضلة الخلدونية ” للمثقف، الفصل بين المعرفة والعمل. يتحول التحليل البارد إلى ذريعة للانسحاب من ساحة المواجهة. يصبح المثقف سجين نظريته، حيث الهزيمة نتيجة حتمية لقوانين التاريخ، وليس خياراً بشرياً يمكن تغييره. هذا الموقف يخلق نموذج ” المثقف الشاهد ” الذي يوثق الكارثة بدلاً من منعها، وهو النموذج الذي سيستغله لاحقاً كل من يريد تبرير التعاون مع القوى الغازية تحت شعار ” قراءة الواقع “.
خلاصة موقف ابن خلدون، إن تحذيره كان صائباً، ولكن الامتناع عن تحويل التحذير إلى فعل يترك الباب مفتوحاً لتحويل الحكمة إلى تبرير. المثقف الحقيقي لا يكتفي بتسجيل قانون ” الطغاة يجلبون الغزاة “، بل يعمل على تفكيك الآلية التي تنتج الطغاة، لقطع الطريق على الغزاة.
المنمنمة الثانية: سعد الله ونوس – المسرحي كطبيب الجسد الاجتماعي
يتلقف ونوس المشكلة من حيث توقف التحليل المجرد، ليرسمها على خشبة المسرح بألوان بشرية درامية. مسرحية ” منمنمات تاريخية ” هي تشريح حي لفكرة ابن خلدون، وتطبيقٌ مأساوي لها.
تجسيد الثنائيات:
يقدم ونوس ثلاثة نماذج حية للمثقف في زمن المحنة.
أولاً المثقف الحماسي ( برهان الدين التاذلي ): يمثل خطاب المقاومة والإثارة الجماهيرية، ولكنه يتحول إلى طاغية صغير عندما يقمع الصوت النقدي المخالف ( الشيخ جمال الدين ). تحذير ونوس هنا يقول أن الثورة التي تقتل الحوار تصبح نسخة من النظام الذي تحاربه.
ثانياً / المثقف العالم ( ابن خلدون ) هو التجسيد الحي لـ ” المعضلة الخلدونية “. عالمٌ واسع المعرفة، ولكنه يعزل معرفته عن مسؤوليتها المجتمعية، لينتهي به الأمر إلى خدمة الغازي.
ثالثاً / المثقف الضحية ( جمال الدين ) ويمثل الضمير النقدي الخالص ( ” العقل خير من النقل ” ) الذي تطحنه آلة القمع، سواءً أكانت محلية ( التاذلي ) أو خارجية ( تيمورلنك ).
وتحمل مسرحية ونوس دلالة رمزية، إذ أن حصار دمشق عند ونوس هو مجازٌ عن الحصار العربي المعاصر. الغزو الخارجي ليس حدثاً مفاجئاً، بل هو الثمرة المُرّة لفساد داخلي طويل: تخلي السلطة ( هرب برقوق )، وتفكك النسيج الاجتماعي، وقمع العقل. المسرحية تقول: الغزاة لا يغزون إلا مجتمعاً قد هيأ نفسه، بيده، للغزو.
وخلاصة المنمنمة الثانية ” منمنمة ونوس ” حيث يرى ونوس أن دور المثقف هو دور ” الناصح الأمين ” و ” نكّاء الجراح “. مهمته ليست تسلية الجمهور ولا تبرير الواقع، بل كشف التناقضات الداخلية التي تهدد الكيان المجتمعي بأسره. الفن، في هذه الحالة، يصبح أداة تشخيص ووعي أقوى من الكثير من الخطابات النظرية.
المنمنمة الثالثة: أبوبكر السقاف – الطبيب المشخِّص والداعية إلى المقاومة المزدوجة.
يأتي السقاف ليقدم الوصفة العلاجية الواضحة، مبنيةً على التشخيص الخلدوني والتجسيد الوَنُوسي. مفهوم ” الاستعمار الداخلي ” هو حجر الزاوية في رؤيته، وهو ما يضع المثقف في موقع المحارب الأول.
في مقال الدكتور أبوبكر السقاف الذي نشره على أثر الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م تحت عنوان ” الاستعمار الداخلي يجلب الاستعمار الخارجي العراق أنموذجاً ” ينطلق فيه من التشخيص إلى البرنامج، فإذا كان ابن خلدون يقول ” الطغاة يجلبون الغزاة “، فإن السقاف يصرخ: ” حاربوا الطغاة ( الاستعمار الداخلي ) قبل أن يجلبوا لكم الغزاة ( الاستعمار الخارجي ) “. هو ينتقل من قراءة التاريخ إلى صناعة التاريخ المقاوم.
دور المثقف العضوي
المثقف عند السقاف ليس معلقاً ولا شاهداً، بل هو ” المقاوم بالكلمة والفكر “. واجبه الأول هو فضح وكشف آليات الاستبداد الداخلي (الفساد، القمع، التمييز) لأنها تشكل ” الباب الخلفي ” الذي يدخل منه الغازي. بذلك، تكون مقاومة الاستبداد المحلي هي الخط الأول للدفاع الوطني.
· الرد على التبريريين: رؤية السقاف هي الرد المباشر على من يحولون فكرة ابن خلدون إلى تبرير للتعاون مع المحتل. هو يرفض ثنائية ” إما الطاغية المحلي أو الغازي الأجنبي “، ويطرح الخيار الثالث: ” الشعب الحر ” الذي يقاوم الاثنين معاً، لأنهما وجهان لعملة واحدة من الهيمنة.
خلاصة المنمنمة الثالثة: المثقف هو حارس البوابة الداخلية. مكانته ليست في القصور ولا في الأبراج العاجية، بل في ساحات المجتمع حيث يرفع صوته ضد الظلم مهما كان مصدره. مهمته هي منع ” الاستعمار الداخلي ” من تمهيد الطريق لاستعمار خارجي.
استخلاصات: صورة المثقف “ما يجب أن يكون”
من تشريح هذه المنمنمات الفكرية الثلاث، تتبلور ملامح المثقف المسؤول:
هو مثقف اجسور يجمع بين عمق التحليل الخلدوني وجرأة المواجهة السقافية. لا يكتفي بفهم قوانين التاريخ، بل يعمل على تغيير مسارها.
وهو مثقف مستقل يحافظ على مسافة نقدية من كل سلطة، حاكمة كانت أو معارضة، محلية أو خارجية. استقلاله هو مصداقيته وشرعيته.
وهو مثقف عضوي يرى في مقاومة ” الاستعمار الداخلي ” ( الاستبداد، الفساد، القمع ) جزءاً لا يتجزأ من الدفاع عن الوطن ضد الأخطار الخارجية. كلمته سلاح.
وهو مثقف حواري يتجنب نزعة التسلط التي وقع فيها ” التاذلي “، ويؤمن بأن الحقيقة تولد من جدل الآراء، لا من فرض رأي واحد.
وهو مثقف واصِل يبني جسوراً بين المعرفة المتخصصة والجمهور العريض، ليكون جسراً للوعي وليس حارساً للأسرار.
الخلاصة الكبرى هي أن الهزيمة لا تُقرأ في كتب التاريخ بعد وقوعها فحسب، بل تُرى مقدماتها في صمت المثقفين وتخليهم عن دورهم النقدي اليومي. المثقف الحقيقي هو من يقرأ ” المنمنمات ” الماضية لا ليحزن عليها، بل ليرسم، برفقة شعبه، منمنمة مستقبلية مختلفة، حيث تكون الكلمة حرّة، والسلطة خادمة، والوطن منيعاً.
(*) ” منمنمات ” ( مفردها: منمنمة ) مصطلح فني إسلامي يعود أصله إلى كلمة ” منمنم ” الفارسية، والتي تعني ” اللون الأحمر القرمزي ” أو ” المُذهَّب “، ويرتبط بشكل خاص بفنون التصوير الإسلامي في المخطوطات. وفي السياق الفني، ” المنمنمة ” هي عبارة عن لوحة مصغرة مرسومة بدقة عالية، وكانت تُستخدم لتزيين المخطوطات والكتب الثمينة ( مثل قصص ألف ليلة وليلة، أو الشاهنامة، أو الكتب العلمية ). كما تتميز بدقتها الشديدة وتفاصيلها الدقيقة وألوانها الزاهية وتركيبتها الهندسية المحكمة، وغالبًا ما تُصوِّر مشاهد من الحياة اليومية أو القصص أو البلاط.
() شاهدها كاتب المقال مسرحية عرضت في عام 1997م في عرضها الافتتاحي التي تم تمثيلها في مسرح مفتوح بالقرب من أحد اسوار الجامع الأموي في دمشق ، ومثل دور فيها الممثل السوري جمال سليمان في بداية مسيرته الفنية نحو الشهرة
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
سلط الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الضوء على حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، قبل المشاركة المرتقبة للفراعنة في نهائيات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، في النسخة الأكبر بتاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى.
وأكد "فيفا" أن حسام حسن يمثل حالة استثنائية في الكرة المصرية، بعدما نجح في الجمع بين مسيرة أسطورية كلاعب يُعد أحد أبرز المهاجمين في تاريخ أفريقيا، وبين مشروع تدريبي طموح أعاد للمنتخب المصري شخصيته وهيبته على الساحة القارية والدولية.
من هداف تاريخي إلى قائد للمشروع الوطني
بدأ حسام حسن رحلته الكروية داخل أسوار النادي الأهلي، حيث صنع لنفسه مكانة خاصة كواحد من أعظم المهاجمين في تاريخ الكرة المصرية، قبل أن يخوض تجارب احترافية خارجية مع باوك اليوناني ونيوشاتل السويسري، ثم يواصل كتابة التاريخ بقميصي الأهلي والزمالك، محققًا العديد من البطولات المحلية والقارية.
ويظل العميد الهداف التاريخي لمنتخب مصر، وهو الإنجاز الذي عزز مكانته كأحد أبرز الأسماء التي ارتدت القميص الوطني عبر الأجيال، وجعل منه رمزًا خالدًا في ذاكرة الجماهير المصرية.
بصمة تدريبية صنعت شخصية جديدة
بعد اعتزاله الملاعب، بدأ حسام حسن مشواره التدريبي عام 2008، ليشق طريقه سريعًا بين كبار المدربين المحليين، من خلال تجارب ناجحة مع المصري البورسعيدي والزمالك والإسماعيلي وعدد من الأندية الجماهيرية.
وعُرف المدير الفني الحالي للفراعنة بأسلوبه القائم على الانضباط والروح القتالية والقدرة على استخراج أفضل ما لدى لاعبيه، وهي السمات التي انعكست بوضوح على الفرق التي أشرف على تدريبها، وجعلته أحد أبرز المدربين المصريين خلال السنوات الأخيرة.
مهمة استعادة الهيبة
في فبراير 2024، تولى حسام حسن القيادة الفنية لمنتخب مصر خلفًا للبرتغالي روي فيتوريا، في مرحلة اعتُبرت من أكثر الفترات حساسية في مسيرة المنتخب الوطني.
ومنذ اليوم الأول، وضع المدير الفني هدفًا واضحًا يتمثل في استعادة شخصية المنتخب وتعزيز الروح القتالية داخل الفريق، وهو ما انعكس سريعًا على نتائج الفراعنة وأدائهم خلال مشوار التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2026.
تأهل تاريخي بلا هزيمة
نجح منتخب مصر تحت قيادة حسام حسن في حجز بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2026 دون التعرض لأي هزيمة خلال التصفيات، في إنجاز أعاد الفراعنة إلى الواجهة العالمية وأكد نجاح المشروع الفني الذي يقوده "العميد".
ويرى الاتحاد الدولي لكرة القدم أن هذا التأهل يعكس التطور الملحوظ الذي شهده المنتخب المصري خلال الفترة الأخيرة، ويمنح الجماهير آمالًا كبيرة قبل الظهور المرتقب في المونديال.
حلم كتابة التاريخ
لا يتوقف طموح حسام حسن عند حدود التأهل إلى البطولة العالمية، إذ يسعى إلى قيادة منتخب مصر لتحقيق أفضل مشاركة في تاريخ الفراعنة بكأس العالم، وتجاوز الدور الأول للمرة الأولى، مستفيدًا من مجموعة تضم مزيجًا من أصحاب الخبرات والعناصر الشابة الواعدة.
ويعول المنتخب المصري على عدد من أبرز نجومه، يتقدمهم محمد صلاح وعمر مرموش ومحمود حسن تريزيجيه، إلى جانب مجموعة من المواهب الشابة التي تمثل مستقبل الكرة المصرية.
مجموعة مصر في كأس العالم 2026
أسفرت قرعة البطولة عن وقوع منتخب مصر في المجموعة السابعة، حيث يستهل مشواره بمواجهة قوية أمام بلجيكا يوم 15 يونيو في سياتل، قبل لقاء نيوزيلندا يوم 21 يونيو في فانكوفر، ثم يختتم دور المجموعات بمواجهة إيران يوم 26 يونيو في سياتل.
وتُقام مباريات المجموعة بين الولايات المتحدة وكندا وسط توقعات بمنافسة قوية على بطاقات التأهل إلى الدور التالي.
تاريخ الفراعنة في المونديال
يستعد منتخب مصر لخوض مشاركته الرابعة في تاريخ كأس العالم، بعدما سبق له الظهور في نسخ 1934 و1990 و2018.
وكان الفراعنة أول منتخب عربي وأفريقي يشارك في البطولة عام 1934 بإيطاليا، عندما واجهوا المجر وسجل عبد الرحمن فوزي أول أهداف مصر في المونديال.
كما شهدت نسخة إيطاليا 1990 واحدة من أبرز اللحظات التاريخية للكرة المصرية، بعدما سجل مجدي عبد الغني هدف التعادل الشهير أمام هولندا، ليمنح مصر أول نقطة في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم.
أما في نسخة روسيا 2018، فعاد المنتخب المصري إلى البطولة بعد غياب 28 عامًا، بقيادة الأرجنتيني هيكتور كوبر، وشهدت المشاركة تسجيل محمد صلاح هدفين ليعادل الرقم التاريخي لعبد الرحمن فوزي كأفضل هداف مصري في المونديال.
فرصة جديدة لصناعة المجد
يدخل منتخب مصر منافسات كأس العالم 2026 وسط طموحات غير مسبوقة، في ظل التطور الذي شهده الفريق خلال السنوات الأخيرة، والآمال الكبيرة المعلقة على الجيل الحالي لتحقيق إنجاز تاريخي يعيد الفراعنة إلى دائرة المنافسة العالمية.
ومع قيادة حسام حسن، أسطورة الملاعب المصرية وأحد أبرز رموزها، تتطلع الجماهير إلى رؤية منتخب قادر على تجاوز حدود المشاركات السابقة وكتابة فصل جديد في تاريخ الكرة المصرية على أكبر مسرح كروي في العالم.