ألسنا في حاجة إلى الخلدونية اليوم؟
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
كيف نُعيدُ قراءةَ فكر ابن خلدون في ضوء القرون الستة التي تفصلنا عنه؟ وهل هناك حاجة فعلية إلى تمثل مَتنه المعرفي بعد كل هذه المدة الطويلة التي أعقبت تاريخ وفاته (1406م)؟ وبشكل أدق، هل تنفعنا "الخلدونية" في رحلة البحث عن معنى لوجودنا كعرب ومسلمين؟
لا شك أن الزمن الذي يفصلنا عن حقبة صاحب المقدمة طويل، وأن العالم، ونحن جزء منه، شهد تغيرات نوعية في إدراكه للأشياء وطرق فهمه لتدبيرها، وأن قياس الشاهد على الغائب، كما يقال، قد لا يُفيد من الناحيتين الإبستمولوجية والمنهجية.
أذكر قبل عشرين سنة، حين حلت الذكرى الستمائة على وفاة الفقيه الشافعي عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406)، كيف توالت الندوات واللقاءات الفكرية، وسال مِداد كثير لإعادة قراءة وتحليل تراث هذا العالم، وتأكيد "عالمية" معارفه، بل إن بعضا مما قيل في حقه كاد يَسِمُ إنتاجه بالجامع المانع، الصالح لكل زمان ومكان. والحال أن ابن خلدون بشر، وكأي بشر، يَدين لبيئته بكل ما فكر فيه، وكتب عنه، وحلل فصوله وظواهره، بيد أن ذلك لا يمنع من أهمية التشديد على المستمِرِ المتجدِد في تفكيره. فابن خلدون حلل، برؤية انتقاديه، مسيرة سبعة قرون من التاريخ العربي الإسلامي (القرن 7م-14م)، مُجترحا أسلوبا جديدا في فن الكتابة التاريخية، لم يعتمده سابقوه ولم يتجاوزه لاحقوه، كما طرق مجالات معرفية بقدر كبير من الريادة في زمانه، من قبيل الفلسفة التاريخية، وعلم الاجتماع (العمران البشري)، وإلى حد ما علم السياسة، مستندا على عُمق علمه، وغزارة معارفه، وثراء تجربته الاجتماعية والسياسية. فعُمُره، الذي بلغ أربعا وسبعين سنة، عاشه موزعا بين موطن مولده تونس (24 سنة)، والمغرب والأندلس (26 عاما)، ومصر والشام والحجاز (24سنة)، وقد أكسبته رحلته المتأرجحة بين الفكر والقلم من جهة، والسياسة والانغماس في سراديب السلطة من جهة أخرى، تجربة غنية عز نظيرها في زمانه. ثم إن القرن الرابع عشر الذي عاش ردحا طويلا من عقوده، فتح نظره على الإرث الموحدي وهو يتفكك وينهار، ويفتح الباب لتاريخ عربي إسلامي جديد، سيشكل مادة خصبة لمؤلفه العُمدة "المقدمة".
تبدو الحاجة إلى الخلدونية اليوم من زاويتين متكاملتين؛ تتعلق أولاهما بالمنهج النقدي الاستنباطي الذي اعتمده ابن خلدون في فهم وقراءة تاريخ العرب والمسلمين، فصاحب المقدمة لم يقف عند سؤال "ماذا حصل ؟"، كما فعل سابقوه من المؤرخين، بل تجاوز إلى سؤالَي "كيف حصل؟"، و"لماذا حصل؟"، وقد أسس بذلك منهجا نوعيا في الكتابة التاريخية.. إننا في ضرورة قصوى إلى قراءة حاضرنا في ضوء هذين السؤالين المنهجيين، أي أننا في حاجة ماسة إلى نقد الذات، وكشف أعطابها، للتمكن من تقويمها وإعادة بنائها.
وترتبط الزاوية الثانية بالرؤية الشمولية، التي أطّرت قراءة مؤلف "شفاء السائل"، لتاريخ العرب والمسلمين الممتد على سبعة قرون (7م-14م). ففي المقدمة، على سبيل المثال، تتداخل مستويات التحليل في استحضار التاريخ، وفلسفة التاريخ، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والفقه، وحتى البُعد الدولي، الذي لم يكن يتجاوز في وعي ابن خلدون وقتئذ الفضاء المتوسطي بضفتيه الشمالية والجنوبية الشرقية.
فلو أخذنا جزئية من فيض ما ورد في المقدمة، وأمعنا النظر في تفاصيل ما كتب ابن خلدون، لاستطعنا إبراز الحاجة إلى الخلدونية اليوم، بحسبها منهجا وفكرا للمساعدة على فهم الحاضر. فهكذا، وحتى قبل ظهور علم السياسة بقرون، تحدث الفقيه الشافعي عن "السياسة" التي ينتظم بها أمر العُمران، وهي، حسب تعبيره، نوعان: "سياسة مستندة إلى شرع منزل من الله تعالى، يوجب انقيادهم إليه وإيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه"، و"سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم، وهي كذلك نوعان: سياسة مبنية على الحكمة، وهي التي تراعى فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة مُلكه على الخصوص، وسياسة مبنية على القهر، وهي التي تراعى فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك والقهر والاستطالة، وتكون المصالح العامة في هذه السياسة تابعا".
والحال أن هذا التحديد يقود إلى التمييز بين ثلاثة أصناف من السياسات المنفتحة على أمور العمران البشري عند ابن خلدون: سياسة "طبيعية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى "الغرض" و"الشهوة"، وسياسة "عقلية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وسياسة "شرعية"، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية الراجعة إليها.
وإذا كان التمييز الخلدوني واضحا في مستويات السياسة اللازمة للعمران البشري، فإن الأمر يستلزم التساؤل عن حدود المصلح والمفسد منها لبنيان العُمران ذاته، واستمراره، وتطوره. فمن الجائز منطقيا أن "الإصلاح وعدم الفساد في الأرض" يُضفي على السياسة، وعلى العمران الناظمة لأمره، منطق الوحدة عبر تعدد مستويات الحركة والممارسة (السياسات)، ثم إن "السياسة" سعي لتحقيق الصالح العام، والمصلحة عماد السياسة وجوهرها. وغالبا ما تعرّف السياسة وتحدد بالمقاصد التي تروم تحقيقها (مصلحة سلطان، مصلحة عامة، مصلحة شرعية)، علما أن هناك تشديدا لابن خلدون على الجوهر الإنساني للسياسة، أي واجب القيّمين عليها تحقيق جوهر الوجود الإنساني. وتتبين في مستوى آخر دلالات التوحد بين الأنماط الثلاثة للسياسة في صيغة الوجوب الواردة فيها مُشترِكة، أي "حمل الكافة"، أو الإلزام العام للكافة، حيث "إذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرُها، ولا يتم استيلاؤها"، بتعبير ابن خلدون.
لذلك، تكمن القيمة الراهنة للخلدونية في الربط بين السياسة المؤسسة على المصلحة العامة والعمران البشري، وكل اختلال يحصل بينهما يكون مضرا بالاجتماع البشري، الذي أقرته الشرائع أولا وشددت عليه، واستلزمته ضرورات الوجود والاستمرار ثانيا. ولعل قارئ المقدمة لا يجد أي عناء في الوقوف على المقاطع التي يربط ابن خلدون من خلالها بين خراب العمران وتفشي الفساد وغياب العدل.. أليس ثمة حاجة حقا إلى الخلدونية في قراءة حاضرنا العربي الإسلامي؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فكر ابن خلدون الاجتماع السياسة المصالح ابن خلدون اجتماع سياسة فكر مصالح قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ابن خلدون
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .