اكتشاف سر قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة
تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT
إنجلترا – يعمل الدماغ البشري بشكل مستمر على معالجة المعلومات التي تصل إليه بسرعات متفاوتة جدا فبعض الإشارات تتطلب رد فعل فوريا، بينما تتطلب إشارات أخرى معالجة أعمق وأبطأ لاستخلاص المعنى.
وفي دراسة جديدة نشرت بمجلة Nature Communications، كشف فريق بحثي من Rutgers Health النقاب عن آلية مبتكرة يتبعها الدماغ لتنسيق هذه العمليات ذات السرعات المختلفة.
ويعتمد هذا التنسيق على شبكة معقدة من الروابط العصبية، تعرف بالمادة البيضاء، والتي تعمل كطرق سريعة تربط بين مناطق الدماغ المختلفة.
والمفاجأة التي كشفتها الدراسة هي أن كل منطقة في الدماغ تعمل وفقا لـ “ساعة داخلية” خاصة بها، تسمى “المقاييس الزمنية العصبية الجوهرية”. وهذه الساعات تحدد المدة التي تظل فيها المنطقة محتفظة بمعلومة ما قبل أن تنتقل إلى المعلومة التالية.
وبعض المناطق، مثل تلك المسؤولة عن الانتباه والحركة، تعمل بسرعة كبيرة، في حين أن مناطق أخرى، مثل تلك المرتبطة بالتفكير المجرد والتخطيط، تعمل بوتيرة أكثر تمهلا.
ولدراسة كيف يتكامل عمل هذه المناطق، حلل الباحثون صورا بالرنين المغناطيسي لـ 960 شخصا، وقاموا برسم خرائط تفصيلية لشبكات الاتصال في كل دماغ. وباستخدام نماذج رياضية متطورة، تمكنوا من تتبع كيفية انتقال وتكامل المعلومات بين المناطق ذات السرعات المختلفة.
ووجد الباحثون أن كفاءة هذا التكامل ترتبط ارتباطا مباشرا بالقدرات المعرفية للأفراد. فأولئك الذين تكون روابط المادة البيضاء في أدمغتهم “متناغمة” بشكل أفضل مع الاختلافات الزمنية بين مناطق الدماغ المختلفة، يميلون إلى تحقيق أداء أعلى في المهام الذهنية.
والأكثر إثارة أن الدراسة ربطت هذه الاختلافات الزمنية بخصائص بيولوجية أساسية، مثل التركيب الجزيئي والخلوي لأنسجة الدماغ، ووجدت أن نفس المبادئ تنطبق حتى على أدمغة الفئران.
وتفتح هذه النتائج بابا جديدا لفهم اضطرابات الصحة العقلية. فالخلل في التنسيق الزمني بين مناطق الدماغ قد يكون عاملا أساسيا في أمراض مثل الفصام والاكتئاب، حيث يظهر تشوش في تدفق المعلومات وسرعة معالجتها.
ويعمل الفريق البحثي الآن على تطبيق نفس المنهجية لاستكشاف هذه الفرضية، ما قد يقود إلى تطوير أساليب تشخيص وعلاج أكثر دقة في المستقبل.
المصدر: ساينس ديلي
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..