اجتماعات مسقط.. ومستقبل دول مجلس التعاون
تاريخ النشر: 4th, September 2023 GMT
لا يمكن النظر إلى الاجتماعات المستمرة التي يعقدها أصحاب المعالي والسعادة وزراء ووكلاء الوزارات في دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة العمانية مسقط هذه الأيام إلا من زاوية عودة الروح لمجلس التعاون الخليجي بعد أن أثبتت التجارب السياسية والاقتصادية في المنطقة وكذلك التحولات العالمية أن المخاطر التي قام بسببها المجلس ما زالت ماثلة للعيان، بل إن تلك المخاطر تعقدت أكثر وأكثر الأمر الذي يحتم على دول مجلس التعاون الخليجي تنسيق جهودها وتضافرها من أجل تجنيب دول المجلس الكثير من الأخطار التي تحيط بها من كل الاتجاهات.
ورغم أن مجلس التعاون قد مر بمنعطف خطير جدا قبل عدة سنوات إلا الجذور الواحدة لشعوب المنطقة والمصير المشترك جعلت دول الخليج العربية تستطيع العودة إلى نقطة اللقاء والتآزر والفهم الحقيقي لصيرورة الأحدث.
إن الزخم الخليجي الذي تشهده العاصمة مسقط هذه الأيام يؤكد فيما يؤكده أن دول الخليج ذاهبة إلى مزيد من التعاون والتكامل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإذا كان النظام الأساسي الذي قام عليه المجلس في عام 1981 ينص على هذا التكامل فإن الدافع الأكبر هو شعوب المنطقة الذين ما زالوا يتطلعون وبكثير من الإصرار إلى أن تخطو دول مجلس التعاون خطوات أكبر في مسيرة التعاون الجماعي أو الثنائي بين دولها، وتجاوز كل التحديات التي تكون في الغالب انعكاسات لتحديات عالمية.
ومن نافل القول إن دول مجلس التعاون تشترك في العديد من المصالح، بما في ذلك التنويع الاقتصادي والأمن ومواجهة التهديدات الإقليمية مثل الإرهاب والتشدد، والخطر الذي يهدد الهُوية العربية والإسلامية وقيمها الأخلاقية ومبادئها الإسلامية إضافة إلى تحديات استمرار الاعتماد على النفط بوصفه مصدرا أول للدخل في وقت يشهد فيه العالم حملة ضد الطاقة الأحفورية إضافة إلى أخطار التغيرات المناخية التي تؤثر على الخليج العربي بموجات مخيفة من الجفاف إضافة إلى خطر الأعاصير النشطة في المحيط الهندي.
ورغم تعدد هذه التحديات إلا أن دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت قادرة مجتمعة على إحداث تغيرات جذرية في كل التحديات السابقة، وفي مقدمتها إرساء مبادئ التسامح والسلام، ونبذ العنف الناتج عن بعض الخطابات المتشددة التي لا أساس لها في الدين الإسلامي الحنيف، إضافة إلى قدرة الدول الخليجية للتحول من إنتاج الطاقة الأحفورية إلى إنتاج الطاقة الخضراء النظيفة والمساهمة في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وبناء مشاريع اقتصادية مشتركة قادرة على إحداث تحولات جذرية في الطبيعة الاقتصادية في دول المنطقة.
ويشكل التكامل الاقتصادي جانبا محوريا في مسيرة نجاح دول مجلس التعاون الخليجي. إن الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي يجعلها لاعبا مهما في الاقتصاد العالمي. ومن الممكن أن يؤدي تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول الأعضاء إلى زيادة التجارة والاستثمار والرخاء المشترك. ولا شك أن القوة الاقتصادية تستطيع أن تنعكس إيجابا على القوة السياسية الخليجية متى ما كان صوت دول المجلس صوتا واحدا منطلقا من مبادئها الراسخة القائمة على خلفيتها التاريخية والحضارية.
إن التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يجمعها بشكل دائم ومستمر على أرضية واحدة تنطلق منها رؤيتها لمختلف القضايا التي تدير منظومة علاقاتها الدولية ومواقفها السياسية المشتركة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: دول مجلس التعاون الخلیجی إضافة إلى
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود