وصول قوافل المساعدات إلى المعابر السودانية، سواء تلك التي دشنتها مفوضية العون الإنساني أو القافلة المصرية القادمة بالأمس عبر معبر أشكيت بمحلية وادي حلفا، أو المساعدات التي قدمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بولاية شمال كردفان، والمبادرة التركية عبر “مؤسسة قافلة الأمل” و”جمعية إغاثة الأيتام الأوروبية”، تعتبر خطوات تُظهر قدرة الدولة على إدارة الأزمة ضمن واجبها الإنساني والقانوني.

فالمساعدات المحمّلة بالمواد الغذائية والطبية تمثل إثبات واقعي على أن الدولة قادرة على حماية مواطنها حتى في المناطق التي تقع تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع، دون التفريط بسيادتها أو تفكيك منظومة الأمن الاجتماعي.

سياسيًا يرسخ قرار فتح المعابر لجميع المناطق، مبدأ أساسيًا في إدارة الأزمة: حماية المدنيين يجب أن تكون خارج أي اعتبار سياسي أو عسكري. هذا التوجه يقطع الطريق على أي محاولات لتسييس المعاناة ويضع الدولة في موقع قوة أخلاقية وقانونية، كما يعكس فهمًا استراتيجيًا إن استقرار المجتمع شرط مسبق لاستدامة أي مسار سياسي أو أمني.

ولا يقل عن هذا البعد الداخلي أهمية، الدور الإقليمي والدولي في دعم السودان. فإلى جانب المبادرة المصرية، تلعب السعودية دورًا واضحًا من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي وزّع 2,300 سلة غذائية للأسر ضمن مشروع دعم الأمن الغذائي للعام 2025م، مستهدفًا آلاف المستفيدين، كما تواصل قطر جهودها الإغاثية من خلال دعم مشاريع الإيواء والخدمات العلاجية، وتساهم المنظمات التركية مثل “مؤسسة قافلة الأمل” و”جمعية إغاثة الأيتام الأوروبية” في تقديم مساعدات لآلاف الأشخاص، في وقت يواجه فيه السودان أزمة إنسانية حادة تشمل نحو 25 مليون شخص، بينهم 14 مليون طفل، في ظل تفاقم انعدام الأمن الغذائي والمياه النظيفة والخدمات الصحية والنزوح القسري.

هذا التنسيق متعدد الأطراف يظهر قدرة السودان على استنهاض الشراكات الإقليمية والدولية وتحويل الأزمة الإنسانية إلى جسر للتعاون السياسي، ويضع معايير واضحة لكيفية إدارة التدخل الإنساني ضمن سيادة الدولة وبما يحفظ الشرعية والقانون الدولي الإنساني.

ويراهن السودان على أن تمتد الاستجابة الإنسانية لتشمل جميع الأصدقاء الإقليميين والدوليين، بحيث تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإظهار التضامن الفعلي مع الشعب السوداني ودعم مؤسساته في إدارة الأزمة كذلك يأمل السودانيون أن تتوسع المساهمات لتشمل توفير الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الطبية والمأوى للأسر النازحة والمتضررة، مع التركيز على حماية الأطفال والنساء والفئات الأكثر ضعفًا، وأن تتعهد الجهات الدولية بضمان استمرار التمويل والدعم الفني لمبادرات الدولة والمنظمات.

كما يتطلع السودان إلى تنسيق أكثر فعالية بين المانحين والمفوضية والمنظمات الإقليمية، بما يتيح استجابة أسرع وأكثر فعالية، ويحد من ازدواجية الجهود والفجوات الإنسانية، ويؤكد أن حماية المدنيين وإغاثتهم يجب أن تكون أولوية مطلقة، بعيدًا عن أي حسابات سياسية .

أيضآ يلعب العمل الطوعي المحلي دورًا مكملًا، حيث تظهر التجربة أن مفوضية العون الإنساني والمنظمات الوطنية التطوعية تلعب دورًا محوريًا في إدارة آثار النزوح وتخفيف التداعيات الاجتماعية للأزمة. ومع ذلك فإن ضعف التنسيق وتعدد مراكز القرار يحتم استحداث آليات وطنية موحدة، قادرة على تنظيم جهود الدولة والشركاء الإقليميين والدوليين، وتحويل العمل الإنساني إلى منصة لإعادة بناء الثقة واستدامة الرعاية.

في السياق وبحسب #وجه_الحقيقية تكشف هذه التجربة عن دلالة استراتيجية وتنموية واضحة: تأتي المبادرات الإنسانية من مصر والسعودية وقطر وتركيا بمثابة رافعة سياسية وأخلاقية تمكّن السودان من الحفاظ على سيادته وشرعيته، وتؤسس لشراكات إقليمية ودولية مستدامة. ومن هذا المنطلق، السعودية وقطر وتركيا ومصر يبتدرون المسارات الإنسانية، كإجراءات داعمة لمجهودات الحكومة السودانية للمبادرة والقيادة في إدارة الأزمات الإنسانية ضمن منظومة أخلاقية وسياسية متكاملة.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأحد 4 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/06 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة الكربلائية السودانية في الذكرى السبعين2026/01/06 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وما يجري…)2026/01/05 د. حسن محمد صالح يكتب: علي الحاج – دقلو2026/01/05 السودان في عيده السبعين بحاجة لبعض الإنصاف وقليل من جلد الذات!2026/01/05 السفيرة سناء حمد تكتب: على أعتاب الفجر2026/01/05 الخرطوم تتعافى.. هذه بشارة عززتها وتعززها عودة الوزارات الاتحادية إلى العاصمة2026/01/05شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات ماذا تريد اثيوبيا من السودان ؟.. 2026/01/05

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: فی إدارة

إقرأ أيضاً:

وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد

لأول مرة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول الخط الساخن بين واشنطن وتل أبيب إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصلت لحد الشتائم.

بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، انفجر ترامب غاضبًا في وجه بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

ووصل الأمر إلى الشتائم وتبادل عبارات غير مسبوقة بين رجلين لطالما قُدِّما باعتبارهما أقرب حليفين سياسيين في العالم الغربي.

الوغد المجنون

وفق ما هو منشور فقد قال ترامب لنتنياهو: لولا وجودي لكنتَ في السجن الآن، أيها الوغد ناكر الجميل".

ترامب قال لنتنياهو أيضا: "أنا من ينقذك..الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون".

قد تكون بعض تفاصيل المكالمة محل جدل، لكن الأهم من الألفاظ نفسها هو ما تكشفه الواقعة:

التحالف الذي بدا لسنوات صلبًا بين ترامب ونتنياهو لم يعد كما كان.

فكيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟

تحالف المصالح

لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرد علاقة بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي.

فترامب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة السياسية نفسها تقريبًا:
مدرسة الزعيم الشعبوي الذي يبني شرعيته على الخوف، ويقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للأمة، ويحول السياسة إلى معركة دائمة بين "نحن" و"هم".

كلاهما استخدم القومية كسلاح انتخابي.

وكلاهما قدم نفسه باعتباره ضحية لمؤامرات النخب والقضاء والإعلام.

وكلاهما وجد في الحروب والأزمات وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.

لهذا لم يكن تحالفهما يومًا قائمًا على القيم المشتركة بقدر ما كان قائمًا على المصالح المشتركة.


خلال ولاية ترامب الأولى، حصل نتنياهو على ما لم يحصل عليه أي زعيم إسرائيلي من قبل.

اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونُقلت السفارة الأمريكية إليها، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، كما رعت الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها نتنياهو إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق.

في المقابل، وفر نتنياهو لترامب صورة الزعيم الأمريكي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط ويقف بلا تردد إلى جانب إسرائيل.

كان كل منهما بحاجة إلى الآخر.

الصهيونية المسيحية.. الرابط الأعمق

العلاقة لم تكن شخصية فقط.

وراء ترامب تقف واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الولايات المتحدة: 
الإنجيليون المحافظون أو ما يعرف بالصهيونية المسيحية.

هذه الحركة لا تدعم إسرائيل لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب دينية وعقائدية أيضًا.

يعتقد كثير من أتباعها أن قيام إسرائيل وسيطرتها على القدس جزء من نبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح ونهاية الزمان.

لهذا السبب أصبحت إسرائيل قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي قضية خارجية.

وبالنسبة لترامب، فإن دعم إسرائيل كان وسيلة للحفاظ على ولاء ملايين الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون إحدى أهم قواعده الانتخابية.

أما بالنسبة لنتنياهو، فقد أدرك مبكرًا أن الطريق إلى واشنطن لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل أيضًا عبر الكنائس الإنجيلية المحافظة وقواعد الحزب الجمهوري.

هكذا نشأ تحالف بين اليمين الإسرائيلي والقومية المسيحية الأمريكية، تحالف تجاوز المصالح الاستراتيجية إلى مستوى الرؤية الأيديولوجية المشتركة.

لماذا يتشاجران الآن؟

الإجابة تكمن في حقيقة مجردة:
المصالح لم تعد متطابقة كما كانت.

ترامب يريد تسجيل إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران وإنهاء واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط.

أما نتنياهو، فيرى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا ومساحة لإعادة بناء قوتها.

لذلك ينظر الطرفان إلى الملف نفسه من زاويتين مختلفتين.

بالنسبة لترامب، التصعيد الإسرائيلي في لبنان أو أي مواجهة إقليمية واسعة قد يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران بالكامل.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي.

لهذا السبب لم يكن غضب ترامب من لبنان وحده، بل من احتمال أن يؤدي السلوك الإسرائيلي إلى إفشال مشروعه السياسي الأكبر في المنطقة.

الانتخابات تصنع السياسة

هناك عامل آخر لا يقل أهمية.

كلا الرجلين يتحرك وهو ينظر إلى صندوق الاقتراع.

ترامب يدرك أن الناخب الأمريكي سئم الحروب الخارجية الطويلة، وأن أي انزلاق أمريكي إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط قد يضر بشعبيته.

لذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يوقف الحروب لا الذي يبدأها.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.

المعارضة تتهمه بالفشل الأمني، وخصومه يتهمونه بالتبعية لواشنطن، بينما يضغط عليه اليمين المتشدد لإظهار مزيد من الحزم العسكري.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة:

ترامب يريد التهدئة ليكسب الانتخابات.

ونتنياهو يحتاج إلى التصعيد كي لا يخسرها.

نهاية شهر العسل

ربما تكون “مكالمة الأوغاد” مجرد لحظة غضب عابرة، أو خلاف مفاجئ بين حليفين تاريخيين.

وقطعا ما حدث ليس نهاية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل تصادم بين مرحلتين.

عندما كانت أهداف ترامب ونتنياهو متطابقة، بدا الرجلان وكأنهما يتحدثان بصوت واحد.

وعندما بدأت الحسابات الانتخابية والاستراتيجية تتباعد، ظهرت الخلافات ومعاها الشتائم.

حاليا، ترامب يريد شرق أوسط أكثر هدوءًا يسمح له بلعب دور "رجل الصفقات صانع سلام"، من أجل أولوياته الداخلية ومعاركه الانتخابية.

أما نتنياهو فيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا.

فكلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الضغوط الداخلية، ازدادت حاجته إلى خطاب التهديدات والمعارك المفتوحة واستدعاء المخاطر الوجودية التي أتقن توظيفها طوال عقود.

هنا بدأ التصادم.. وكلمة السر "تضارب المصالح"


في واشنطن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر التهدئة، بينما الطريق إلى البقاء السياسي في تل أبيب ما زال يمر عبر التصعيد.

لهذا فإن ما جرى كان مواجهة بين مشروعين شعبويين خرجا من المدرسة نفسها، ثم اكتشفا أن مصالحهما لم تعد تسير في نفس الاتجاه.

وحين تتعارض المصالح، تصبح الشتائم.. أسرع من المجاملات.

طباعة شارك دونالد ترامب البيت الأبيض واشنطن تل أبيب

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • سلطنة عُمان ومركز الحوار الإنساني يستعرضان نتائج التعاون وخطط تعزيزه
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
  • الأمين: اتساع أدوار المركزي مؤشر على ضعف مؤسسات الدولة
  • إبراهيم عبد الجواد يثير الجدل بشأن أهداف منتخب مصر.. تفاصيل