تراجع النفوذ الحوثي وانقسامات الشرعية.. عام الحسم يحدد مصير اليمن
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
عام 2026 لن يُذكر مستقبلاً كرقم جديد في تقويم الحرب اليمنية الطويلة، بل سيُنظر إليه باعتباره “عام الحسم” الذي سيحدد مصير اليمن؛ إما بإعادة بناء الدولة عبر عملية سياسية شاملة، أو السقوط في هاوية التفكك النهائي، خاصة مع تشابك الانقسامات الداخلية وتقلبات الإرادات الإقليمية وتصاعد هواجس المجتمع الدولي.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد الصالحين الهوني، رئيس تحرير جريدة العرب اللندنية، أن "اليمن يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة أطرافه المختلفة على تجاوز المصالح الضيقة، فإما أن تتوحد القوى الوطنية لإنقاذ الدولة أو سيصبح الانقسام العميق أمرًا لا يمكن تجاوزه".
تراجع نفوذ جماعة الحوثي يُشكل أحد أبرز المتغيرات الجيوسياسية التي تغذي توقعات "عام الحسم" هذا. بعد سنوات من الصراع والتمدد العسكري والسياسي، بدأت تظهر على الجسد الحوثي علامات إعياء عميقة، حيث لم تعد القدرات العسكرية للجماعة تحتفظ بزخمها السابق نتيجة استنزافها في المواجهات المباشرة مع التحالف العربي، ومواجهاتها الداخلية مع خصوم محليين، وصعوبات إدارة أراضٍ شاسعة تحت حصار اقتصادي خانق. كما أن أزمة السيولة المالية تحد من قدرة الجماعة على تلبية الاحتياجات الاقتصادية للمناطق الواقعة تحت سيطرتها، وهو ما يتزامن مع تفاقم المعاناة الإنسانية للسكان.
ويشير الهوني في هذا الإطار إلى أن "الحوثيين لم يعودوا القوة التوسعية التي كانت تهدد استقرار اليمن الإقليمي، بل تحوّلوا إلى قوة دفاعية تبحث عن أوراق تفاوضية قوية وتعمل على الحفاظ على مكتسباتها، لكن التصدعات الداخلية قد تجعل أي اتفاق مستقبلي هشًا إذا لم يُدعم بإرادة سياسية حقيقية".
الأكثر تأثيرًا هو تصدع الواجهة الداخلية، حيث تتصاعد حدة الانقسامات بين التيارات والأجنحة داخل الجماعة نفسها، بين من يرى المستقبل في مزيد من التصلب والتصعيد الخارجي، ومن يدرك ضرورة البحث عن مخرج سياسي يحفظ مكاسب السنوات الماضية. هذا الوهن المتزايد لا يعني زوال التهديد الحوثي، ولكنه يغير طبيعته من قوة توسعية قادرة على تحقيق انتصارات ميدانية، إلى قوة دفاعية تركز على الحفاظ على مكتسباتها والتفاوض على مصالحها.
على الطرف الآخر، لا تبدو الحكومة اليمنية "الشرعية" في وضع أفضل، إذ تحولت إلى كيان رمزي يفتقر إلى الفاعلية الحقيقية، وانتقل مركز الثقل والقرار الفعلي إلى قوى فصائلية متنافسة تتحكم في الأراضي والموارد. ويضيف الهوني: "الشرعية تواجه أزمة مصداقية كبيرة، فالناس لم تعد تثق بقدرتها على تقديم الأمن أو الخدمات الأساسية، وهذا الفراغ يجعل من فكرة إعادة بناء الدولة مهمة شبه مستحيلة بدون قيادة موحدة وإرادة وطنية حقيقية".
تصعيد الهجمات الحوثية على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب نقل الأزمة اليمنية من تصنيف النزاعات الإقليمية المأساوية إلى قائمة التهديدات المباشرة للأمن الاقتصادي والعسكري العالمي. لم تعد المسألة تتعلق فقط بالصراع على السلطة، بل باتت مرتبطة بأمن إمدادات الطاقة والتجارة العالمية واستقرار الأسعار في الأسواق الدولية. يرى الهوني أن "التركيز الدولي على الجانب الأمني والاقتصادي يحوّل اليمن إلى ساحة منافسة للقوى الكبرى، لكنه يغفل معاناة ملايين اليمنيين ويهدد فرص الحل السياسي المحلي، مما يزيد احتمالات التصعيد المستمر".
وسط هذه التحولات، يظل البعد الإنساني الأكثر إلحاحًا، حيث تشير التقديرات إلى سقوط أكثر من 1300 قتيل نتيجة المعارك المستمرة خلال عام 2026، إلى جانب اقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة وخدمات صحية وتعليمية شبه معدومة. ويقول الهوني: "الشعب اليمني يصل إلى حافة اليأس، وغضبه المكبوت قد ينفجر في احتجاجات شعبية عارمة أو انفجارات أمنية محلية، وهو ما قد يعيد رسم المشهد السياسي والأمني على الأرض بشكل مفاجئ".
في مثل هذا الوضع، تتقلص السيناريوهات إلى احتمالين رئيسيين. السيناريو الأول، الأكثر تفاؤلًا لكنه الأكثر صعوبة، يتمثل في إعادة بناء الدولة عبر توافق سياسي شامل، يشمل جمع الفصائل على طاولة واحدة لإعداد اتفاق كامل حول تقاسم السلطة والموارد، ونزع السلاح ودمج المقاتلين، مع دعم مالي وسياسي من المجتمع الدولي، وإرادة صادقة من النخب اليمنية لتقديم مصلحة البلاد على المصالح الحزبية والمناطقية. ويؤكد الهوني: "نجاح هذا السيناريو يتطلب تجاوز الخلافات الإقليمية والداخلية، وإظهار قدرة حقيقية على التوافق على رؤية مشتركة للدولة المقبلة، وإلا ستبقى العملية السياسية مجرد حلم بعيد المنال".
أما السيناريو الثاني، الأكثر قتامة، فيتمثل في استمرار حالة التفكك والانهيار، حيث يتحول اليمن إلى كانتونات منفصلة تحكمها قوى محلية متصارعة، مع استمرار تدخل القوى الإقليمية والدولية لضمان مصالحها، واستمرار الحروب المتفرقة منخفضة الحدة، وزيادة تهديد الممرات البحرية وانتشار الإرهاب، وتفاقم الكارثة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. ويختتم الهوني تحليله قائلاً: "إذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل، فاليمن سيظل فريسة لصراعات خارجية وداخلية، ولن يكون هناك حل مستدام إلا من خلال إرادة وطنية صادقة وتوافق شامل بين جميع الأطراف".
المصدر
المصدر: نيوزيمن
إقرأ أيضاً:
البيت الأبيض يغلق أبواب التأشيرات.. وإقصاء النساء والأقليات من مواقع النفوذ
تتجه إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى تنفيذ واحدة من أكبر عمليات تقليص خدمات التأشيرات الأمريكية فى أفريقيا، فى خطوة من شأنها أن تجعل الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة أكثر صعوبة وتعقيداً لملايين الأفارقة، ضمن حملة أوسع تستهدف تشديد قيود الهجرة وتقليص عدد الوافدين إلى الأراضى الأمريكية.
وكشفت مصادر أمريكية ومذكرة داخلية حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس عن أن وزارة الخارجية تعتزم خفض عدد السفارات والقنصليات الأمريكية فى أفريقيا المسموح لها بمعالجة طلبات التأشيرات من نحو 50 بعثة دبلوماسية إلى 20 فقط خلال الأسابيع المقبلة.
وأشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن موعد تنفيذ الخطة لم يحدد بصورة نهائية بعد، إلا أن الوزارة تتوقع بدء تطبيقها خلال شهر يونيو. وتأتى هذه الخطوة ضمن جهود إدارة ترامب الرامية إلى تقليص إصدار تأشيرات الهجرة والتأشيرات غير المخصصة للهجرة، فى إطار سياسة أشمل تهدف إلى الحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة وتشديد الرقابة على الأجانب الذين يدخلون البلاد بتأشيرات مؤقتة ثم يتجاوزون المدة القانونية المسموح بها للإقامة. كما تتزامن الإجراءات الجديدة مع حملة أوسع لتقليص أعداد العاملين فى السفارات والقنصليات الأمريكية حول العالم.
وخلال اتصال جماعى عقد يوم الجمعة الماضى، أبلغ مسئولون فى وزارة الخارجية الدبلوماسيين الأمريكيين ورؤساء الأقسام القنصلية بأن الإدارة قررت تقليص خدمات التأشيرات فى مختلف أنحاء القارة الأفريقية، وفقاً لأحد المسئولين المشاركين فى المكالمة.
وتوضح المذكرة أن القرار يستند إلى توجيه وافق عليه وزير الخارجية ماركو روبيو الأسبوع الماضى، وينص على تقليص العمليات القنصلية فى جميع المواقع الأفريقية باستثناء 20 مركزاً فقط ستحتفظ بكامل صلاحيات معالجة طلبات التأشيرات.
وكانت إجراءات الحصول على التأشيرات الأمريكية فى أفريقيا قد واجهت بالفعل عقبات متزايدة خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة قرارات إدارة ترامب المتعلقة بحظر السفر المفروض على بعض الدول، إضافة إلى اشتراط تقديم ضمانات مالية قد تصل قيمتها إلى 15 ألف دولار لبعض المتقدمين للحصول على التأشيرات.كما أثرت القيود الصحية المرتبطة بتفشى فيروس إيبولا فى بعض المناطق الأفريقية على عمليات إصدار التأشيرات.
وبموجب النظام الجديد، سيضطر مواطنو الدول التى لن تكون ضمن المراكز المعتمدة إلى السفر إلى دولة أخرى من أجل تقديم طلباتهم وإجراء المقابلات المطلوبة للحصول على التأشيرة الأمريكية. ويرى مراقبون أن هذا التغيير قد يفرض أعباء مالية ولوجستية كبيرة على المتقدمين، خصوصاً فى ظل ارتفاع تكاليف السفر وصعوبة التنقل بين العديد من الدول الأفريقية.
ورغم تقليص خدمات التأشيرات، ستبقى الأقسام القنصلية فى الدول غير المدرجة ضمن المراكز العشرين مفتوحة، لكنها ستقدم خدمات محدودة فقط. وستواصل هذه المكاتب تقديم المساعدة للمواطنين الأمريكيين، بما فى ذلك تجديد جوازات السفر، والتعامل مع الحالات القنصلية الطارئة، والنظر فى القضايا التى ترتبط بالمصلحة الوطنية الأمريكية، إضافة إلى معالجة طلبات التأشيرات الدبلوماسية.
ووفقاً للمذكرة وزارة الخارجية فإن المراكز العشرين التى ستحتفظ بكامل صلاحيات معالجة جميع أنواع طلبات التأشيرات فى أفريقيا ستكون موزعة على عدد من الدول الرئيسية فى القارة.
وتشمل القائمة أبيدجان فى ساحل العاج، وأكرا فى غانا، وأديس أبابا فى أثيوبيا، وكيب تاون وجوهانسبرغ فى جنوب أفريقيا، وداكار فى السنغال، ودار السلام فى تنزانيا، وجيبوتى فى جيبوتى، وكمبالا فى أوغندا، وكيغالى فى رواندا، وكينشاسا فى جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولاغوس فى نيجيريا، ولومى فى توغو، ولواندا فى أنغولا، ومالابو فى غينيا الاستوائية، ومونروفيا فى ليبيريا، ونيروبى فى كينيا، وبورت لويس فى موريشيوس، وبرايا فى الرأس الأخضر، وياوندى فى الكاميرون.
فى السياق أقدم وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيث على خطوة أثارت عاصفة من الجدل داخل وزارة الدفاع الأمريكية بعدما منع ترقية ما لا يقل عن سبعة ضباط فى البحرية كانوا قد اختيروا من قبل مجلس يضم كبار قادة البحرية للترقية إلى رتبة أميرال بنجمة واحدة، فى إجراء يقول مسئولون حاليون وسابقون فى البنتاجون إنه استهدف بشكل غير متناسب النساء والضباط المنتمين إلى الأقليات، ويبدو أنه استند إلى اعتبارات أيديولوجية مرتبطة بحرب هيجسيث على سياسات التنوع أكثر من استناده إلى معايير الجدارة المهنية.
وأدى تدخل هيجسيث إلى خروج قائمة جديدة تضم 22 مرشحاً فقط لرتبة أميرال بنجمة واحدة، وهى قائمة يقول مسئولون إنها لا تعكس التركيبة الفعلية للقوة البحرية الأمريكية التى سيقودها هؤلاء الضباط مستقبلاً. كما أن اثنين على الأقل من الضباط الذين استبعدوا من قائمة الترقيات كانا من النساء، بينما كان اثنان آخران من الرجال السود، إضافة إلى ثلاثة ضباط بيض. ووصف هؤلاء المسئولون خطوة وزير الدفاع بأنها خرق محتمل للقواعد التى تحكم نظام الترقيات العسكرية الأمريكى، ويفترض أن يكون نظاما مهنياً قائماً على الكفاءة وبعيدا عن الاعتبارات السياسية.
ولفتت النتائج النهائية للقائمة الجديدة الأنظار بشكل خاص، إذ لم تضم أى امرأة على الإطلاق رغم أن النساء يشكلن نحو 21 بالمائة من أفراد البحرية العاملين فى الخدمة الفعلية. كما أن القائمة لم تتضمن سوى ضابطين فقط من غير البيض، فى حين يمثل أفراد الأقليات العرقية نحو 38 بالمائة من القوة العاملة فى البحرية الأمريكية.
ويرى مسئولون سابقون وحاليون فى البنتاجون أن قرار حذف أسماء من قائمة الترقيات إلى رتبة أميرال بنجمة واحدة يعد أمراً نادراً للغاية. فوفقاً للوائح وزارة الدفاع لا يحق لوزير الدفاع استبعاد ضباط من قوائم الترقية إلا فى حالات محددة للغاية، مثل ظهور مشكلات أخلاقية أو عقلية أو بدنية أو مهنية تثير شكوكا حول أهليتهم لتولى مناصب قيادية.ويعتبر منتقدو هيجسيث أن هذه الخطوة تمثل أحدث حلقة فى سلسلة من الإقالات والتدخلات الإدارية التى استهدفت قيادات عسكرية عليا منذ توليه منصبه، ويقولون إن تلك التحركات تبدو مدفوعة بمعارضته لبرامج التنوع والشمول داخل الجيش أكثر من ارتباطها بأداء الضباط أو سجلاتهم المهنية.