مستثمر: بشغف المجتمع وتفاعله استطعت إعادة الحياة لحصن رخيوت
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
رخيوت - بخيت الشحري -
بدأ حامد بن سعيد عكعاك رحلته غير التقليدية لإحياء حصن رخيوت، برؤية ملهمة استشعر الشغف الذي يدفعه لإعادة هذا المعلم التاريخي الفريد إلى الحياة، وقف أمام جدرانه الضاربة في القدم يتخيل مشهدًا يمزج بين الماضي والمستقبل.
لم يكن الحصن مجرد هيكل مهمل بالنسبة له، بل كان رمزًا لهوية عُمانية غنية، ومع كل حجر قديم كان يُدرك أن هناك تاريخًا يستحق أن يُروى من جديد.
انطلق عكعاك في مشروع شامل لإعادة ترميم وتجديد الحصن، ليس فقط كمساحة للحماية، بل كمنصة ثقافية وسياحية تعكس عمق تاريخ المنطقة، واليوم يبدأ الحصن رحلة جديدة كمعلم يُسلّط الضوء على تراث ظفار الغني.
الجذور التاريخية
يمثل حصن رخيوت بأروقته وأساساته نقطة ارتكاز تاريخية تمتد بعمق في قلب الحياة الاجتماعية والإدارية للولاية، فقد أسس الأهالي هذا المعلم في عام 1525م بصفته مركزًا للمراقبة وحماية الساحل، وفقًا للوثائق التاريخية التي اعتمد عليها المستثمر حامد عكعاك. ومع مرور الزمن، وفي عام 1925م، أُعيد بناء الحصن بقرار من السلطان تيمور بن فيصل خلال زيارته التاريخية للولاية. ولكن، ومع اندلاع حرب ظفار، تعرض الحصن للتدمير مجددًا.
لم يتوانَ السلطان قابوس بن سعيد (طيّب الله ثراه) عن إعادة تشييد الحصن، ولتُستأنف أعمال الترميم بشكل شامل في عام 2013م، إلا أن الانطلاقة الحقيقية للحصن جاءت مع مشروع استثماري متكامل في عام 2025م، تحت إشراف وزارة التراث والسياحة والمستثمر حامد بن سعيد عكعاك، بتكلفة تجاوزت 126 ألف ريال عُماني، وجاء الحصن بعد ذلك بحلّة جديدة تعكس مكانته التاريخية وتفتح له آفاق التفاعل السياحي.
رؤية استثمارية
يعبّر حامد عكعاك، وهو من أبناء ولاية رخيوت، عن شعوره العميق بالمسؤولية تجاه هذا الموروث الثقافي، مُشيرًا إلى فترات طويلة مرت والحصن ظل مغلقًا دون استثمار حقيقي لدوره التاريخي، مؤكدًا أن الحصن بحاجة لمن يعيد إليه الحياة، ليس باعتباره مبنى تراثيًا فحسب، بل مركز ثقافي يروي حكايات تاريخ رخيوت الغني.
وقال: «بدأ المشروع برؤية واضحة تهدف إلى تحويل الحصن إلى مركز جذب ثقافي وسياحي، وهذا لن يُنشط الحركة التجارية في رخيوت فحسب، بل سيمتد تأثيره ليشمل الولايات المجاورة مثل ضلكوت، خاصة خلال المواسم السياحية التي يمكن أن تستقطب الزوار وتعزز من تجربة الضيافة العُمانية، إن هذا الجهد لا يمثل مجرد مشروع استثماري، بل هو إعادة إحياء للذاكرة الجمعيّة، ليصبح الحصن رمزًا للحياة الثقافية والديناميكية المتجددة في الولاية».
تحديات
أوضح حامد عكعاك -المستثمر ورائد المشروع- أن فريق العمل واجه خلال فترة أعمال الصيانة مجموعة من التحديات المعقدة، كان من أبرز هذه التحديات ضرورة استيراد بعض المواد الضرورية التي لم تكن متوفرة محليًا، بالإضافة إلى التعامل مع انسدادات مياه الأمطار داخل جدران الحصن ومشكلة الرطوبة العالية التي تزداد خلال موسم الخريف. هذه الظروف التي أدت إلى تلف الأخشاب والحديد والأسلاك تطلبت معالجة دقيقة وعناية فائقة.
ولضمان الحفاظ على الهوية التاريخية للحصن، استدعى عكعاك خبراء مختصين في ترميم القلاع العُمانية، مضيفًا أنه قام ببحث شامل حول تاريخ الحصن، وقد مكّنه هذا البحث من اكتشاف تفاصيل مهمة، منها أن الحصن كان قائمًا قبل زيارة السلطان تيمور بن فيصل بسنوات طويلة، وهو ما تم توثيقه وإدراجه ضمن السجل التاريخي للموقع.
وأشار عكعاك إلى أن واحدة من أبرز مخرجات المشروع الاستثماري كانت إنشاء «متحف حصن رخيوت»، الذي افتُتح في نوفمبر 2025 ليكون بمثابة واجهة معرفية وامتدادًا لدور الحصن الأصلي، ويضم المتحف أربع قاعات متخصصة تركز على التاريخ البحري، وتاريخ إنشاء الحصن، والمهن والحرف التقليدية، والنمط المعيشي القديم في رخيوت، كما يحتوي على منافذ لبيع منتجات الأسر المنتجة والحرفيين المحليين.
تعظيم العائد الاقتصادي
وعلى صعيد الأثر السياحي، ذكر عكعاك أن حصن رخيوت سجل في عام 2025 ما مجموعه 6408 زائرين من مختلف الجنسيات، وشهدت أعداد الزوار ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفعاليات التي يحتضنها الحصن، مثل «ليالي شتاء حصن رخيوت»، و«يوم المتاحف العالمي»، و«اليوم الوطني»، وأسهمت هذه الأنشطة في تحويل الولاية إلى محطة رئيسية على خريطة السياحة الثقافية في محافظة ظفار، متوسعةً من السياحة الطبيعية إلى السياحة التراثية المستدامة.
ولم يقتصر أثر المشروع على الجانب الثقافي فحسب، بل امتد إلى المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أصبح نموذجًا واضحًا لقدرة الاستثمار في المواقع الأثرية على توفير فرص عمل وتعظيم العائد الاقتصادي.
في هذا الصدد، أوجد المشروع فرصًا مباشرة للشباب في مجالات الاستقبال والإرشاد المتحفي، حيث يعمل حاليًا ستة متدربين ضمن إدارة الحصن.
كما أسهمت هذه الجهود في تحريك الاقتصاد المحلي من خلال إشراك الأسر المنتجة والحرفيين وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الذين يستفيدون من الفعاليات والأنشطة التي تُقام داخل الحصن.
ويؤكد عكعاك أن المواقع الأثرية ليست مجرد مبانٍ تاريخية، بل هي أصول اقتصادية قادرة على إنتاج وظائف جديدة، وتحريك القطاعات التجارية والخدمية المحيطة بها، وتعزيز هوية المجتمع.
ويضيف: «أن الاستثمار في التراث يُعد من أكثر الاستثمارات استدامة على المدى الطويل، بفضل اعتماده على أصول لا تنضب وقدرته على جذب شرائح جديدة من السياح، بالإضافة إلى دوره في إيجاد منظومة خدمات متكاملة تشمل الضيافة والتسوق والفعاليات الثقافية».
الشراكة المجتمعية
أشار حامد عكعاك إلى أن التفاعل المجتمعي كان له النصيب الأكبر في نجاح المشروع، حيث تحول الحصن إلى منصة مفتوحة لأبناء الولاية، يشاركون فيها في فعاليات متنوعة ومناسبات ثقافية وتراثية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..