الدبلوماسية العُمانية.. فلسفة العقل والاتزان
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
محمد بن رامس الرواس
تعتمد الدبلوماسية العُمانية ثابتة المبادئ على سياسات الهدوء الاستراتيجي؛ خاصة خلال الأزمات حيث تُدار الأزمات لديها بميزان العقل بعيدًا عن الانفعالات اللحظية أو المصالح الخارجية فسياستها لا تسمح لها بالتدخل في شؤون الغير، هذا الاتزان ينطلق من إيمان راسخ بأنَّ الحوار هو الأداة الوحيدة المستدامة لفض النزاعات، حيث إن السياسة العُمانية تقرأ الواقع بتجرد، وتبحث دائمًا عن "المساحات المشتركة" بين الخصوم، لتوجد في النهاية تفاهمات واقعية.
ما يُميز المدرسة الدبلوماسية العُمانية في السياسة الخارجية هو اتساقها الأخلاقي وقيمها ومبادئها المستمدة من إرثها الحضاري ودعوة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهي تتبنى مبادئ ثابتة لا تتغير بتغير المصالح الضيقة في مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين بجانب القيم الراسخة في مضمون ثقافتها الإنسانية والإسلامية التي تعكس احترام سيادة الآخرين لأنفسهم وأوطانهم.
هذا بجانب سياسة حسن الجوار الذي يتجاوز الجغرافيا ليكون عقدًا من التعاون والبناء المشترك مضافاً إليه الحياد الإيجابي وهو حياد لا يعني الانعزال، بل يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع ليكون الوسيط مقبولًا وموثوقًا.
الدبلوماسية العُمانية لا تبحث عن ظهور إعلامي او ما شابه؛ بل عن استقرار حقيقي للإخوة والجيران؛ فهي تبني الجسور، المرتكزة على الالفة والتفاهم للوصول الى الحلول المنشود.
إنَّ الاتزان العُماني في السياسة الخارجية اتزان ثابت على امتداد العقود الماضية، أثبتت فيه السلطنة أنَّ وجود التوازن والاتزان السياسي وقت الأزمات هو قوة وليس ضعفاً أو تخاذلا، ففي الوقت الذي استقطبت فيه الأزمات الإقليمية أطرافًا عديدة، ظلت مسقط بوصلة حل الأزمات ومؤشرا حقيقيا دائمًا نحو الحل السلمي. ومنبع هذا الاتزان جاء من الإرث الحضاري الذي علّم العُمانيين كيف يتعاملون مع مختلف الثقافات والآراء بعقل مفتوح وقلب مُتسامح.
يبرز الدور العُماني في الأزمة اليمنية كأحد أرقى تطبيقات دبلوماسية العقل والمنطق؛ ففي الوقت الذي تعقدت فيه خيوط الصراع، اختارت عُمان أن تكون الوسيط الموثوق والجار الصدوق الذي يمتلك مفاتيح الحوار مع جميع الأطراف دون استثناء.
ويمكن تلخيص نجاح الدبلوماسية العُمانية من خلال محورين أساسين؛ أولهما: سياسة الباب المفتوح؛ حيث ظلت مسقط الوحيدة التي تستضيف وفود كل الأطراف المتصارعة، موفرةً بيئة آمنة وهادئة للحوار بعيدًا عن ضغوط الإعلام، مما جعلها "الملاذ الآمن" لصناعة التفاهمات بعقل بارد ومنطق سليم. وثانيهما: البُعد الإنساني كأولوية؛ فلم تنظر السلطنة من زاوية الحسابات السياسية فقط؛ بل انطلقت من قيم الجوار والأخوة والعروبة والإنسانية، ففي حالة مثل اليمن الشقيقة فتحت حدودها للجرحى، وسهلت مرور المساعدات، ولعبت دورًا حاسمًا في صفقات تبادل الأسرى، ودعم الحوار إيمانًا بأهمية للتوافق والسلام.
إنَّ هذه الدبلوماسية العُمانية المُتفردة ليست موجهة للخارج فحسب؛ بل هي انعكاس للمشروع الوطني لسلطنة عُمان، الرامي إلى بناء إنسان مُتصالح مع نفسه ومع العَالم، مؤمن بأنَّ الكلمة الطيبة هي مفتاح القلوب والعقول معًا، إنها مدرسة الواقعية الأخلاقية المستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف التي تدرك أن السلام يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة الحرب عبر الحوار الهادئ الذي يقود إلى تفكيك الأزمات من جذورها، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، من خلال الوساطات الصادقة في تقريب وجهات النظر دون البحث عن مكاسب ذاتية.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.