عربي21:
2026-07-23@22:15:21 GMT

العالم تحت وحشية مزدوجة

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

أخطأ كثيرون في تقدير تصريحات دونالد ترامب غداة انتخابه للمرة الثانية، بإعلانه إعادة تسمية خليج المكسيك باسم أمريكا، وشهية بلاده بالسيطرة على قناة "بنما"، وحديثه المتكرر عن شراء جزيرة غرينلاند الدانماركية أو السيطرة عليها بالقوة، فقد أظهر الهجوم العسكري الأمريكي على العاصمة الفنزويلية كراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، أن الولايات المتحدة تعود للخلف قرنا من الزمان وتذكّر العالم بحديقتها الخلفية، وبأنها القوة العظمى التي لا يمكنها التخلي عن الإمبريالية الجديدة التي لا تقل شراسة عن سابقتها، ولا يمكنها المضي بحمل شعارات السلام والتعاون بين الشعوب، ولا باحترام القانون الدولي ورغبة الشعوب بتقرير مصيرها.



الديكتاتوريات ووحشية السلطة لا تبرر كل شيء؛ إزاحة السلطة بالغزو الخارجي، وممارسة العدوان على سيادة الدول، وحياكة المؤامرات لتغيير أنظمة الحكم، مثل العدوان على كراكاس واختطاف رئيسها، وإعلان ترامب السيطرة على نفط البلاد ورغبته في إدارتها، يُسقط كل الرغبات الفارغة عن "الديمقراطية" والاعتبارات الجوهرية لبقايا القانون الدولي التي من المفترض أن تحمي العالم من قانون الغاب الذي تفرضه القوة الغاشمة، هذه القوة التي تسحق الدستور الأمريكي أولا الذي ينص على أن الكونغرس وحده مخول بإعلان الحرب، لكن تصوير خطة تغيير النظام في فنزويلا على أنها عملية "شُرطية" تهدف الى تقديم مشتبه به إلى المحاكم الأمريكية؛ لا يرضي إلا من لا يكترث بالقانون الأمريكي.

تشكل هذه السابقة تذكيرا صارخا بعواقب العدوان والتدخل المباشر في شؤون البلدان الأخرى، والتي تفتقر إلى الشرعية الدولية. ربما لا تحتاج شعوب المنطقة العربية بما يذكرها بحقيقة وجوهر السلوك الإمبريالي لأمريكا في قضاياها وشؤون بلادها، ولا تتطلب قدرا كبيرا من التبصر لتلمس العمى الذي يصيب الأيديولوجية الإمبريالية والجشع المفترس لكل الشعارات التي تسوقها أمريكا للمنطقة وللعالم. فغزو العراق عام 2003 شكّل أول ضربة قوية للنظام الدولي الذي أرسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ومواقفها من الاحتلال الإسرائيلي تاريخيا حتى حرب الإبادة على غزة خلخلت الأسس العامة للشرعية الدولية وقوانينها. فسابقة كراكاس ليست النموذج الوحيد في عقلية دونالد ترامب التي أسقطت عنه كل الزيف الذي حاول بناءه عن نفسه، كـ"مخلّص" لكل مشاكل وحروب العالم.

من وجد فضائل بزعامة دونالد ترامب، وبمطرقة القوة التي يرفعها بوجه العالم، سيندم كثيرا على سياسة التراخي التي أظهرها أمام غطرسة القوة الأمريكية وأمام سياسة النفاق والتبجح عن "السلام"، والتعاون مع إدارته، عندما تتحول مصالحه بشكل تعسفي إلى التهديد والتدخل بشكل مماثل، والعبث بكل شيء، فيصبح كل شيء رمادا. فاستعراض القوة الذي يظهر في خطاب وسلوك إدارة ترامب رسالة موجه للعالم كله، من كندا إلى غرينلاند، مرورا بـ"ريفيرا غزة"، وهنا يقفز السؤال المنطقي عن القراءة العربية الرسمية التي كانت تتغزل دوما بفضائل زعامة دونالد ترامب؛ كيف تقرأ وتحلل وتستنتج رسائل الغزو الأمريكي لفنزويلا واعتقال رئيسها؟ وهل إيمانها ثابت بقدرة الإدارة الأمريكية على الضغط على إسرائيل لتنفيذ مبادرة ترامب لـ"السلام"؟

لا موقف، ولا رسالة عربية، نددت بالغطرسة الأمريكية في فنزويلا، لظن بعض الأطراف أنها غير معنية بما يجري بعيد عن أوطانها، ولظن البعض أنه معني بالبقاء داخل العباءة الأمريكية الإسرائيلية التي تضمن له التحرر من أي موقف، فالمصالح مؤمنة كما ينبغي لها أن تكون في الجعبة الأمريكية، فلا خطوط حمراء على شروط وإملاءات الإدارة الأمريكية في فنائها العربي مقلقة لها، والمال والنفط والأمن مستتب، غير أن واقع السلوك الإمبريالي يدحض هذا الأمان، إذا تمت قراءته من زاوية أخرى، فالجزيرة القطبية غرينلاند تتبع لحليف الولايات المتحدة (الدنمارك)، التي يصر ترامب على الاستحواذ عليها بالقوة أو الترهيب للتخلي عنها.

عودة الوحشية المفترسة للإمبريالية الأمريكية، من البوابة الفنزويلية، تضع العالم على المحك في الاستمرار بالزيف الطويل لفكرة التعايش السلمي وتطبيق القانون الدولي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، واحترام شرعة حقوق الإنسان وتقرير المصير للشعوب في أوكرانيا وتايوان وفلسطين وأمريكا اللاتينية وحتى أوروبا الواقعة تحت التهديد الروسي والأمريكي على حد سواء. فإرهاب الدولة بات يشكل أهمية بالغة في عودته لقبضة الإدارة الأمريكية، لإدارة مصالح الإمبريالية الأمنية والاقتصادية في العالم، وللحفاظ على هذه الاستراتيجية تعود سياسة تشويه قضية تقرير المصير للشعوب بقوة، وتفعيل سياسة "تأديب" الخصوم والحلفاء ونعتهم بالإرهاب ومعاداة "السلام"، بعد فشلها بالإيفاء بوعد خفض التصعيد في العالم وإنهاء النزاعات الدولية بالطرق السلمية، وهذا بحد ذاته يفقد الإمبريالية الأمريكية القدرة على الاستمرار في ارتداء قناع "الحضارة" وادعاء احترام الشعوب ورغباتها.

أخيرا، عقلية الإدارة الأمريكية الحالية، بكل ما تحمله من إشارات سلبية في السياسة والاقتصاد والأمن نحو العالم، لن تكون إيجابية الحضور في قضايا المنطقة العربية، وخصوصا القضية الفلسطينية، والمتوقع من الإدارة الأمريكية مستقبلا أن تقدم للعالم العربي صدمة أكبر مما تعرض لها العالم في غزة بعد فنزويلا، بتكثيف الضغط أكثر على النظام الرسمي العربي على اعتبار أن الغزو الأمريكي لكراكاس بداية حقيقية لانهيار النفاق الإمبريالي عن القانون الدولي، وإنكار لكل الشرائع ومقدمة لتركيع من لم يركع للإمبريالية ولإسرائيل في المنطقة العربية، وما لم تُقرأ رسالة الغزو عربيا بهذا الشكل الجميع تحت تهديد الوحشية المزدوجة لأمريكا وإسرائيل.

x.com/nizar_sahli

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب فنزويلا امريكا فنزويلا ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة رياضة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإدارة الأمریکیة القانون الدولی دونالد ترامب

إقرأ أيضاً:

بعد الضغوط الأمريكية.. ما هي اتفاقيات أبراهام وموقف السعودية منها ؟

شهدت الساعات الماضية حالة من الجدل بشأن احتمالية انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام كشرط وضعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإبرام الصفقة النووية مع المملكة وهو أمر مخالف للاتفاق الموقع أمس بين الرياض وواشنطن.

الصفقة النووية بين السعودية وأمريكا

ووقعت السعودية والولايات المتحدة اتفاقية تعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بين البلدين وتهدف، إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يسهم في تطوير التعاون المشترك وفق أعلى المعايير الدولية ذات العلاقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي.

البيت الأبيض يحسم الجدل.. هل طلب نتنياهو من السعودية الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام؟الصفقة النووية واتفاقيات أبراهام.. بيان عاجل من البيت الأبيض بشأن مباحثات ترامب وبن سلمان

وقع الاتفاقية وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، مع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت.

اتفاقيات أبراهام

أما عن اتفاقيات أبراهام فهي سلسلة بدأت في سبتمبر 2020 حينما وقعت الإمارات وإسرائيل اتفاقا يقضي بتطبيع العلاقات بين البلدين برعاية مباشرة من الرئيس ترامب في ولايته الأولى بالبيت الأبيض.

وانضمت فيما بعد عدد من الدول العربية والإسلامية إلى اتفاقيات أبراهام التي تنسب تسميتها إلى النبي إبراهيم عليه السلام، باعتباره شخصية مشتركة في الديانات الإبراهيمية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، وتهدف اتفاقيات أبراهام إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين إسرائيل والدول الموقعة.

أبرز الدول التي وقعت اتفاقيات أبراهام

الدول التي وقعت على اتفاقيات أبراهام هي الإمارات أعلنت تطبيع في أغسطس 2020، ووقعت الاتفاق رسمياً في سبتمبر 2020، إلى جانب البحرين والمغرب والسودان.

بعد الصفقة النووية .. تعليق مفاجئ من نتنياهو بشأن احتمالية انضمام السعودية لاتفاقيات أبراهامالصفقة النووية السعودية تحت الاختبار.. ترامب يشترط انضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام

وتتضمن الاتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية رسمية، وفتح سفارات وتبادل السفراء، وتعزيز التجارة والاستثمارات، والتعاون في مجالات مثل التكنولوجيا والطيران والسياحة والطاقة والأمن، بالإضافة إلى رحلات جوية مباشرة بين الدول الموقعة وإسرائيل.

موقف السعودية من اتفاقيات أبراهام

أعلن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في أكثر من مناسبة أن السعودية لن تطبع العلاقات مع إسرائيل إلا في حالة وجود مسار واضح ومعلن لإقامة الدولة الفلسطينية.

طباعة شارك اتفاقيات أبراهام السعودية انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام الرئيس الأمريكي ترامب وزير الطاقة الأمريكي

مقالات مشابهة

  • عراقجي يهاجم مواقف داخل الإدارة الأمريكية ويحذر من تداعيات التصعيد مع طهران
  • الإدارة الأمريكية تفرض رسوما جمركية جديدة مرتبطة بممارسات العمل القسري
  • البيت الأبيض: صبر ترامب تجاه جون ثون يوشك على النفاد
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران
  • الحكم الدولي أمين عمر يكشف كواليس مباريات كأس العالم 2026 السبت المقبل
  • بعد الضغوط الأمريكية.. ما هي اتفاقيات أبراهام وموقف السعودية منها ؟
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • مجلس النواب الأمريكي يصوت على وقف الحرب مع إيران