يرسم البيان الصادر عن اجتماع مجلس الوزراء الأول في هذا العام الذي ترأسه أمس حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- ثلاث طبقات من السياسة العامة تتحرك في وقت واحد: تنظيم الجانب المالي، وهندسة المؤسسات، وحماية المجتمع.
وما يمنح مخرجات الاجتماع ثقلا كبيرا أنه لا يكتفي بالإشادة بالمؤشرات، فنجده ينتقل إلى مسألة التنفيذ عبر التأكيد على التكامل بين المؤسسات والشراكة مع القطاع الخاص وتحويل الاتفاقيات إلى برامج عمل وتسريع التحول الرقمي.
لكن أبرز ما خرج به البيان في الجانب الاقتصادي هو إقرار إنشاء «مركز عُمان المالي العالمي» باستقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، وبناء نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد مواكب للمعايير العالمية. والسؤال هنا ما الذي يجعل مركزا ماليا «عالميا» حقا؟
الجواب يبدأ من ثلاثة عناصر هي القواعد الواضحة، والقضاء الناجز، والتنظيم المحترف. الجاذبية المالية في هذه المرحلة لا تكتفي بتخفيض الرسوم ولا بمجرد تيسير إجراءات؛ هي أن يعرف المستثمر ـ المحلي قبل الأجنبي ـ الجوانب التشريعية والقانونية التي ستحكم استثماراته. لذلك فإن الحديث عن نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد يرفع سقف التوقعات بقدر ما يفتح فرصا. وهو يضع معيارا دقيقا للنجاح: هل سيقدم المركز بيئة تُنافس في الحوكمة والشفافية وسرعة الفصل في المنازعات، وتربط ذلك بتطوير مهارات وطنية وخلق وظائف نوعية، ونقل معرفة حقيقية؟
وإذا كان المركز يستهدف جذب المؤسسات المالية العالمية والتأمين والخدمات المصرفية التجارية والإسلامية، فإن اكتماله يتطلب بنية مساندة لا تقل أهمية: قواعد امتثال قوية، وتدريب مستمر للكفاءات، ومسار واضح لتوطين الخبرة لا استيرادها مؤقتا. بهذا المعنى، يصبح «المركز» مشروع دولة يرفع قيمة القطاع المالي في الناتج المحلي، ويجعل عُمان محطة خدمات إقليمية، ويخلق وظائف ذات جودة. لكنه في المقابل يُلزم الجميع بترقية الثقافة المؤسسية من حيث التنظيم والالتزام.
ولكي لا يبقى الإصلاح المالي في قمته دون خدمات تمس الناس، شدد البيان على تسريع التحول الرقمي، وجعل البوابة الموحدة منفذا مركزيا للخدمات، مع توسيع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الخدمة وجودتها.
الاقتصاد، أيضا، يحتاج إلى محيط مستقر. لذلك بدا طبيعيا أن يشير البيان إلى نتائج مجلس التنسيق العُماني السعودي، وإلى أهمية تحويل الاتفاقيات والمذكرات إلى برامج تنفيذية، ثم التأكيد على مبادئ السياسة العُمانية المتمثلة في حسن الجوار، والحياد الإيجابي، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، واحترام السيادة، ودعم القانون الدولي والأمم المتحدة، وحث الأطراف على ضبط النفس وتمكين الحوار؛ وهذا في مجمله شرط للاستثمار وخفض المخاطر.
الصورة الكاملة التي يمكن أن نستشفها من بيان مجلس الوزراء تتضح بوصفها صورة متكاملة، تلتقي فيها الاستدامة المالية مع الحوكمة، وتلتقي الرقمنة مع الخدمة العامة، ويلتقي مشروع المركز المالي مع توطين المعرفة، ويلتقي النمو الاقتصادي مع تماسك المجتمع. وهكذا يتشكل مسار لسلطنة عُمان خلال عام 2026 وهو بهذه المحددات مسار قابل للقياس والمتابعة ولا يحيد عن الثوابت العمانية المستمدة من قيم المجتمع ومبادئه.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
أصدر الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، قرارًا بتكليف الدكتورة رحاب طه بالإشراف على قطاع "الإشراف والرقابة على قطاع التمويل غير المصرفي" إلى جانب عملها كمستشار رئيس الهيئة للبحوث والتطوير.
يأتي ذلك ضمن خطط الهيئة لتطوير آليات الرقابة على مختلف أنشطة التمويل غير المصرفي، ورفع كفاءة الجوانب التنظيمية بما يضمن تحقيق المستهدفات الاقتصادية للدولة وإنعاش حركة السوق وحماية حقوق المتعاملين.
وتشغل الدكتورة رحاب طه منصب مستشار رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية للبحوث والتطوير منذ يونيو 2019، وتتمتع بكفاءات تخصصية في مجالات السياسات التنظيمية والرقابية وتطوير الأسواق المالية غير المصرفية، كما تشرف على جهود البحث والتطوير المؤسسي الهادفة إلى دعم عملية صنع القرار الرقابي وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.
وخلال مسيرتها المهنية بالهيئة، اضطلعت الدكتورة رحاب طه بدور محوري في تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية من خلال مشاركتها في إعداد وصياغة العديد من القرارات التنفيذية المنظمة للأنشطة المختلفة، والإسهام في وضع قواعد تداول وتسوية العقود الآجلة، كما قادت فريق العمل المسئول عن وضع معايير "بازل 3 Basel III" الخاصة بالملاءة المالية لتعزيز كفاءة إدارة المخاطر والاستقرار المالي في القطاع.
كما ساهمت بدورٍ رئيسي في إعداد معايير التقييم العقاري وتقييم الآلات والمعدات، وشاركت في إعداد معايير تقييم الأصول غير الملموسة، بما يدعم دقة تحديد القيمة العادلة للأصول المعرفية والابتكارية، ويسهم في تيسير حصول الشركات الناشئة ورواد الأعمال على التمويل، دعمًا لبيئة الابتكار وريادة الأعمال في مصر.
وشاركت بفاعلية في إعداد ومتابعة تنفيذ استراتيجية الهيئة العامة للرقابة المالية (2023–2026) لتعزيز مساهمة القطاع المالي غير المصرفي في دعم النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
تحمل الدكتورة رحاب طه درجتي الدكتوراه والماجستير في الاستثمار والتمويل ودرجة بكالوريوس المحاسبة من كلية التجارة بجامعة القاهرة، بالإضافة إلى شهادة زميل معهد المحللين الماليين (CFA)، ودبلوم دراسات الجدوى وتقييم المشروعات الاستثمارية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة. وقد كتبت عددًا من الأوراق العلمية، ونُشرت أبحاثها في دوريات دولية مرموقة.
ولها أيضًا سجل حافل بالخبرات الأكاديمية والعملية في مجال الأسواق المالية، حيث عملت كمحاضر غير متفرغ في مجال الاستثمار والتمويل في العديد من الجامعات المصرية منها جامعة القاهرة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وجامعة مصر للعلوم الحديثة والآداب، وجامعة الأهرام الكندية.